Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران بين اتفاق بكين و"حلف مكة".. مصالحة أم مناورة؟

رغبة بزشكيان في الانضمام إلى الحلف الثلاثي تثير تساؤلات حول حسابات طهران، بينما تعرض الوساطة في حرب تحركها

توسع دائرة المتضررين من أزمة الحوثي تضيق الخناق على حلفائه(اندبندنت عربية)

ملخص

تتجلى المفارقة الإيرانية بصورة أوضح في عرض وزير خارجيتها عباس عراقجي التوسط لإنهاء الحرب في اليمن، بينما تؤكد طهران تمسكها بالتزامات اتفاق بكين مع السعودية، الذي نص صراحة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، من دون استثناء الجماعات المرتبطة بها.

في مفارقة سياسية لافتة، أبدى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استعداد بلاده للانضمام إلى "حلف مكة" الدفاعي، الذي تقوده السعودية إلى جانب تركيا وباكستان، بينما تتعرض السعودية ودول خليجية أخرى لهجمات إيرانية، أو من جماعات مسلحة مرتبطة بطهران.

فهي رغبة تطرح تساؤلاً يتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي، إلى كيف يمكن لإيران أن تصبح جزءاً من منظومة دفاعية أنشئت في خضم التهديدات التي تشكلها سياساتها الإقليمية، وهل يعكس موقف رئيسها تحولاً في حسابات طهران، أم محاولة لاحتواء تحالف آخذ في الاتساع، قبل أن يتحول إلى جبهة إقليمية أكثر صلابة في مواجهتها، إن هي مضت في زعزعة استقرار الاقليم. 

أما من جهة المبدأ، فإن الدول المؤسسة لاتفاق مكة للدفاع المشترك، أكدت أنه تحالف دفاعي بحت وليس موجهاً ضد أي دولة، بل يمكن للدول التي تشاركه أهدافه أن تنضم إليه في المنطقة. وفي هذا السياق، شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في تصريح رسمي يوضح الطبيعة التأسيسية للحلف قائلاً: "الاتفاق دفاعي بطبيعته وليس هجومياً، كما أنه مفتوح أمام انضمام دول جديدة"، مما يعكس مرونة التحالف وعدم استهدافه لأي طرف إقليمي.

وكان بزشكيان وصف التحالف بأنه "خطوة إلى الأمام نحو الوحدة الإسلامية"، مؤكداً استعداد بلاده للمشاركة في هذا المسار، على رغم إقراره بأن طهران لم تطلع بعد على تفاصيل قراراته. ويأتي هذا الموقف بعد نحو شهرين من توقيع اتفاق الدفاع المشترك في مكة، خلال السابع من أغسطس (آب) الماضي، الذي ينص على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداء عليها جميعاً، في صيغة تستحضر مبدأ الدفاع الجماعي المعمول به في حلف شمال الأطلسي.

ومع أن الدول المؤسسة حرصت على تأكيد الطبيعة الدفاعية للتحالف، وأنه لا يستهدف إيران ولا غيرها، فإن ظروف نشأته تمنحه دلالات يصعب فصلها عن التهديدات الإيرانية، خصوصاً مع تصاعد هجمات الحوثيين على السعودية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، والخسائر التي تتكبدها الميليشيات يومياً على الأرض.

وأكد الناطق الرسمي للقوات المسلحة اليمنية العقيد ماجد النزيلي أن قوات الشرعية لا تزال تحافظ على زخمها القتالي في الجبهات.

 وفي إفادته اليومية عن سير المعارك ضد الحوثيين، قال أمس السبت إن التشكيلات المسلحة نفذت 1417 عملية استهداف خلال الساعات الـ24 الماضية، ضمن عملية "فجر اليمن"، باستخدام الطيران الحربي والمسير والمدفعية والراجمات، استهدفت تجمعات الميليشيات وتعزيزاتها وتحصيناتها ومصادر نيرانها. وأوضح أن العمليات أسفرت عن مقتل وجرح نحو 800 من عناصر الحوثيين، وتدمير وإعطاب أكثر من 190 آلية مدرعة ومركبة قتالية ووسيلة إمداد، مؤكداً أنها أربكت تحركات الجماعة وحالت دون وصول إمداداتها إلى الجبهات أو تحقيق أي تقدم ميداني.

حساسية باكستان

وتزداد حساسية التوقيت بالنسبة إلى إيران مع اتساع نطاق المواجهة في اليمن، حيث دخلت القوات الحكومية المدعومة سعودياً في عمليات عسكرية ضد الحوثيين، تزامناً مع دعم باكستان وتركيا الجهد الدفاعي السعودي.

