Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدن سودانية على حافة العطش بعد تدمير محطات المياه

آلاف لجأوا إلى الآبار السطحية ومصادر مختلفة مما أدى إلى تفشي الأمراض

الضرر الذي لحق بمحطات معالجة المياه والخزانات أدى إلى حرمان نحو 9 ملايين من الحصول على مياه شرب آمنة (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

"البنية التحتية للمياه في مناطق النزاع المسلح تعرضت لأضرار واسعة، سواء نتيجة الاستهداف المباشر أو بسبب غياب الصيانة فترات طويلة، فضلاً عن اعتماد مدن ومناطق عدة على محطات ضخ تحتاج إلى كهرباء مستقرة، ومع تكرار انقطاع التيار تتوقف هذه المحطات، مما يؤدي إلى انقطاع المياه حتى في المناطق التي لم تتضرر شبكاتها بصورة مباشرة".

تعاني مدن سودانية عدة أزمة مياه شرب حادة بخاصة تلك التي تشهد نزاعات مسلحة، نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية ومحطات المياه، وكذلك أدى استهداف قوات "الدعم السريع" محطات توليد الكهرباء في السودان بالمسيرات الانتحارية إلى توقف الإمداد المائي من الآبار الجوفية التي تعمل بالطاقة.

جراء هذه الأوضاع تفاقمت أزمة مياه الشرب بصورة غير مسبوقة بعد تزايد أعداد النازحين في ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق، واتجه آلاف السودانيين إلى شرب مياه الآبار السطحية، وكذلك استخدام مصادر مياه مختلفة، مما أدى إلى تفشي الأمراض.

حرمان ومعاناة

كانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) قالت إن "الهجمات على محطات المياه في السودان تحرم الأسر من الوصول إلى المياه الآمنة، مما يزيد من حدة المعاناة الإنسانية"، وأشارت إلى أنها "تعمل بالتعاون مع شركائها، على إعادة تأهيل محطات المياه والخدمات الأساسية بهدف ضمان وصول الأطفال والأسر إلى المياه النظيفة".

وذكرت "اليونيسيف"، في بيان لها في مايو (أيار) عام 2025، أن "النزاع دمر البنية التحتية للمياه والطاقة في 13 ولاية من أصل 18 ولاية في السودان، مما أثر في عمل مرافق المياه بنسبة 70 في المئة بسبب الأضرار الجزئية أو الكاملة.

وأكد البيان أن "الضرر الذي لحق بمحطات معالجة المياه والآبار وخزانات التخزين وشبكات النقل أدى إلى حرمان نحو 9 ملايين امرأة وطفل من الحصول على مياه شرب آمنة في منازلهم ومدارسهم ومرافقهم الصحية.

وشددت المنظمة على أن النازحين في المخيمات ومراكز الإيواء يواجهون خطراً أكبر، حيث تقل فرص الحصول على مياه شرب آمنة وخدمات صرف صحي كافية.

أزمات وضغوط

في السياق يقول مجاهد عادل الذي يقطن محلية باو في ولاية النيل الأزرق إن "القصف المستمر لقوات ’الدعم السريع‘ بالطائرات المسيرة لمدن ومناطق عدة بالإقليم دمر غالبية محطات مياه الشرب، مما أدى إلى ضغط كبير على مصادر المياه المحدودة في الأساس بخاصة بعد تزايد أعداد النازحين خلال الأسبوع الماضي"، وأضاف أن "المعاناة مع المياه متفاقمة من دون إيجاد حلول جذرية، على رغم تدخلات المتطوعين بتوزيع المياه بواسطة التناكر (صهاريج محملة على عربات كبيرة)، مما أدى إلى انفراج نسبي في بعض معسكرات الإيواء".

وأوضح عادل أن "الأطفال وكبار السن والمرضى يعانون بشدة تداعيات أزمة المياه في مناطق تجمعات النازحين، ومن ثم يجب على المنظمات الدولية والإقليمية التدخل والوصول إلى المخيمات لحل أزمة مياه الشرب".

عطش ومرض

على النحو ذاته أشار المتطوع في المجال الإنساني بمناطق تجمعات النازحين بمحلية طويلة هشام أبكر إلى أن "المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية لتجمعات الفارين من جحيم القتال في إقليم دارفور تعيش أزمة مياه حادة تفوق قدرة المتطوعين على الاستجابة للحاجات المتزايدة في ظل توقف معظم مصادر المياه في المحلية".

ولفت إلى أن "عدم حصول السكان على المياه النظيفة داخل المناطق والقرى في المحلية أسهم في تفشي الأمراض، مما خلف مئات المصابين وأدى إلى وفاة عشرات".

ونوه أبكر بأن "أعداد النازحين الآتين من محليات كرنوي وكتم وأمبرو وكلبس إلى منطقة طويلة في تزايد مستمر كل يوم، وهم يحتاجون إلى مياه الشرب النظيفة، ومن ثم نعمل على معالجة الأزمات حتى لا تحدث كارثة إنسانية قاسية للفارين من جحيم القتال".

أضرار كبيرة

على الصعيد نفسه أوضح المتخصص في مجال الري ومياه المدن خالد حسين أن "البنية التحتية للمياه في مناطق النزاع المسلح تعرضت لأضرار واسعة، سواء نتيجة الاستهداف المباشر أو بسبب غياب الصيانة فترات طويلة، فضلاً عن اعتماد مدن ومناطق عدة على محطات ضخ تحتاج إلى كهرباء مستقرة، ومع تكرار انقطاع التيار، تتوقف هذه المحطات، مما يؤدي إلى انقطاع المياه حتى في المناطق التي لم تتضرر شبكاتها بصورة مباشرة".

