ملخص
قال صندوق النقد الدولي إن المسارات البديلة والاحتياطات المالية تعززان قدرة السعودية على امتصاص صدمة الحرب، متوقعاً انكماش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.8 في المئة خلال عام 2026.
قال مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور إن إعداد التوقعات الاقتصادية للمنطقة هذا العام يواجه تحديات استثنائية، نظراً إلى تحرك اقتصاداتها في اتجاهات متباينة.
وأوضح أن الدول المصدرة للنفط الأكثر تأثراً بالصدمة، ولا سيما تلك التي تضررت مباشرة من الأزمة، كانت الأكثر تضرراً اقتصادياً خلال عام 2026، وهو ما دفع الصندوق إلى خفض توقعاته للنمو.
وأضاف أن الصندوق يتوقع انكماش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.8 في المئة خلال العام الحالي، يعقبه تعاف قوي العام المقبل، مع نمو متوقع يبلغ 9.1 في المئة.
تصريحات أزعور جاءت خلال إيجاز صحافي استعرض أحدث التوقعات الاقتصادية للمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في اليوم الرابع للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2026، وهو تقرير سيصدر بالكامل في الـ22 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، إذ سيقدم تقييماً أكثر تفصيلاً للتطورات الاقتصادية وأولويات السياسات في المنطقة.
وشدد أزعور على أهمية التمييز بين الدول، موضحاً أن بعض البلدان المتأثرة بالأزمة تمتلك بنية تحتية وقدرات تتيح لها إعادة توجيه التجارة واستخدام مسارات بديلة لتصدير الإنتاج.
وأشار إلى وجود ثلاث مجموعات من الدول داخل مجلس التعاون الخليجي والمنطقة الأوسع تضم المجموعة الأكثر تضرراً الكويت وقطر والعراق وإيران، بسبب محدودية قدرتها على تجاوز مضيق هرمز، فضلاً عن ضيق الحيز المالي المتاح لديها.
في المقابل، تتمتع السعودية والإمارات بإمكان الوصول إلى مسارات بديلة، إلى جانب امتلاكهما احتياطات مالية واقتصادية ساعدتهما في امتصاص الصدمة، أما سلطنة عمان، التي تقع خارج مضيق هرمز، فقد تأثرت بدرجة أقل.
وأكد أزعور ضرورة أخذ هذه الفوارق في الاعتبار، مشيراً إلى أن الأزمة تمثل أكبر صدمة لأسواق النفط منذ خمسة أو ستة عقود في الأقل.
وأضاف أن الاحتياطات المتوافرة خارج المنطقة، والقدرة على إعادة توجيه الإمدادات، إلى جانب تكيف الأسواق، أسهمت في الحد من تأثير الصدمة على الأسعار.
الحرب في الشرق الأوسط تفرض صدمة اقتصادية متفاوتة
وقال جهاد أزعور إن الحرب في الشرق الأوسط تفرض صدمة اقتصادية متفاوتة التأثير في دول المنطقة، إذ تواجه الاقتصادات المتضررة مباشرة من الصراع ضغوطاً شديدة، بينما أظهرت اقتصادات أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب معظم دول القوقاز وآسيا الوسطى، قدرة أكبر على الصمود.
وأوضح أزعور أن مسار التعافي يعتمد بدرجة كبيرة على سرعة عودة إنتاج الطاقة والتجارة إلى طبيعتهما، وقدرة الدول على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي.
وأوضح أزعور أن إنتاج النفط تراجع بشدة لدى معظم الدول المصدرة المتضررة مباشرة من الحرب، في حين أدت الاضطرابات في الشحن والتكرير إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود.
ومع ذلك، جاء التأثير أقل حدة مما أوحى به حجم الصدمة في البداية، بفضل الفوائض التي سبقت الحرب، والإنتاج من الدول غير المتضررة مباشرة، ووجود مسارات نقل بديلة، وتكيف الطلب، والسحب من المخزونات.
لكنه حذر من أن هذه العوامل وفرت مهلة لامتصاص الصدمة، لكنها محدودة، مشيراً إلى انخفاض المخزونات وتراجع الطاقة الإنتاجية الفائضة، مما يعني أن أي اضطرابات جديدة قد تؤدي إلى تحركات أكبر في الأسعار.
انكماش حاد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2026
وقال أزعور إن التوقعات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تشير إلى انكماش حاد خلال 2026، يعقبه انتعاش قوي لكنه متفاوت في عام 2027.
ويتوقع الصندوق أن يتراجع النمو من 3.3 في المئة 2025 إلى انكماش بنسبة 1.3 في المئة 2026، قبل أن يرتفع إلى 6.6 في المئة 2027.
وأشار إلى أن هذه التوقعات الإجمالية تخفي تفاوتاً كبيراً بين اقتصادات المنطقة، موضحاً أن الدول المصدرة للنفط والمتضررة مباشرة من اضطرابات الطاقة والتجارة ستواجه انكماشاً اقتصادياً ملاحظاً، على رغم أن ارتفاع أسعار النفط سيوفر بعض الدعم لأوضاعها المالية والخارجية.
وأضاف أن العودة التدرجية المتوقعة لإنتاج الطاقة والتجارة إلى طبيعتهما ستدعم انتعاشاً قوياً للناتج المحلي الإجمالي في 2027، لكن الإنتاج سيظل من دون المسار الذي كان متوقعاً على المدى المتوسط قبل اندلاع الصراع.
في المقابل، أظهرت الأنشطة الاقتصادية في الدول المستوردة للنفط في المنطقة قدراً أكبر من المرونة خلال 2026، ومن المتوقع أن يستمر هذا الأداء.
وعزا أزعور ذلك إلى تحويلات العاملين في الخارج وإيرادات السياحة، والظروف المالية الداعمة، ومساندة الحكومات، التي ساعدت في الحد من الأثر الفوري للصدمات.
لكنه نبه إلى أن قدرة هذه الدول على امتصاص الصدمات آخذة في التراجع مع تقلص هوامش الأمان المتاحة للسياسات الاقتصادية، متوقعاً ارتفاع التضخم بصورة معتدلة خلال 2026 قبل أن يبدأ التراجع تدريجاً بعد ذلك.
القوقاز وآسيا الوسطى أكثر قدرة على الصمود
وفي ما يتعلق بمنطقة القوقاز وآسيا الوسطى، قال أزعور إن اقتصاداتها تمكنت من تجاوز الصدمة نسبياً بفضل قوة تحويلات العاملين في الخارج وانتعاش الاستثمار.
ويتوقع الصندوق تباطؤ النمو من 6.2 في المئة 2025 إلى 5.2 في المئة 2026، ثم إلى خمسة في المئة 2027، وهي مستويات وصفها بأنها أكثر استدامة.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء المستوردين أعاد الضغوط التضخمية للمنطقة، مع تفاوت آثارها بدرجة كبيرة بين البلدان.
ومن المتوقع أن يواصل التضخم التراجع من مستوياته المرتفعة، لكن بوتيرة متفاوتة تبعاً لأوضاع كل اقتصاد والسياسات المتبعة فيه.
وشدد على أن التوقعات الاقتصادية للمنطقتين لا تزال محاطة بدرجة استثنائية من عدم اليقين، في ظل أخطار استمرار الصراع واحتمال تجدد اضطرابات إمدادات الطاقة والتجارة.
استمرار الحرب يهدد النمو ويرفع التضخم
وحذر أزعور من أن الخطر الأبرز يتمثل في استمرار الحرب لفترة أطول، موضحاً أن أي اضطرابات إضافية في إنتاج الطاقة أو طرق الشحن أو البنية التحتية الحيوية ستضعف النشاط الاقتصادي لدى الدول الخليجية المصدرة للطاقة، وتزيد الضغوط التضخمية، وتفاقم التحديات المالية والخارجية في مختلف أنحاء المنطقة.
وأضاف أن تشديد الأوضاع المالية العالمية قد يؤدي إلى تراجع الطلب وارتفاع كلفة الاقتراض وزيادة الضغوط على العملات، فضلاً عن تعميق مواطن الضعف في الاقتصادات التي تحتاج إلى تمويل سيادي كبير أو تعتمد على مصادر التمويل الخارجي.
ولفت إلى أن الاقتصادات منخفضة الدخل والهشة تبقى الأكثر عرضة لهذه الأخطار، بسبب اعتمادها الكبير على استيراد الغذاء ومحدودية الحيز المالي المتاح لديها، إلى جانب تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية، مما يحد من قدرتها على امتصاص الصدمات.
ثلاث أولويات لمواجهة التداعيات الاقتصادية
وحدد أزعور ثلاثة مسارات رئيسة ينبغي لصانعي السياسات التركيز عليها، لمواجهة التحديات الراهنة.