وتكتسب باكستان أهمية خاصة في هذه المعادلة، ليس بسبب قدراتها النووية والعسكرية فحسب، بل أيضاً لموقعها الجغرافي المتاخم لإيران، وتجربتها السابقة في تبادل الضربات عبر الحدود في إقليم بلوشستان عام 2024. وبدأت بالفعل جبهات بلوشستان تشتعل تزامناً مع التطورات الجديدة، وفقاً لنشطاء إيرانيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي مؤشر إلى اتساع المواجهة خارج حدود اليمن، وجه تحالف دعم الشرعية أصابع الاتهام إلى أطراف إقليمية لم يسمها، قال إنها تقدم دعماً تقنياً وعسكرياً للحوثيين. وكشف المتحدث باسمه اللواء تركي المالكي عن تدمير 127 مخزناً للأسلحة في المناطق الجبلية، إلى جانب منصات إطلاق الصواريخ والمسيرات، مشيراً إلى "استخدام الجماعة تقنيات متطورة حصلت عليها بدعم من أطراف إقليمية"، في اتهام يعزز الشكوك المحيطة بدور طهران في التصعيد الأخير.

وتتجلى المفارقة الإيرانية بصورة أوضح في عرض وزير خارجيتها عباس عراقجي التوسط لإنهاء الحرب في اليمن، بينما تؤكد طهران تمسكها بالتزامات اتفاق بكين مع السعودية، الذي نص صراحة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، من دون استثناء الجماعات المرتبطة بها.

وسيط أم طرف؟

 ورفضت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة العرض الإيراني، مؤكدة أن النظام الإيراني "طرف في الحرب على اليمنيين لا وسيط فيها"، واتهمته بإطالة أمد الصراع عبر تسليح الحوثيين وتمويلهم وتدريبهم وتزويدهم بالصواريخ والمسيرات والخبراء. ويكشف الموقف اليمني عن التناقض بين دور الوسيط الذي تطمح إليه طهران، والدعم الذي تتلقاه الجماعة منها، وإن كانت إيران تتمسك بأن الحوثيين مستقلون في قرارات الحرب والسلم.

ويرجح محللون سياسيون أن يكون التصعيد الحوثي الأخير جاء بإيعاز إيراني، بهدف مضاعفة الكلفة العسكرية والاقتصادية على الرياض وحلفائها، بعد تعثر مساعي طهران لإحكام السيطرة على إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز. ووفق هذه القراءة، باتت إيران تسعى إلى توظيف مضيق باب المندب لتعويض محدودية قدرتها على فرض إرادتها في هرمز، في حين تعرض الوساطة على السعودية لإنهاء هجمات الجماعة التي تتهم بدعمها، بدلاً من وقف ذلك الدعم.

 وهي اتهامات تعززها تقارير صحافية أميركية تحدثت عن تقديم الحرس الثوري معلومات استخباراتية وتوجيهات عسكرية للحوثيين، على رغم نفي الطرفين وجود تنسيق مباشر في شأن الهجمات الأخيرة.

اختبار الحوثي

وفي هذا السياق، يرى اللواء المتقاعد أحمد الميموني، في تعليق خاص لـ"اندبندنت عربية"، أن طهران لم تصل بعد إلى قناعة بالتخلي عن "محور المقاومة"، وتعد الحوثيين ورقة استراتيجية مهمة في حساباتها، إذ تطمح إلى استخدام نفوذ الجماعة في باب المندب لمضاعفة تأثير إغلاق هرمز. ويضيف أن إيران "تحتاج إلى استمرار الوساطة الخليجية، وتخشى تحول المواقف الخليجية إلى مصدر ضغط دولي ضدها، ولذلك تبعث من حين إلى آخر رسائل في شأن تحسين العلاقات، لكن استمرار دعم الحوثيين يبقى المعيار الحقيقي للحكم على نياتها، ولا يستبعد وجود ضغوط صينية للحد من التدخل الإيراني في مسارات الطاقة".

أما الأكاديمي والمحلل السياسي الباكستاني اشتياق أحمد فيربط إمكان قبول إيران في التحالف بتغيير جوهري في سياساتها الإقليمية، وليس بمجرد إعلان رغبتها في الانضمام. وفي تعليق وجهه إلى بزشكيان، دعا الرئيس الإيراني إلى تحدي سياسات الحرس الثوري تجاه الخليج، ووقف الهجمات على السفن في هرمز، والعمل على إنهاء تصدير الثورة ودعم الجماعات المسلحة. ويرى أن "انضمام إيران يتطلب احترام سيادة الدول وحدودها ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والتخلي عن توظيف الجماعات المسلحة في علاقاتها الخارجية".