وبين حسين أن "قصف الطائرات المسيرة في ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق أدى إلى انخفاض كبير في القدرة الإنتاجية لمحطات مياه الشرب، كذلك فإن عمليات الصيانة أصبحت محدودة للغاية بسبب الوضع الأمني، مما يعني أن الأعطال تستمر فترات أطول من دون إصلاح، لذلك يمكن القول إن ما نواجهه ليس مجرد انقطاع موقت، بل هو خلل هيكلي في منظومة الخدمات، يحتاج إلى تدخل شامل لإعادة التأهيل، وليس فقط حلولاً موقتة".

وتابع المتخصص في مجال مياه المدن "المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، فالمياه مرتبطة بالكهرباء، ومن ثم عندما ينقطع التيار تتوقف مضخات المياه، وحتى في الأوقات التي يفترض أن تتوفر فيها المياه، لا تصل إلى السكان في 9 ولايات سودانية متأثرة بالنزاع المسلح".

استهداف وتوقف

على نحو متصل رأى الرشيد التجاني، وهو مسؤول سابق في وزارة البنية التحتية بولاية شمال دارفور أن "استهداف قوات ’الدعم السريع‘ كل مصادر المياه في الإقليم، وعلى رأسها (خزان قولو) جاء بسبب أهميته الحيوية والاستراتيجية كمصدر رئيس للمياه بمدينة الفاشر وما حولها من قرى".

 

وأضاف التجاني أن "الوضع تأزم في معسكرات الإيواء بعد توقف شبه كامل لمصادر المياه عقب سيطرة الجماعة على المحطات الرئيسة التي تغذي المناطق كافة بالمياه، إذ أدى هذا التطور الخطر إلى انهيار منظومة الإمداد الحيوي، مما دفع السكان إلى مواجهة ظروف معيشية قاسية وسط انعدام الخدمات الأساسية"، وأردف "توقفت غالبية الآبار عن العمل، مما تسبب بندرة المياه، وجاء هذا التوقف المفاجئ في مصادر المياه البديلة في وقت حرج، إذ يعتمد السكان بصورة شبه كاملة على هذه الآبار بعد خروج المحطات الرئيسة عن الخدمة".

وضع كارثي

في هذا الوقت أطلق متطوعون نداءً عاجلاً إلى حكومة شمال كردفان لإنقاذ نحو 102 قرية في محيط مدينة أم سيالة بلغت حد العطش، جراء شح مياه الشرب بسبب تضرر المحطات والمصادر الرئيسة للمياه.

وطالب المتطوعون بضرورة تشغيل الآبار بأنظمة الطاقة الشمسية، وتوفير طلمبات حديثة عالية الكفاءة لتلبية حاجات المواطنين والماشية، وتمكين السكان من البقاء في مناطقهم.

وتعتمد آلاف القرى بولايتي شمال وغرب كردفان على مصادر تقليدية مثل محطات المياه المعروفة بـ"الدوانكي"، إضافة إلى مضخات المياه، وتتفاقم المعاناة في ظل انعدام الممرات الآمنة نتيجة انتشار المجموعات المسلحة وتوقف عمليات الصيانة وأزمة الوقود.

تخريب ونهب

على صعيد متصل قالت غرفة طوارئ دار حمر إن "أزمة العطش الحادة تفاقمت بصورة كارثية في المحليات الشمالية لولاية غرب كردفان بسبب استهداف قوات ’الدعم السريع‘ الممنهج لمحطات المياه المعروفة بـ(الدوانكي) وتخريبها ونهب المولدات ومنظومات الطاقة الشمسية المخصصة لتشغيلها".

وأوضحت الغرفة أن "تلك القوات قامت باحتجاز ’تانكر‘ المياه الوحيد الذي تعتمد عليه لسقاية قرى إدارية أبو قلب بمحلية أبو زبد، ولا تزال ترفض الإفراج عنه، مما حرم المواطنين والمواشي من مصدر المياه الوحيد للبقاء على قيد الحياة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشارت إلى أن "حرمان المواطنين من المياه في هذه الظروف المناخية الصعبة قد يؤدي إلى كارثة صحية وإنسانية وشيكة".

وأكدت الغرفة أن "آلاف المواطنين معرضون للخطر المباشر بسبب انقطاع الإمدادات المائية، لا سيما في ظل ارتفاع درجات الحرارة، وانعدام البدائل الآمنة لمياه الشرب".

مبادرات جماعية

في ظل تفاقم الأزمة، اتجهت مجتمعات عدة في دارفور والنيل الأزرق إلى ابتكار حلول بديلة لتخفيف وطأة الأزمة، إذ نظمت بعض الأحياء الشعبية مبادرات جماعية لحفر آبار سطحية وتركيب خزانات مشتركة يديرها المتطوعون عبر لجان محلية، فضلاً عن قيام مجموعات على "واتساب" بشراء المياه بصورة جماعية من أجل خفض الكلفة.

وفي هذا الصدد يقول المتطوع حماد بشري إن "المبادرة أسهمت في تخفيف معاناة سكان مناطق عدة بخاصة الفارون من جحيم القتال في إقليم النيل الأزرق، إذ يعمل المتطوعون على حصر الحاجات، وتأهيل مصادر المياه المتاحة، وتوفير وسائل النقل والتوزيع"، وأضاف أن "المبادرة تهدف إلى مواجهة أزمة مياه الشرب من خلال تحويل الجهود الشعبية إلى عمل جماعي منظم، يجمع السكان والمتطوعين والمبادرات الشبابية والمنظمات الإنسانية لإيجاد حلول عاجلة ومستدامة لمشكلة نقص المياه، خصوصاً في المناطق التي تضررت فيها مصادر المياه وشبكات الإمداد".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير