Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما تداعيات الأزمة الجديدة بين إدارة ترمب وأوكرانيا؟

التوترات مرشحة للتفاقم لكن الرئيس الأميركي هو الوحيد القادر على التفاوض

مسؤولون أميركيون أفصحوا عن أن التوتر الأخير بين ترمب وزيلينسكي لم يبدأ هذا الأسبوع إنما قبل شهر كامل خلال اجتماع عُقد بينهما في نيويورك (أ ف ب)

ملخص

بينما يسعى ترمب إلى استخدام المساعدات والتكنولوجيا الأميركية وسيلة لفرض الامتثال، عبر تقييد تبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية، أو التهديد بوقف إمدادات الأسلحة، أو تقييد الوصول إلى أدوات البنية التحتية الحيوية مثل خدمة "ستارلينك" لإجبار كييف على قبول تسويات، إلا أن الأمر سيظل دائماً مرتبطاً بحجم وقوة الاعتراضات الداخلية من المشرعين في الكونغرس ومن وسائل الإعلام وقوى الضغط الأخرى، فضلاً عن الاعتراضات الأوروبية المحتملة.

شهدت التوترات بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تصاعداً سريعاً، فعقب إبرام اتفاق وقود الديزل بين واشنطن وموسكو، وإعلان الرئيس الأميركي عن هدنة بين الطرفين المتحاربين ودعوته إلى استبدال زيلينسكي، تفاقمت الأمور بردود غاضبة من الرئيس الأوكراني، ثم تحديه ترمب بقصف منشأة طاقة روسية، بعدما اعتبرت كييف القيود الأميركية في خدمات الاتصال الخاصة بشبكة "ستارلينك"، جزءاً من حملة الضغط التي تمارسها إدارة ترمب للحد من القدرات القتالية للقوات الأوكرانية، فما أسباب تصاعد هذا التوتر؟ وهل يمكن احتواء تداعياته؟ وإلى أي مدى يمكن لكييف مقاومة ضغوط واشنطن؟

 

توترات قديمة

ربما يبدو من الوهلة الأولى أن قرار ترمب بالتوسط لإبرام اتفاق في شأن الديزل مع روسيا، وما تلاه من ضغوط على أوكرانيا، نبع من ضغوط سياسية داخلية ناجمة عن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والمخاوف الاقتصادية قبيل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، مما أثر بشدة على المزارعين وسائقي الشاحنات والمستهلكين الأميركيين في وقت وضع فيه ترمب خفض هذه الكلف بسرعة على رأس أولوياته، معتبراً الاتفاق مع موسكو وسيلة لضخ الإمدادات في السوق.

لكن مسؤولين أميركيين أفصحوا عن أن التوتر الأخير بين ترمب وزيلينسكي لم يبدأ هذا الأسبوع، وإنما قبل شهر كامل خلال اجتماع عقد بينهما في نيويورك، عندما سافر زيلينسكي إلى الولايات المتحدة في منتصف سبتمبر (أيلول) لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، واثقاً من أن الأمور تسير لصالحه، بعدما نجحت أوكرانيا في كبح التقدم الروسي في ساحة المعركة.

خلال هذا الاجتماع ضغط ترمب على زيلينسكي مستفسراً عن سبب استهداف أوكرانيا مصافي النفط الروسية، كجزء من إستراتيجيتها لضرب موسكو في أكثر نقاطها إيلاماً، أي خزائنها المالية، سعياً إلى حرمانها من الإيرادات اللازمة لتمويل المجهود الحربي، ومنذ ذلك التاريخ طلبت الولايات المتحدة من أوكرانيا ست مرات وقف هذه الضربات.

وعلى رغم اتفاق خبراء الطاقة حول العالم بأن ارتفاع أسعار الطاقة، لا سيما كلفة وقود الديزل، يعود في المقام الأول إلى الصراع مع إيران، فإن حملة الطائرات المسيرة الناجحة التي شنتها أوكرانيا ضد روسيا أدت إلى خروج ما بين 40 و50 في المئة من شبكة التكرير الروسية عن الخدمة، مما فاقم من الأزمة العالمية، ولو جزئياً.

