ملخص
بعد أسابيع من الاحتجاجات الطلابية، لا يزال من الصعب توقع نطاق هذا الحراك الذي يتزامن مع أول يوم من عطلة مدرسية، في حين دعت النقابات موظفي القطاعين العام والخاص إلى التظاهر والإضراب في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، خصوصاً من أجل الرواتب والخدمات.
شهدت باريس وعديد من المدن الفرنسية اليوم السبت، أعمال عنف في خضم تظاهرات نُظمت احتجاجاً على "ارتفاع كلفة المعيشة"، وذلك قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.
وشارك "أكثر من 500 ألف" شخص في التحركات والمسيرات، بحسب ما أفاد الاتحاد العام للعمل (CGT)، داعياً الحكومة إلى "وقف القمع"، بعد اشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن.
وقال الاتحاد في رسالة إلى وكالة الصحافة الفرنسية إنّ "على الحكومة أن توقف قمعها وأن تستجيب فوراً للمطالب الاجتماعية". وأشاد بـ"يوم تعبئة كبير، الأكبر منذ بداية العام الدراسي"، مشيراً إلى أنّه "تم تنظيم 1750 مسيرة أو تظاهرة في جميع أنحاء فرنسا"، "شارك فيها أكثر من 500 ألف متظاهر" بحلول الساعة 17,00 (15,00 بتوقيت غرينتش).
وبدأت تحركات متفرقة واشتباكات مع الشرطة اليوم السبت في فرنسا، قبيل تظاهرات واسعة مرتقبة تجمع تحت راية واحدة طلاب مدارس ومزارعين ونشطاء بيئيين والمحتجين المعروفين بـ"السترات الصفراء" اتحدوا للإعراب عن "الغضب" في مبادرة تخشى السلطات ارتداداتها قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.
وشهدت ساحة "لا ريبوبليك" (الجمهورية) وسط باريس، توتراً بين محتجين وقوات الأمن التي استخدمت الغاز المسيل للدموع، قبيل انطلاق تظاهرة ضمن التحركات التي دعي إليها في فرنسا احتجاجاً على غلاء المعيشة اليوم، بحسب ما أفاد صحافيون في وكالة الصحافة الفرنسية.
وقبيل انطلاق التحرك المقرر عند الثانية بعد الظهر (12:00 بتوقيت غرينيتش)، استخدمت الشرطة التي انتشر عناصرها على نحو كثيف في عدد من أحياء العاصمة، الغاز المسيل للدموع نحو مئات من المتظاهرين الذين ارتدى معظمهم ملابس سوداء وأقنعة، وقام عدد منهم بإطلاق مقذوفات وألعاب نارية نحو العناصر.
واقتحم محتجون لفترة وجيزة مبنى بلدية مرسيليا، ثاني أكبر مدينة في فرنسا، اليوم في خضم احتجاجات تشهدها البلاد ضد غلاء المعيشة، وفق ما أفاد مراسل لوكالة الصحافة الفرنسية.
"نقتحم الباستيل"
وذكر المراسل أن محتجين ملثمين قاموا بخلع الباب بواسطة حواجز أمنية، ثم دخل عدد منهم إلى المبنى حيث قام أحدهم برسم رمز خاص بالنشطاء الأناركيين على أحد الجدران، قبل أن تتدخل الشرطة. وهتف أحد المتظاهرين "نحن نقتحم سجن الباستيل"، في إشارة إلى اقتحام القلعة التي تحمل هذا الاسم خلال الثورة الفرنسية عام 1789.
وقُطعت جادة برادو الشهيرة موقتاً بحاويات نفايات ودراجات سكوتر، لكن سرعان ما فضّت الشرطة الاحتجاج.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحلول منتصف النهار، سجّلت السلطات 140 تحرّكاً شارك فيه 32800 شخص في مختلف المناطق، وفقاً لمصادر مقرّبة من وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز، الذي أعرب عن خشيته من أن "يتسبّب اليسار المتطرف في حرف التظاهرات عن مسارها".
وفي باريس، هاجم مئة متظاهر مقر قناة "سي نيوز" التلفزيونية المملوكة للملياردير المحافظ فانسان بولوريه، وألقوا بمقذوفات على الواجهة، وفق الشرطة التي أعلنت توقيف 21 شخصاً.
واعتُقل 40 شخصاً آخر "خصوصاً بسبب حيازتهم معدات حماية أو أسلحة محظورة" في العاصمة، حيث صدرت مراسيم بحظر التظاهرات في مناطق كبيرة فيها، بحسب المصدر عينه.
ومع انطلاق المسيرة، استخدمت الشرطة خراطيم المياه لتفريق متظاهرين عنيفين. وبحلول الساعة 12,00 بتوقيت غرينتش، أُلقي القبض على 133 شخصاً في باريس، وفقاً للشرطة.
في باريس أيضاً، حيث تم تكثيف عمليات التفتيش لفرض احترام حظر التظاهر في مناطق عدة، تدخّلت قوات إنفاذ القانون لفض مسيرتين غير مصرّح بهما، وفقاً للسلطات.
وقالت فلورين بينيي (36 سنة) وهي فنانة وشم تشارك في إحدى التظاهرات "اليوم، هناك نقطة تلاق للغضب، كلّها مشروعة وكلّها مرتبطة بشكل أو بآخر".