وتتمثل الأولوية الأولى في مواصلة إعطاء الاستقرار السعري أسبقية، مع الحفاظ على استدامة المالية العامة في البلدان التي تواجه ضغوطاً تضخمية.
وأكد أن السياسة النقدية يجب أن تظل خط الدفاع الأول، مع ضرورة دعمها بسياسة مالية حصيفة، ولا سيما في الدول التي تعاني محدودية الموارد المتاحة.
أما الأولوية الثانية فتتمثل في إعادة بناء الهوامش المالية الوقائية في مختلف أنحاء المنطقة، في ظل استمرار الأخطار السلبية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشمل الأدوات المقترحة تعزيز تعبئة الإيرادات المحلية، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتطوير أطر مالية أكثر متانة.
وشدد أزعور على ضرورة تجنب الدعم الواسع النطاق الذي يستفيد منه الجميع، والدفع بدلاً من ذلك نحو تقديم مساعدات نقدية موقتة وموجهة إلى الفئات الأكثر تضرراً، على أن تكون محايدة من حيث أثرها في الموازنة العامة.
وتتعلق الأولوية الثالثة ببناء قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات المستقبلية، وأوضح أن التجارب الأخيرة أظهرت أهمية وجود أطر قوية للسياسات الاقتصادية ومؤسسات راسخة، مشيراً إلى أن الدول التي تتمتع بمؤسسات قوية وأطر نقدية موثوقة تدعمها بنوك مركزية مستقلة، إلى جانب هوامش مالية أوسع، تكون عادة أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
وأضاف أن تنويع التجارة وتعميق التكامل الإقليمي وتعزيز القدرة على تبني التقنيات الجديدة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تسهم في رفع الإنتاجية ودعم النمو على المدى الطويل، خصوصاً إذا اقترنت بإصلاحات تعزز القدرة التنافسية.
48 مليار دولار تمويلات منذ 2020
وأكد أزعور استمرار التزام صندوق النقد الدولي بدعم اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان، إلى جانب اقتصادات القوقاز وآسيا الوسطى، في مواجهة التحديات الراهنة.
وأوضح أن الصندوق وافق منذ2020 على تقديم تمويلات بنحو 48 مليار دولار لدول المنطقتين، وإلى جانب التمويل، نفذ الصندوق خلال السنة المالية 2026 نحو 437 مشروعاً للمساعدة الفنية وتنمية القدرات في 31 دولة ضمن المنطقتين.
لبنان يواجه أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة
وعن أداء اقتصاد لبنان قال نائب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي سوبير لال، إن لبنان يواجه أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، في وقت تعرضت فيه البلاد لصدمات استثنائية خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن الحكومة اللبنانية التي تولت مهماتها في فبراير (شباط) 2025 وسعت إلى تسريع جهودها لوضع استراتيجية لمعالجة الأزمة، مشيراً إلى أن الصندوق يجري مناقشات مع السلطات اللبنانية لمساعدتها في صياغة برنامج يعيد البلاد لمسار التعافي الاقتصادي.
مصر قلصت الاختلالات الاقتصادية وعززت مرونة سعر الصرف
وعن أداء الاقتصاد المصري، قالت نائبة مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي تالين كورنشيليان التي شاركت هي الأخرى في الإيجاز الصحافي إن مصر أحرزت تقدماً ملاحظاً في استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، على رغم صعوبة البيئة الخارجية.
وأضافت أن برنامج الصندوق ساعد السلطات المصرية في تقليص الاختلالات الاقتصادية، وتعزيز مرونة سعر الصرف، وترسيخ الانضباط المالي، وبناء احتياطات وقائية من النقد الأجنبي، واستعادة ثقة المستثمرين.
وأوضحت أن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب مواصلة السياسات الحصيفة والحد من أخطار المديونية، إلى جانب تسريع الإصلاحات الهيكلية، خصوصاً ما يتعلق بتقليص دور الدولة في الاقتصاد وتعزيز الحوكمة والشفافية، بما يدعم نشاط القطاع الخاص، لافتة إلى أن الصندوق سيناقش عدداً من المسائل مع السلطات المصرية في إطار المراجعة الأخيرة للبرنامج. وأضافت أن المناقشات ستتناول أيضاً مستقبل دور الدولة في الاقتصاد المصري، لضمان اتساقه مع سياسة ملكية الدولة والجهود الحكومية الرامية إلى توفير بيئة تنافسية عادلة بين الشركات.