تصاعد الغضب

ومع رفض روسيا سابقاً الاتفاق على هدنة في قطاع الطاقة، لم يتراجع الجانب الأوكراني عن هجماته، وعلى مدار الشهر التالي، تصاعد غضب ترمب مع استمرار الضربات واستخدام أوكرانيا الموارد الأميركية لاستهداف صادرات الطاقة الروسية، وهو ما اعتبره أمراً قد يضر بالمستهلكين الأميركيين.

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، سافر مسؤولون أوكرانيون وأوروبيون إلى ميامي للقاء جاريد كوشنر، صهر ترمب، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وصياغة مقترحات جديدة لإنهاء الحرب تكون مقبولة لكل من روسيا وأوكرانيا، لكن كوشنر وويتكوف أثارا ذهول المسؤولين الأوكرانيين والأوروبيين، عندما أبلغوهم بأن الرئيس ترمب يدرس إبرام صفقة ديزل مع روسيا، وفي اليوم نفسه، أجرى ترمب مكالمة هاتفية استمرت 90 دقيقة مع بوتين، وأعلن عن صفقة الديزل بعد وقت قصير من إنهاء المكالمة.

تحول جذري

وبينما مثل الاتفاق تحولاً جذرياً في السياسة الأميركية الراسخة القائمة على عزل موسكو، واجه ترمب انتقادات حادة من زيلينسكي، والحلفاء الأوروبيين، ومجموعة من أعضاء الكونغرس الأميركيين من الحزبين، الذين رأوا أن تخفيف الضغط على روسيا وشراء وقودها يوفر للكرملين إيرادات لتمويل آلة الحرب الخاصة به، وفي الوقت نفسه يضعف أوراق الضغط التي تمتلكها أوكرانيا. ومع ذلك، أعلن ترمب بعد يومين فقط عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن هدنة طاقة بين موسكو وكييف من دون إخطار الأوكرانيين، مشيراً إلى أنها ستدخل حيز التنفيذ فوراً، لكن بعد وقت قصير من إعلانه، شنت روسيا ضربة استهدفت محطة لتوليد الكهرباء في مدينة خاركيف الأوكرانية، وكانت النتيجة، حالاً من الغضب العارم في أوكرانيا، وقلقاً بين الحلفاء الأوروبيين، واتساع الفجوة داخل الحزب الجمهوري في شأن السياسة الخارجية لترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي.

تزامن ذلك مع تأكيدات أوكرانية أن العسكريين على جبهات القتال واجهوا فجأة قيوداً على "ستارشيلد" وهي المنصة العسكرية التابعة لخدمة "ستارلينك"، من دون معرفة السبب، وهو تغيير فسروه على أنه ضغط أميركي إضافي سيمنح روسيا أفضلية في الحرب ويجعل من الصعب على كييف اعتراض الضربات الموجهة ضد المدنيين الأوكرانيين، بخاصة أن الصعوبات التي واجهتها أوكرانيا في الوصول إلى محطات الأقمار الاصطناعية جاءت عقب تحذيرات أميركية من أن ترمب قد يقطع الدعم الاستخباراتي أو المبيعات العسكرية لكييف، غير أن مسؤولين أميركيين نفوا توجيه مثل هذه التهديدات من الأساس.

نهج خاطئ

وبينما امتنع البيت الأبيض عن التعليق، وكتب إيلون ماسك مالك أقمار "ستارلينك"، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن القيود المفروضة على "ستارشيلد" يحددها "البنتاغون" وترمب نفسه، اعتبر الأوكرانيون والأوروبيون ومشرعون أميركيون من الحزبين، أن ترمب يتبع نهجاً خاطئاً تماماً في التعامل مع محادثات السلام، وأن تكثيف الضغط على روسيا وليس أوكرانيا، هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب، وأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يستخدم أي شريان حياة اقتصادي من الولايات المتحدة إلا لتعزيز الموارد المالية الروسية المخصصة للحرب وإطالة أمد القتال.

أما زيلينسكي، فقد عبَّر عن شعوره بالخيانة وفقدان شريك قوي بسبب عرض ترمب شراء وقود الديزل من بوتين، ثم في نبرة تحدٍّ للرئيس الأميركي، صرح بأن أوكرانيا ستستأنف ضرباتها على مصافي النفط الروسية بعد فترة توقف استجابة لإعلان ترمب عن هدنة في مجال الطاقة.

