Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"التفوق الكمومي" اصبح واقعا في كمبيوتر خارق القوة قد يغير العالم

يحل في دقائق مهمات يستغرق انجازها الاف الاعوام بالنظم التقليدية

هل يفي كمبيوتر "سيكامور" بوعوده في تغيير العالم؟ (موقع شركة "غوغل")  

يزعم علماء أنّهم أثبتوا "التفوّق في مجال الفيزياء الكمومي" Quantum Physics بمعنى أنهم حققوا "التفوق الكمومي" Quantum Supremacy، وهو إنجاز ربما يغيِّر تاريخ الحوسبة التي هي أساس المعلوماتية كلها.

ويورد باحثون في شركة "غوغل" أنّهم توصّلوا إلى هذا الإنجاز التاريخيّ، ما يعني أنهم صنعوا كمبيوتر يعمل وفق مبادئ الفيزياء الكمومية (= "كمبيوتر كمومي" Quantum Computer)، واستطاع أن ينفذ فعلياً عمليات حسابية تعجز أجهزة الكمبيوتر التقليديّة الموجودة اليوم عن تنفيذها.

وتوضيحاً، ظهرت نظريات الفيزياء الكمومية والمعادلات الرياضية المرتبطة بها في مطلع القرن العشرين. وتعتبر نوعاً غير تقليدي من الفيزياء، بل تتعارض مع كل المفاهيم السائدة فيها. وتنظر إلى المادة باعتبارها مكوّنة من موجات وجسيمات مندمجين معاً. [هناك عبارة تلخص ذلك "كل شيء موجات، لكنه ثابت ولا يتموج متحركاً عبر المسافات"]. وكذلك تعتبر الكمومية أن الوقت قابل لـ"التموج" أيضاً، ما يعني أن المواد قد تتحرك بسرعة مساوية للوقت، فلا تحتاج له بل تلغيه أحياناً. وتتخطى الكمومية حتى الفيزياء النسبية التي أرساها آلبرت أينشتاين، ما دفع الأخير إلى معارضتها باعتبارها أقرب الى الخيال، خصوصاً بسبب نظريتها عن إمكان التحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء، بل الوصول إلى صفر وقت في الحركة مهما كان مداها طويلاً! وفي المقابل، تطبق مجموعة من قوانين الفيزياء الكمومية في المعلوماتية وشبكات الاتصالات المتطورة، ويجري الاستناد إليها خصوصاً في زيادة سرعة نقل البيانات الإلكترونية ومعالجتها.

واستناداً إلى ذلك، سعى يسود بين علماء الكمبيوتر اتفاق على أنّ "التفوّق الكمي" يشكِّل الخطوة الأولى في التقدّم صوب مرحلة من التطور يمكن أن تؤدي إلى تغيير العالم. نظرياً، تستطيع الحواسيب الكمومية معالجة البيانات بوتيرة تتخطّى بأشواط ضخمة سرعة أجهزة الكمبيوتر الموجودة اليوم، بالتالي يمكنها أن تغيِّر بشكل أساسي فهمنا لقدرات الآلات الذكية.

وفي المقابل، انتقد باحثون في شركة "آي. بي. إم" IBM الأميركيّة التي تعتبر من أبرز المشتغلين على صنع حواسيب كمومية، مزاعم "غوغل" بشأن تحقيق "التفوّق الكمومي"، منذ أن بدأت التسريبات الأولى عن نجاح "غوغل" في الوصول إلى ذلك التقدم. وأشار بحّاثة "آي بي أم" إلى أنّ الاكتشاف الجديد لا يرقى إلى مستوى العمق الذي سبق لـ"غوغل" أن وعدت بتحقيقه. ولم تحل تلك الانتقادات المُبكّرة دون نشر البحث الجديد أخيراً في مجلة "نيتشر" العلمية المرموقة، متضمناً توضيحات عن آليات عمل ذلك الاكتشاف الذي تدور مزاعم بشأنه منذ سنوات.

وفي ذلك البحث، أوضح باحثو "غوغل" أنّ حاسوب "سيكامور" Sycamore الذي صنعوه بأساليب الفيزياء الكمومية، يقدر خلال 200 ثانية على إنجاز مهمة قد تستغرق حوالي 10 آلاف سنة عبر حاسوب تقليدي.

ووفق كلماتهم، "تمثِّل السرعة التي استطاع كمبيوتر "غوغل" الكمومي تحقيقها، زيادة هائلة في سرعة عمليات الحوسبة، بالمقارنة مع كل الخوارزميات التقليديّة المعروفة، ما يعتبر تطبيقاً تجريبياً لمفهوم "التفوق الكمومي" في مجال أداء مهمة حسابية محددة. وكذلك تشكّل تلك السرعة بداية مرجوة لنموذج جديد في علوم الحوسبة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي التفاصيل يبرز من ناحية أن المهمة التي اختارها باحثو "غوغل" لاختبار نظامهم الكمومية عديمة الفائدة إلى حد كبير، في اللحظة الراهنة. إذ تمثّل عملها الرئيس في توليد أرقام عشوائيّة. ومن ناحية اخرى، كان الاختبار هو المرة الأولى التي تُنفّذ فيها تلك المهمة بواسطة أساليب كمومية بنجاح. واستطراداً، من الممكن أن يؤدي نجاح ذلك الاختبار مقدمة للتوصل إلى استعمال الكمومية في تطبيقات عمليّة، وفق بحاثو "غوغل".

وكذلك خلصوا في دراستهم إلى أنّه "نتيجة لهذه التطوّرات، ستتحوّل الحوسبة الكمومية من موضوع بحثيّ إلى تقنية عملية من شأنها إطلاق آفاق هائلة في علوم الحوسبة والمعلوماتية... ولا تفصلنا عن استعمال الكمومية في استخدامات مهمة ضمن زمن قريب، سوى صنع خوارزمية إبداعية واحدة تنطلق منها برامج كمبيوتر متطوّرة". وكذلك تأمل "غوغل" الآن في بناء نظام حاسوبي كمومي يقدر على النهوض بعمليات حوسبة أكثر تنوّعاً، ما يعني إمكانية استخدامها في مجالات متنوِّعة.

في سياق متصل، كتب باحثو "غوغل" في مدونة إلكترونية، أن "جهازاً كهذا يَعِدُ باستخدامات قيِّمة عدة. إذ يغدو مستطاعاً مثلاً تصور استخدام الحوسبة الكمومية في تصميم مواد جديدة، من بينها بطاريات خفيفة الوزن تكون بقوة كبيرة تكفي لتحريك السيارات والطائرات، ومواد كيماوية جديدة في مقدورها إنتاج الأسمدة بشكل أكثر كفاءة (يقدر أن ذلك النوع من الإنتاج يجري حاضراً بأساليب ينجم عنها أكثر من 2 ٪ من انبعاثات الكربون في العالم)، وأدوية أكثر فاعلية... ويتطلب التوصّل إلى القدرات الحاسوبية اللازمة لتحقيق تلك الأمور، سنوات من المجهود الهندسيّ والعلميّ الشاق. لكن ثمة طريق واضح أمامنا الآن، ونحن حريصون على المضي قدماً".

يُذكر أنّ أقاويل كثيرة راجت عن ذلك الإنجاز الذي حققته "غوغل"، منذ تسرّبت نسخة مبكرة من البحث المُشار إليه آنفاً عبر الإنترنت في الشهر الماضي. ولكن نشره في مجلة "نيتشر" مع إمكانية إطلاع كل المهتمين عليه، شكّل المرة الأولى التي يدور فيها نقاش علني حوله.

في مقلب آخر من المشهد نفسه، انتقدت شركة "آي. بي. إم" الإعلان عن ذلك تحقيق ذلك الإنجاز فعليّاً. إذ رأت أنّ الدراسة التي قدّمها باحثو "غوغل" كانت ناقصة في الأساس، وبالغت "غوغل" أيضاً في تقدير صعوبة المهمة التي قام بها حاسوبها الكمومي ومدة إنجازها على جهاز كمبيوتر تقليديّ. وفي مدونة نُشرت قبل يومين من عرض الدراسة في مجلة "نيتشر"، أوضحت "آي بي أم" أنّ تلك المهمة ستستغرق حوالى 2.5 يوماً على حاسوب عاديّ، وستُنجز بشكل أكثر فاعلية بالمقارنة مع كمبيوتر "غوغل" الكمومي. وفي المقابل، يتوجّب على "أي. بي. إم" أن تُثبت تلك الادعاءات.

وفي تطوّر متصل، لم تسلم عبارة "التفوّق الكمومي" نفسها من النقد، أولاً من جراء تشابهها مع عبارة "تفوّق العرق الأبيض"، وثانياً حقيقة أنها قد تشجع على تقديم تقارير مبالغ بها حول فائدة التكنولوجيا الكمومية. وقد تناول هاتين الذريعتين جون بريسكيل، الذي ابتكر عبارة "التفوّق الكمومي" في 2012. إذ خلص في مقال نشره أخيراً إلى أنّه على الرغم من صحة تلك الاعتراضات، يبقى الاختراق الذي حققته "غوغل" في عالم الحواسيب الكمومية، إنجازاً بالغ الأهمية.

© The Independent