جونسون أمام البرلمان لا يتظاهر حتى بقول الحقيقة

تحوّلت مواجهة بوريس جونسون الثانية لأسئلة نواب مجلس العموم إلى مهرجان تقليدي للأكاذيب، التي يجب أن نستعد لطوفان منها بعد الإعلان عن موعد الانتخابات

جلسات المساءلة الأسبوعية لرئيس الحكومة تقليد بريطاني مستمر منذ عصور (أ.ف.ب)

تجربة جديدة تلك التي رأيناها مع رئيس الوزراء ظُهر يوم الأربعاء عندما صعد على منصة الخطابة في جلسة ما يعرف بـ "مساءلة رئيس الوزراء". لقد أمضى جونسون أكثر من ثلاثة أشهر في منصبه دون خوضه هذه التجربة سوى مرة واحدة من قبل.

كان آخر مرة حدث فيها ذلك عملياً قبل ثلاثة أسابيع، وتحديدا يوم ألقى جونسون كلمته في مؤتمر حزب المحافظين السنوي، وكان هذا تصادما مؤسفا في جدول أعماله نتيجة محاولته وفشله في إغلاق البرلمان.

وقتها تم اعتبار ذلك بمثابة إهانة للديمقراطية، لكن أي شخص تابع مجريات جلسة الأربعاء الجلسة لن يُفَوت الجانب المشرق من تلك الاستراتيجية.

إن الغرض من هذه المناسبات، كما جعلونا نعتقد، هو أن يقوم المجلس بأكمله، وخاصة زعيم المعارضة، في التدقيق بسياسات الحكومة من خلال طرح أسئلة صعبة على رئيس الوزراء.

وقد دأب جونسون في مثل هذه الحالات على مدى السنوات العديدة التي أمضاها ناشطا في الحياة العامة على خلق ما أسماه بـ "حائط من الضجيج الأشقر(نسبة إلى لون شعره)" - لقهر كل من يتحدَّاه بإعصار من الصخب.

غير أن هذا الأسلوب لا ينفع كثيرا في مجلس العموم مثل ما هو الحال في المقابلات التلفزيونية. لكنه يمتلك تكتيكًا جديدًا يتسم بالفعالية نفسها، وهو ببساطة الكذب.

إنها طريقة مجدية للغاية. فكيف يأمل أي شخص بتوجيه ضربة إليك عندما تحرر نفسك حتى من أهم الشروط الأساسية لقول الحقيقة كما يتخيلها أي شخص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي مناسبات عديدة خلال رده على أسئلة النواب، قال جونسون إن الحكومة لا تزال ملتزمة "بمغادرة الاتحاد الأوروبي بحلول 31 أكتوبر". وأثناء حديثه كان حزب المحافظين يرسل رسالة إلكترونية قصيرة وقوية إلى جميع أعضائه يقول فيها "إن حزب العمال قد أخَّر البريكست مرة أخرى". كما أمضى الصباح في اجتماع مع جيريمي كوربين، حيث فشل الاثنان في الاتفاق على جدول زمني جديد لتنفيذ البريكسيت، وعلى الهاتف مع زعماء الاتحاد الأوروبي لمناقشة طلب تأجيل الخروج الذي أرسله إليهم شخصياً في وثيقة رفض التوقيع عليها كطفل صغير ومشاكس على نحو لا يُتصور.

لقد كان الحدث، بطريقته الخاصة، جلسة مساءلة لرئيس الوزراء بأسلوب "قراصنة الكاريبي: عند نهاية العالم". يفقد هذا الفيلم الكثير من توتره الدرامي بمجرد توقف الموت عن كونه عقبة أمام الحياة. فكم من حدٍّ هناك في معركة السيوف، على سبيل المثال، عندما يقفز الطرف المهزوم على حافة الموت ثم يعود للحياة من جديد؟

ولذا فإننا مجبرون على الاستماع إلى كلمات بوريس جونسون أو نقوم على خلاف ذلك بتحليلها رغم أنْ لا معنى لأي منها على الإطلاق، لأنه يعرف ونحن نعرف، والجميع يعرف تماماً أن كلماته حطَّمت قيود الحقيقة الفظة منذ وقت طويل جدا.

إنه قادر على قول أي شيء بالتأكيد، و بالمطلق.

يشبه الأمر مشاهدة رجل يرفع شعارات انتخابية في اليوم التالي لخسارته الانتخابات. إنه، وحتى نشر هذا المقال، "لا يزال ملتزماً بمغادرة الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر" رغم أنه يعلم استحالة القيام بذلك.

والآن وقد بات مستحيلا تنفيذ البريكست في هذا الموعد، رغم استمرار جونسون في الادعاء بعكس ذلك، أصبحت خدعته التالية - هو ومساعدوه في رئاسة الوزراء - هي الادعاء بأنه "سيدعو إلى إجراء انتخابات عامة قبل عطلة عيد الميلاد". لقد حاول بالفعل وفشل في الدعوة لانتخابات عامة، ولا يوجد أي سبب على الإطلاق يدفعنا لنتخيل بأن هناك تغييرا يفرض الدعوة للانتخابات. إنه لا يستطيع الدعوة إلى تنظيمها.

إن كل ذلك مجرد صخب وصراخ. قل ما تريد على أمل أن يكون هناك شخصٌ ما يستمع إليك، ولا يهم إن كان كل ما يقال غير صحيح، لأن الشخص الذي سيسمع ربما لا يدرك ذلك.

ستكون هناك انتخابات عامة في مرحلة ما، ونعلم أن هذه ستكون استراتيجيته. لقد طبّقها مستشار رئيس الوزراء دومينيك كامينغز من قبل وسيُطبقها مرة أخرى. لقد شاهدنا بالفعل منشورات دعائية للمحافظين تم ضخها على فيسبوك مساء الثلاثاء وتمت مشاركتها 17000 مرة.

تقول هذه الدعاية "لقد تم تمرير صفقة جونسون في البرلمان، لكن حزب العمال صوت الآن لتأجيلها."

من المؤلم أن نشير إلى أنه لو تم تمريرها في البرلمان، لكانت أصبحت قانونا بالفعل. الحقيقة أنها كانت بعيدة كل البعد عن المرور في البرلمان، وهم يعرفون هذا، لكنهم يعلمون أيضاً أن الأشخاص المستهدَفون بالكذب لا يعلمون.

من الواضح، الآن، في أواخر عام 2019، أن الأحداث الانتخابية الكبيرة في الدول الديمقراطية الكبرى تحدث تحت رحمة وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لم يتوصل أي شخص بعد إلى طريقة لتنظيمها أو السيطرة عليها.

لا أحد يعلم تماما متى ستجري الانتخابات العامة، لكن هناك شيء واحد نعرفه بالتأكيد، وهو أنها ستكون انفجارا نوويا آخر من التخويف والكذب والكراهية على طريقة مستشار رئيس الحكومة كامينغز. ولا يسع البقية منا سوى التعايش مع العواقب.

© The Independent

المزيد من آراء