دخول مصر في الحرب

وإلى جانب التحركات العسكرية في اليمن، جاء الإعلان المصري أمس ليضيف ثقلاً عربياً جديداً إلى الجبهة المناهضة للهجمات على السعودية وتضييق الخناق على إيران وأذرعها. فقد أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت ذلك، ودعا البرلمان إلى اجتماع طارئ لبحث تفويضه إزاء هذا الشأن.

وأعلن المجلس الدفاعي في وقت لاحق قرار القاهرة بـ"تقديم جميع صور الدعم للسعودية للدفاع عن أمنها واستقرارها".

وفي مقالة بعنوان "دخول مصر الحرب"، نشرتها صحيفة "الشرق الأوسط"، اعتبر المفكر السياسي السعودي عبدالرحمن الراشد أن المشاركة المصرية كانت متوقعة بوصفها إحدى ضرورات توازن القوى الإقليمي، مشيراً إلى أن "القاهرة أصبحت متضررة من الحرب حتى قبل إعلان استعدادها للمشاركة".

واستند إلى الخسائر التي تكبدتها قناة السويس نتيجة اعتداءات الحوثيين على الملاحة، وقدرها بنحو 6 مليارات دولار سنوياً، فضلاً عن الأخطار التي تواجه وظائف ودخول أكثر من 5 ملايين مصري يعملون في الخليج. وخلص إلى أن صعود إيران بوصفها قوة مهيمنة على الخليج سيقلص نفوذ مصر ويهدد أمنها القومي، وأن تحرك القاهرة يتجاوز الاعتبارات المالية إلى الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.

ورحب شائع الزنداني رئيس الوزراء اليمني بالخطوة المصرية، باعتبارها تجسد "وحدة الموقف العربي، بما سيعزز من حماية أمن السعودية واليمن والمنطقة برمتها". ورجح أن ذلك يساعد في إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سلطتها على كامل الأراضي، "بما يضمن تأمين الممرات الملاحية وصون السيادة الوطنية وينهي معاناة اليمنيين".

جبهة غربية موازية

ولا تقتصر الضغوط المتصاعدة على الجبهة الإقليمية، إذ تواجه إيران مؤشرات إلى تشدد دولي تجاه أنشطتها خارج حدودها. ففي بريطانيا، اضطرت الولايات المتحدة إلى سحب 12 قاذفة من طراز "بي-1" من قاعدة فيرفورد الجوية مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بعد معلومات استخباراتية عن هجوم محتمل مرتبط بإيران.

 واتهم رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام الحرس الثوري بالوقوف، على الأرجح، وراء التهديد، بينما نفت طهران مسؤوليتها، وفرضت لندن عقوبات جديدة على شخصيتين مرتبطتين بالحرس الثوري. وتعكس هذه التطورات اتساع المخاوف الغربية من أنشطة طهران، وإن لم تترجم حتى الآن تشكل تحالف عسكري دولي جديد ضدها. غير أن قطبي القارة في بريطانيا وفرنسا أعلنا دعم السعودية بأسلحة دفاعية واستراتيجية في مواجهة أذرع إيران الحوثيين، مثل طائرات التزود بالوقود.

على الجانب الآخر، لا يخلو الانفتاح الإيراني من حسابات واقعية، إذ يمكن أن يتيح التقارب مع التحالف تخفيف العزلة وإبقاء قنوات التواصل مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد مفتوحة، بدلاً من خسارتها لمصلحة ترتيبات دفاعية قد تضيق هامش الحركة الإيرانية.

 لكن المفارقة تبقى في الفجوة بين هذا الاحتمال والسياسات القائمة. فبينما تطلب طهران مقعداً في منظومة تتعهد بحماية أعضائها من الاعتداءات، تستمر الحرب في اليمن وتتزايد كلفة هجمات الحوثيين على المدنيين في السعودية والملاحة الدولية، في وقت تعرض إيران الوساطة لإنهاء أزمة تتهمها الحكومة اليمنية بتغذيتها. ولذلك قد لا يكون السؤال ما إذا كان "حلف مكة" مستعداً لاستقبال إيران، بل ما إذا كانت طهران مستعدة لتغيير السياسات التي دفعت دول المنطقة أصلاً إلى البحث عن تحالف يحميها من تهديداتها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل