"ثوار التوكتوك"... كيف أنقذوا آلاف الجرحى في شوارع بغداد؟

لم ينجوا من رصاص القناصة المنتشرين في المدينة

يُسميهم العراقيون أبطال "التوكتوك"، وهي تلك العربة الصغيرة ثلاثية العجلات، ذات الحجم الصغير، والقادرة على النفاذ خلال الأماكن الضيقة التي لا تتمكن السيارات حتى الصغيرة نسبيا من مشاطرتها فيها.

وعجلة التوكتوك، التي زادت قيمتها في تظاهرات الأول من أكتوبر (تشرين الأول) في العراق، وطوّر أصحابها ذلك الدور في الخامس والعشرين منه، برفع أعلام العراق وشعارات التظاهر على سقوفها وأبوابها، بسرعة وصولها إلى الجرحى الذين يصابون بإطلاق الرياص من القناصين لاستهداف المدنيين العزل، حيث يهرع سائقو "الـ توكتوك" إليهم ويحولون دون موتهم بنقلهم سريعاً إلى الخطوط الخلفية من التظاهر حتى يمكن إجراء الإسعافات الأولية لهم لحين إيصالهم للمستشفيات القريبة.

غدت هذه العجلة الغريبة على شوارع بغداد والمدن العراقية بلونها الأصفر تطغى على لون الشارع العراقي كأنها دعسوقات (خنافس) صفراء صغيرة، منقذة للمصابين والمحتاجين واختراق زحام الشوارع والأزقة وقت الأزمات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سائقو "التوكتوك" هم تعبير عن حكاية طويلة من الألم والعذاب والفقر وجيوش العاطلين، التي خلفها نظام المحاصصة الحالي الذي فشل في استيعاب الطاقات الشابة الصاعدة واضطر آلاف الشباب إلى البحث عن العمل بأي وسيلة شريفة، بينها استخدام عجلة التوكتوك رخيصة الثمن الذي يتراوح سعرها ببن الخمسمائة والألفين دولار، حتى أضحى الكثير من أهل بغداد يضيقون بها ذرعا، لكثرة انتشارها في الشوارع الرئيسة ومضايقة السيارات الحديثة التي تعيقها تلك العجلات التي انتشرت سريعاً خلال سنتين في العاصمة. لكن دورها تغير كثيراً وهي تجوب شوارع التظاهرات الأخيرة، وهي تنقل المؤن والأغذية إلى المتظاهرين ونقل العاجزين عن المشي في الشوارع الخالية من سيارات المُسعفين التي تغيب عادة وقت الأزمات، ولكثرة الحشود التي تعيق حركتها.

ازدادت شعبية شباب التوكتوك لنوع وكثرة التضحيات التي يقومون بها يوميا وعلى مدار الساعة، إذ يتوجهون بها من مناطق سكنهم في مدينة الصدر ذات الأغلبية الشيعية التي تعيش دون خط الفقر، ويقطنها ما يربو على ثلاثة ملايين مواطن عراقي قدموا من أرياف المدن الجنوبية هاربين من الإقطاع الذي انهار في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وقد عمل الرئيس الراحل عبد الكريم قاسم على إسكانهم شرقي بغداد حينها، بمنحهم قطع أراضي مجانية وتسهيلات لبنائها، مطلع ستينيات القرن الماضي، بعد أن تعهد بإخراجهم من حياة العشوائيات، ووضع سقوفا فوق رؤوسهم، وعملت الأنظمة المتعاقبة بعده على اعتبار وجودهم عقبة في مدنية العاصمة.

وعلى الرغم من توقع سكانها من الأنظمة والحكومات اللاحقة بعد التغيير لا سيما بعد عام 2003، أن تحدث النقلة النوعية في حياة هذا التجمع البشري الكبير الذي يمثل نصف سكان العاصمة سكنيا، فإنهم وجدوا أنفسهم في حالة من العوز وانعدام الوظائف التي استحوذت عليها الأحزاب الدينية بهدف كسب أصوات المرشحين الموالين لتوجهاتهم.

قادة عربات التوكتوك هم نتاج تلك البيئة المعدمة التي تناضل من أجل لقمة العيش، والاندماج في تفاصيل الأحياء الشعبية الفقيرة التي ملأت بغداد، وشكلوا جماعة مرجعية، لإشاعة حياة شعبوية لا تخلو من بطولات يومية لمساعدة الآخرين حيث برزت مهمتهم بين الأسواق والمحال التجارية التي تكمن في الأزقة والأحياء البعيدة عن مركز الأسواق الرئيسة مثل الشورجة في شارع السعدون والرشيد قلب بغداد.

سائقو التوكتوك نافسوا نظائرهم من "الستوتات" (عربة بأربع العجلات)، وهي الأكبر حجما والأكثر سعراً، والتي انخفض دورها بسبب هذين السببين، يميزها لونها الأحمر في مسارها، وهي أقل قدرة على النفاذ في الأزقة الضيقة، والقدرة على المناورة بين حشود المتظاهرين الذين هم من ذات البيئة التي انحدر منها أصحاب التوكتوك. لذلك تلمس تعاطفا واستماتة لإنقاذ أبناء جلدتهم وأي مصاب من دون معرفة وجهته وإيصاله لأهله أو لأقرب مستوصف صحي، وحين تسألهم عن جدوى تلك التضحيات التي يقدمونها يخبرونك بأنهم جزء من الحراك الشعبي، ومن واجباتنا الوطنية أن ننقذ المصابين برصاص السلطة.

أصحاب هذه العجلات الصغيرة قصة أخرى للوجع العراقي وتردي أحوال شعبه الذي أُفقر كثيرا نتيجة جشع السلطة وثرائها على حساب أبناء الشعب المنهوبة ثرواته المقدرة بالمليارات، والتي ضاعت في آلاف المشروعات الوهمية، وخلفت أجيالاً من جيوش العاطلين الذين يصرخون لكراماتهم وجوعهم في شوارع العاصمة والمحافظات.

المزيد من تحلیل