وإذ وصفت نفسها بأنّها "أم قلقة حيال مستقبل ابنتها"، قالت إنّها تشعر بالغضب لأنّ "قادتنا، على مدى العقود القليلة الماضية، كانوا يقوّضون خدماتنا العامة تدريجاً، قليلاً هنا وقليلاً هناك، بينما يزداد الأثرياء ثراء في الوقت نفسه".
وفي ليون، حاول 40 شخصاً قطع الحركة المرورية على جسر، في حين حاول آخرون التجمع في محيط مصفاة، وفق ما أفادت السلطات.
وقالت الطالبة الملثمة أود "نحن هنا للتنديد بالموارد الرديئة التي تخصص للتعليم وبعنف الشرطة. ويوجه الشباب رسالة مفادها ’نريد أن نتعلّم في ظروف لائقة‘".
قمع أطفالنا
وفي مدينة رين، أقيم حاجز بواسطة حاويات نفايات وألواح كبيرة في محيط مركز تجاري.
وأخبر كريستوف، وهو نجار في الـ47 كان سابقاً ضمن حراك "السترات الصفراء" أنه جرح عام 2019 بطلقة من بندقية كرات وامضة، وهو سلاح يشكل استخدامه من قوى الأمن موضع جدل.
وقال في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية "اليوم وصل الحدّ إلى قمع أطفالنا".
وفي ليون، أضرم محتجون النار في مكتب للسياحة، وفق ما أفاد مراسل الصحافة الفرنسية.
ووقعت الحادثة في ساحة مركزية، حيث كانت مجموعات من الشبان الملثمين ترمي عناصر الشرطة بمقذوفات وألعاب نارية، فردّت عليهم الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.
واقتحم محتجون مبنى بلدية مدينة ليل بشمال البلاد، حيث ألحقوا أضراراً بمحتوياته قبل أن يغادروه، بحسب ما شاهد مصور الصحافة الفرنسية.
بتر يد متظاهر
وأفاد مصدر قريب من الملف وكالة الصحافة الفرنسية بأن متظاهراً فقد يده، السبت في مدينة سانت إتيان بوسط فرنسا، جراء انفجار عبوة أطلقتها قوات الأمن.
وتضاف هذه الإصابة البالغة التي أتت في سياق يوم الاحتجاجات الحاشدة على غلاء المعيشة، إلى واقعة مماثلة حصلت في مدينة لانس بشمال فرنسا مطلع أكتوبر (تشرين الأول) أثناء الاحتجاجات الطلابية.
ولا يزال حراك "السترات الصفراء" 2018 -2019 الذي بدأ تنديداً برفع الضريبة على الوقود، ماثلاً في الأذهان عند كل تحرك احتجاجي في فرنسا. ولقيت صور أعمال العنف على هامش الاحتجاجات، خصوصاً في جادة شانزيليزيه انتشاراً واسعاً في العالم.
ولقي نداء إحياء هذا الحراك الذي طبع الولاية الرئاسية الأولى لإيمانويل ماكرون مع احتجاجات واسعة وقطع للطرق ونقاط استراتيجية تنديداً بـ"غلاء المعيشة"، معارضة من الطلاب والتلاميذ الذين يطالبون بظروف تعليم أفضل.
نطاق الحراك الطلابي
وبعد أسابيع من الاحتجاجات الطلابية، لا يزال من الصعب توقع نطاق هذا الحراك الذي يتزامن مع أول يوم من عطلة مدرسية، في حين دعت النقابات موظفي القطاعين العام والخاص إلى التظاهر والإضراب في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، خصوصاً من أجل الرواتب والخدمات.
وفي ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو الذي يرزح تحت وطأة الديون، يأتي تلاقي التحركات الاحتجاجية من قطاعات مختلفة، على وقع توترات اجتماعية يؤججها ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية.
وأُعلن عن نحو 1500 مبادرة احتجاجية اليوم في أنحاء فرنسا على الموقع المخصص لهذا الحراك. وأفادت أوساط مقربة من وزير الداخلية عن 500 عمل "مرتقب" وأكثر من 90 تظاهرة مخططاً لها.
وأفاد مصدر في الشرطة الصحافة الفرنسية بأن التوقعات تشير إلى احتمال مشاركة نحو 200 ألف شخص، 40 ألفاً منهم في باريس.
دعوة إلى "الهدوء والاحترام"
ومن بروكسل، دعا ماكرون أمس الجمعة إلى "الهدوء والاحترام"، معتبراً أن الحق في التظاهر يجب أن يقترن "باحترام الأشخاص والممتلكات".
وكان ماكرون رأى أخيراً أن المطالب "المشروعة" للطلاب يجري "استغلالها لأغراض سياسية"، وفقاً لمتحدثة حكومية.
وأعلن زعيم حزب "فرنسا الأبية" اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون دعمه للحراك الطالبي، وشارك في إحدى التظاهرات في باريس.
في المقابل، أعرب حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبن، الأوفر حظاً للفوز في الانتخابات، عن دعمه للشرطة، محمّلاً الطلبة مسؤولية أعمال العنف.
وصرّح جيروم الشخصية البارزة في حراك "السترات الصفراء" الذي فقد عيناً خلال تظاهرات يناير (كانون الثاني) عام 2019 في باريس "مهما حصل في الـ17 من أكتوبر (تشرين الأول)، لن تحل المشكلة في يوم واحد. ولا بد من إعلاء الصوت لفترة أطول".