ويبدو أن الرئيس الأوكراني تشجع من اعتراض عدد من المشرعين الجمهوريين الذين اتصلوا بالبيت الأبيض معربين عن غضبهم، ورأوا أن الصفقة تمنح روسيا انتصاراً من دون تقديم أي تنازلات، وتخالف قانوناً صدر عام 2022 يحظر استيراد الطاقة الروسية إلى الولايات المتحدة من دون تشاور مسبق مع الكونغرس.

رهانات موسكو

وعلى رغم إدراك الأوكرانيين أنه من المستحيل إجبار بلدهم على الاستسلام تحت وطأة حملة جوية روسية تقليدية، بخاصة أن موسكو فشلت في تحقيق انتصارات على أرض المعركة، فإنهم يشعرون أن الرئيس بوتين يستغل فرصة سانحة لإلحاق معاناة إنسانية هائلة بالمدن الأوكرانية، وأن روسيا مصممة على المحاولة، مستفيدة من تراجع الدفاعات الجوية الأوكرانية وضعف بنيتها التحتية بعد سنوات من الضربات، ومن ثم يمكن لهم إخضاع أوكرانيا ودفعها إلى الاستسلام.

ووفقا لهذه النظرية الجديدة للنصر، تراهن روسيا على أن هجماتها الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة على المدن الأوكرانية قادرة على النجاح فيما فشلت فيه قواتها على الجبهة، فمنذ الصيف الماضي، استخدمت موسكو ترسانتها المتنامية لشن موجات متتالية من الضربات على مستودعات الذخيرة ومحطات الوقود ومصانع الصلب ومحطات توليد الطاقة ومراكز البيانات والسفن التجارية، ونفذت عديداً من الهجمات باستخدام طائرات مسيرة نفاثة حديثة وسريعة، مما أضاف بعداً جديداً ومرعباً إلى الهجمات الروسية المتواصلة.

نتيجة لذلك، يتزايد الشعور بالضغط في العاصمة الأوكرانية كييف، حيث يترنح الاقتصاد تحت وطأة الضغوط، ويواجه نظام الطاقة، الذي يُؤمّن التدفئة للمنازل، خطر الانهيار في الأشهر المقبلة، بينما يفاقم الوضع تصاعد التوتر بين أوكرانيا وإدارة ترمب، والذي بلغ ذروته.

عوامل إنهاك أوكرانيا

مع ذلك، يواجه الأوكرانيون الحملة الروسية بثقة كبيرة من التاريخ على فشلها، وكما يقول مدير شركة "راسموسن غلوبال" هاري نيديلكو، وهي شركة استشارات سياسية أوروبية، فقد فشلت حملات القصف التي دمرت اقتصادات وحياة المدنيين في فيتنام، وفي الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، في إجبار أي طرف على الاستسلام، ولم تحقق الحملة الجوية الروسية، التي دخلت عامها الخامس، سوى نتائج محدودة، إذ ابتكرت أوكرانيا طرقاً جديدة لإسقاط الصواريخ، وتكيف شعبها مع القصف.

ويؤكد الخبير العسكري في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن سيث جونز أن معاقبة المدنيين لدى الخصوم ومحاولة كسر إرادتهم، له سجل تاريخي سيئ للغاية في إجبارهم على الاعتراف بالهزيمة.

ومع ذلك، يقرّ مسؤولون أوكرانيون بأن الضربات الأوكرانية لروسيا لا يمكنها إلحاق ضرر بالاقتصاد الروسي بقدر ما ألحقته الضربات الروسية على أوكرانيا، ويخشون أن تكون موسكو الآن في وضع أفضل لتحقيق النجاح في حملتها الجوية من أي وقت مضى خلال الحرب في إشارة إلى ثلاثة عوامل رئيسة، على رأسها إنهاك الدفاعات الجوية الأوكرانية على مدى سنوات من الهجمات وتراجع المساعدات العسكرية الأميركية.

في المقابل، ازداد حجم ترسانة روسيا من الصواريخ والطائرات المسيرة وفاعليتها، وأصبحت البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا هشة للغاية لدرجة أن ضربة واحدة منها قادرة على إحداث دمار يعادل ما كانت تحدثه ضربات عدة في السابق، الأمر الذي منح روسيا ثقة في قدرتها على تعطيل شبكة الطاقة الأوكرانية في خطة هجومية محتملة، تحتاج فيها روسيا إلى نحو 70 صاروخاً باليستياً، و720 طائرة مسيرة بعيدة المدى، و150 قنبلة موجهة لعزل مدن كييف وخاركيف وأوديسا عن المياه والكهرباء والتدفئة، وهذا يعادل تقريباً عدد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تخترق الدفاعات الجوية الأوكرانية شهرياً في المتوسط، مما يعني أن موسكو تعتقد أن شهراً واحداً من الضربات قد يحقق تدمير قطاع الطاقة في أوكرانيا  الأمر الذي لم تحققه أربعة فصول شتاء سابقة من الهجمات.

تكتيك الأرض المحروقة

ووفقاً لمحللة الطاقة في مجموعة أبحاث "منصة أوكرانيا" ماريا تساتوريان، تستهدف روسيا "تكتيك الأرض المحروقة" بهدف قطع الكهرباء عن كييف تماماً، وإذا نجحت خطة الهجوم الروسية، فستفقد مدن كييف وخاركيف وأوديسا 90 في المئة من قدرتها الكهربائية، وستنخفض إمدادات التدفئة فيها بنسبة 90 في المئة، وستعاني من اضطرابات حادة في شبكات المياه والصرف الصحي.

تنبع الثقة الروسية إلى حد كبير من نقص أنظمة الدفاع الجوي لدى أوكرانيا، لا سيما صواريخ "باتريوت" الاعتراضية أميركية الصنع التي تعد أفضل وسيلة حماية ضد الصواريخ الباليستية، وهو ما يشير إليه إسقاط أوكرانيا أربعة صواريخ فقط من أصل 39 صاروخاً باليستياً أطلقتها روسيا في يوم واحد، وكان معظمها يستهدف البنية التحتية للطاقة.

ورقة روسيا الوحيدة

على رغم أن أوكرانيا تعلمت كيفية اعتراض العديد من الطائرات الروسية المسيرة بعيدة المدى، إلا أن جيلاً جديداً من الطائرات الروسية المسيرة التي تعمل بمحركات نفاثة وتحلق بسرعة مئات الأميال في الساعة، ينجح في اختراق الدفاعات، في وقت تسابق كييف الزمن لتطوير صواريخ اعتراضية جديدة وتضغط على حلفائها الغربيين للحصول على أسلحة تقليدية قادرة على إسقاط هذه الطائرات، بما في ذلك صواريخ جو-جو التي يمكن للمقاتلات إطلاقها لإسقاط الطائرات المسيرة النفاثة، إلى جانب أنظمة أرض-جو متوسطة المدى التي أثبتت فعاليتها أيضاً.

وفيما طالبت أوكرانيا مراراً بوقف لإطلاق النار يركز على منشآت الطاقة، معتبرة أن خطوة كهذه تصب في مصلحة الطرفين، إلا أنه لا يوجد سبب يدفع روسيا للموافقة على وقف هجماتها الجوية في الوقت الراهن، لا سيما قبل حلول فصل الشتاء، إذ تبدو هذه الهجمات الجوية هي الورقة الوحيدة التي يملكونها للضغط على الأوكرانيين، وهو ما يفسر لماذا أصرت موسكو على قصف منشآت الطاقة الأوكرانية بعد ساعات قليلة فقط من إعلان الرئيس ترمب عن مبادرته لهدنة توقف قصف منشآت الطاقة بين الطرفين المتحاربين.

التزام أميركي

لكن على غير ما يروّج زيلينسكي، فإن ترمب لا يزال ملتزماً بإنهاء الحرب حسبما يؤكد مسؤولون أميركيون، فهو الشخص الوحيد القادر على التفاوض مع كل من بوتين وزيلينسكي للتوصل إلى اتفاق سلام قابل للتطبيق، وأن هدف ترمب هو العمل أولاً على خفض حدة القتال بين روسيا وأوكرانيا، ثم طرح عرض جديد على موسكو يمنحها مزايا اقتصادية وسياسية إذا ما التزمت بوقف دائم ومستدام لإطلاق النار.

كما وصف مسؤولو الإدارة عرض ترمب بشراء وقود الديزل الروسي بأنه وسيلة تهدف إلى خفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تقديم حافز اقتصادي لبوتين لإعادته إلى طاولة المفاوضات، وأن ترمب لا يزال منفتحاً على إقامة علاقة اقتصادية مستقبلية بين الولايات المتحدة وروسيا بمجرد تسوية الصراع.

عناصر قوة أميركا

تنبع الثقة لدى ترمب في إمكان نجاحه في تسوية تفاوضية من عناصر القوة التي تتمتع بها أميركا، والتي تتمثل في الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية التي لا يمكن لأحد سوى الولايات المتحدة تزويد أوكرانيا بها، فعلى الرغم من امتلاك كييف بدائل محلية الصنع للدعم العسكري الأميركي، إلا أنه لا يوجد لدى أوكرانيا بديل لبعض الأنظمة والمعلومات الاستخباراتية الأميركية، مثل شبكة "ستارلينك" حيث كشفت التحذيرات التي أطلقها الرئيس زيلينسكي والاضطرابات التي شهدتها شبكة "ستارلينك" التابعة لشركة "سبيس إكس" عن مدى هشاشة وضع كييف في حال قررت الولايات المتحدة وقف دعمها بالكامل، ما يهدد كل شيء بدءاً من الضربات بالطائرات المسيرة وصولاً إلى أنظمة الدفاع الجوي.

وعلى رغم رفع واشنطن الجزئي للقيود المفروضة على شبكة "ستارشيلد" وسرعات الإنترنت، إلا أن إزالة القيود بشكل كامل للقوات الأوكرانية لا يزال أمراً بالغ الأهمية لمهام الدفاع وطائرات الاعتراض المسيرة بحسب المستشارين العسكريين الأوكرانيين.

وفي حين أصبحت أوكرانيا الآن أقل اعتماداً بكثير على أميركا في مجال الدفاع مقارنة بما كانت عليه عند بدء الهجوم الروسي الشامل عام 2022، عبر تطوير أسلحتها الخاصة ودعم أوروبا المالي والعسكري لكييف، إلا أن هناك أموراً لا تملك القدرة على توفيرها سوى الولايات المتحدة، ومنها شبكة "ستارلينك" ونسختها العسكرية "ستارشيلد" التي تتميز بخصائص فريدة من حيث التغطية عبر الأقمار الاصطناعية، وقوة الإشارة، وقدرات الإرسال، وإذا كانت كندا ودول أوروبية تعمل حالياً على تطوير أنظمة ستحاكي "ستارلينك" في نطاقها وفعاليتها إلى حد ما، إلا أن هذه الأنظمة لن تكون جاهزة قبل عام 2028 على أقرب تقدير.

إنذار مبكر لا بديل له

كما أتاحت المعلومات الاستخباراتية المستمدة من نظام الإنذار المبكر الأميركي العالمي للصواريخ الباليستية، والذي طور لأول مرة خلال الحرب الباردة، ويستطيع رصد الحرارة الناتجة عن إطلاق الصواريخ، وتأكيد المعلومة لاحقاً عبر شبكة عالمية من رادارات تتبع الصواريخ، أتاحت لأوكرانيا استهداف الصواريخ القادمة وتحذير السكان من وقوع هجوم، وهو نظام لا غنى عنه ولا بديل له حتى الآن حيث لا تملك أوروبا أي نظام مماثل، ولن تمتلكه لسنوات قادمة، بحسب فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا ورئيس شركة "غادي للاستشارات".

وعلى رغم أن حلفاء أوكرانيا الأوروبيين يوفرون معلومات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية ووسائل جوية أخرى، إلا أنها تفتقر إلى الدقة والنطاق والقدرات التي تتميز بها المعلومات القادمة من الولايات المتحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صواريخ اعتراضية

تعتمد أوكرانيا على الولايات المتحدة للحصول على صواريخ اعتراضية متطورة، ولا سيما صواريخ "باتريوت باك 3 أم أس" لإسقاط الصواريخ الباليستية القادمة، ولكن حتى قبل أن يجدد ترمب ضغوطه على أوكرانيا بشأن هجماتها على المصافي الروسية، كانت إمدادات هذه الصواريخ الاعتراضية قد بدأت في التناقص، كما استنزفت جزئياً في الشرق الأوسط في وقت سابق من هذا العام أثناء التصدي لهجمات إيرانية استهدفت القوات الأميركية في المنطقة.

ومع ذلك تطرح كل من أوروبا وأوكرانيا بدائل، إذ تؤكد الجهات المصنعة لنظام الدفاع الجوي الفرنسي-الإيطالي "سامب تي" أن أحدث إصداراته قادر على اعتراض الصواريخ الباليستية، وبدأ بالفعل شحن هذا النظام إلى أوكرانيا، في وقت تعمل شركتان أوكرانيتان على الأقل بالتعاون مع نظيرتين أوروبيتين، على تطوير صواريخ اعتراضية للصواريخ الباليستية، ومن المتوقع أن تدخل أولى هذه المنظومات الخدمة بحلول منتصف العام المقبل، كما أعلنت شركة بريطانية ناشئة عن استعدادها لإنتاج نظام اعتراض خاص بها.

رصد وتحديد الدفاعات الروسية

في حين طورت أجهزة الاستخبارات الأوكرانية قاعدة بيانات خاصة بها حول البنية التحتية والأصول العسكرية الروسية، مستعينة بمزيج من المعلومات الاستخباراتية الواردة من الحلفاء، والطائرات الأوكرانية المسيرة، والمعلومات الاستخباراتية البشرية، ومصادر أخرى تشمل لقطات فيديو تم الحصول عليها عبر اختراق كاميرات مراقبة داخل الأراضي الروسية، إلا أن أميركا ساعدت أوكرانيا أيضاً في شن ضربات ضد أصول روسية، وساهمت التكنولوجيا والمعلومات الاستخباراتية الأميركية في مساعدة أوكرانيا على تحسين دقة بياناتها الخاصة بالضربات، بما في ذلك توفير معلومات دقيقة حول ارتفاع الأهداف.

ويشير توماس ويذينغتون من "المعهد الملكي للخدمات المتحدة" وهو مركز أبحاث متخصص في الشؤون العسكرية، إلى أن إحدى القدرات الحاسمة تكمن في أن أنظمة المراقبة الأميركية قادرة على تقديم صورة مفصلة للغاية عن الدفاعات الجوية الروسية من خلال رصد البصمات الكهرومغناطيسية لتلك الأنظمة، موضحاً أن المعلومات المتعلقة بنقاط الضعف في الدفاعات الجوية الروسية ساعدت أوكرانيا في توجيه الطائرات المسيرة والصواريخ لتجنب اعتراضها.

طائرات "أف-16"

بالإضافة إلى ذلك، تعتمد كييف على الولايات المتحدة لتوفير قطع الغيار والصيانة وتحديثات البرمجيات والأسلحة الخاصة بطائرات "أف-16" المستعملة أميركية الصنع التي تبرّع بها حلفاء أوروبيون في حلف "الناتو" على مدى السنوات الأخيرة، ويتحملون كلفة الكثير من الإمدادات الخاصة بهذه الطائرات.

ومع ذلك، نفدت مخزونات الذخيرة المخصصة لطائرات "إف-16" في أوكرانيا قبل أشهر عدة، ما أثر سلبياً على قدرة الطيارين في أوكرانيا على إسقاط الطائرات المسيرة النفاثة التي تشن هجمات مكثفة على أوكرانيا حالياً، ولا تزال قطع الغيار اللازمة لإصلاح مدافع "هاوتزر أم 777" التي زودت الولايات المتحدة أوكرانيا بها، تتطلب موافقة واشنطن، على رغم أنها تصنع في المملكة المتحدة.

محاولة فرض الامتثال

وبينما يسعى ترمب إلى استخدام المساعدات والتكنولوجيا الأميركية وسيلة لفرض الامتثال، عبر تقييد تبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية، أو التهديد بوقف إمدادات الأسلحة، أو تقييد الوصول إلى أدوات البنية التحتية الحيوية مثل خدمة "ستارلينك" لإجبار كييف على قبول تسويات، بهدف الدفع نحو تجميد سريع للأعمال القتالية بين الطرفين المتحاربين، إلا أن الأمر سيظل دائماً مرتبطاً بحجم وقوة الاعتراضات الداخلية من المشرعين في الكونغرس ومن وسائل الإعلام وقوى الضغط الأخرى، فضلاً عن الاعتراضات الأوروبية المحتملة.

ولا شك أن أي تسوية يدعمها ترمب وتشمل تنازلات كبيرة تتعلق بالأراضي وأجزاء من دونباس أو القرم، سوف تلقى معارضة قوية داخلية وخارجية، ما قد يدفع ترمب إلى تغيير مساره مثلما فعل من قبل، ومع ذلك ربما يواصل جهوده لفرض الامتثال إذا لاحت أمامه فرصة سانحة لذلك.

المزيد من تحلیل