ملخص
تخللت الاحتجاجات في فرنسا أعمال عنف في بعض المناطق، أصيب خلالها مئات التلاميذ والمعلمين وعناصر الشرطة، فيما اعتقل آلاف الأشخاص.
وسط ارتفاع وتيرة الاحتجاجات في فرنسا، يعاد فتح ملف المهاجرين من أطراف يمينية متطرفة، محملين إياهم عبئ ما تعيشه بلادهم من مشكلات وأزمات، وهذا الوضع جعل بعضهم يتساءل عن مستقبل المهاجرين، وحتى المواطنين من أصول أخرى، على غرار الجالية المغاربية من تونسيين ومغاربة وجزائريين، في ظل وضع ضوابط صارمة وإجراءات غير مسبوقة، تستهدف المهاجرين، على وقع ارتفاع حضور اليمين المتطرف داخل أروقة صنع القرار الأوروبي، فهل يمكن للاحتجاجات الحالية في فرنسا أن تؤثر في أوضاع المهاجرين المغاربة، في ظل تصاعد الجدل حول الهجرة والاندماج داخل المجتمع الفرنسي؟
تشهد مدن فرنسية عدة احتجاجات واسعة يطالب خلالها تلاميذ الثانويات بتحسين ظروف الدراسة، وتوفير إمكانات إضافية للمؤسسات التعليمية، والاستجابة لانشغالات الشباب المرتبطة بمستقبلهم، ولا تقتصر التعبئة على المطالب التعليمية، إذ تشمل أيضاً قضايا اجتماعية وسياسية أوسع، في وقت تتزايد النقاشات حول أساليب تدخل قوات الأمن للتعامل مع الاحتجاجات، وقد تخللت الاحتجاجات أعمال عنف في بعض المناطق، أصيب خلالها مئات التلاميذ والمعلمين وعناصر الشرطة، فيما اعتقل آلاف الأشخاص.
كبش فداء
في هذا الصدد يرى الباحث في علم النفس الاجتماعي المغربي، الدكتور محمد حبيب، في حديث إلى "اندبندنت عربية" أن الاحتجاجات الطلابية التي تشهدها فرنسا يمكن أن تكون لها انعكاسات غير مباشرة على أوضاع المهاجرين من أصول بلدان المغرب العربي، موضحاً أنه "ليس بسبب طبيعة المطالب الطلابية نفسها، وإنما نتيجة الكيفية التي قد يجري بها توظيف هذه الاحتجاجات في الخطاب السياسي والإعلامي"، ومضيفاً "من منظور علم النفس الاجتماعي، ينبغي التمييز بين الأسباب الحقيقية للأزمة، المرتبطة أساساً بالاختلالات التي يعرفها النظام التعليمي الفرنسي، وبين محاولات تفسير هذه الاختلالات من خلال قضايا الهجرة والهوية والاندماج".
ويتابع حبيب أنه "هنا تبرز آلية نفسية واجتماعية معروفة باسم كبش الفداء، إذ قد يجري توجيه الإحباط والغضب الاجتماعي نحو جماعات معينة، وتحميلها مسؤولية مشكلات بنيوية معقدة، من دون وجود علاقة سببية مثبتة بينها وبين تلك المشكلات."
وتكمن خطورة هذا التوجه، بحسب محمد حبيب، في أنه قد يسهم في إعادة إنتاج الصور النمطية والأحكام المسبقة تجاه المهاجرين المغاربة، بل وقد تمتد تداعياته إلى المواطنين الفرنسيين من أصول مغاربية، بخاصة الشباب الذين ولدوا ونشأوا في فرنسا، والذين قد يجدون أنفسهم مطالبين باستمرار بإثبات انتمائهم إلى مجتمع هم جزء منه أصلاً.
وعلى المستوى النفسي، يرى حبيب أن التعرض المتكرر لخطابات الوصم والإقصاء قد يعزز الشعور بالتهديد الهوياتي، ويضعف الثقة بالمؤسسات، ويؤثر في الإحساس بالانتماء والاعتراف الاجتماعي، وهذه عوامل قد تعقد مسارات الاندماج، بدلاً من أن تساعد في تعزيزها، موضحاً أن "اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027 قد يزيد من حضور قضايا الهجرة والأمن والهوية في النقاش العمومي، بما يفتح المجال أمام توظيف الأزمات الاجتماعية في التعبئة السياسية".
غير أن هذا الاحتمال لا يعني بالضرورة أن الاحتجاجات ستؤدي إلى إجراءات تقييدية جديدة تجاه المهاجرين، وفق تقديره، مضيفاً أنه "لا ينبغي إغفال أن هذه الاحتجاجات التي قد تشكل أيضاً فرصة لإعادة طرح قضايا العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ومحاربة التمييز، بما يعزز التضامن بين مختلف مكونات المجتمع الفرنسي"، مؤكداً في هذا السياق أن مسؤولية الأفعال المخالفة للقانون تظل فردية، ولا يجوز تحويلها إلى إدانة جماعية على أساس الأصل أو الهوية.
ويخلص الباحث إلى أن "التحدي الحقيقي الذي تواجهه فرنسا اليوم لا يكمن فقط في قدرتها على احتواء الاحتجاجات الطلابية، وإنما في قدرتها على معالجة أزماتها الاجتماعية من دون تحويل التنوع الثقافي إلى مصدر للاتهام والانقسام"، قائلاً "في حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى صراع حول الهوية، يصبح الخطر الحقيقي تآكل الثقة، والشعور بالانتماء داخل المجتمع الواحد".
منظور المواطنة الحقيقة
أما الصحافية التونسية المقيمة في باريس، ألفة سحبون ، فتعتقد أن "التحدي الحقيقي اليوم لفرنسا هو في كيفية مواجهة مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية، من دون تحميل المهاجرين مسؤولية كل الأزمات التي تعيشها البلاد حالياً"، ورأت أن مسألة الاندماج في المجتمع الفرنسي مسؤولية مشتركة، تقوم على احترام القانون، وتكافؤ الفرص، ومحاربة التمييز، والاعتراف بمكانة المهاجرين داخل المجتمع الفرنسي، وإسهامهم في بناء البلاد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضيف سحبون في تصريح خاص أنه "من موقعي كصحافية في باريس فأنا أتعايش مع هذا الوضع تقريباً يومياً"، مشيرة إلى أنه من الضروري متابعة كل التطورات، بخاصة الاحتجاجات الطلابية الأخيرة بكل موضوعية، وبمنظور المواطنة الحقيقة"، موضحة أنه "يجب قراءة الواقع من دون تهويل للوضع الراهن، ومن دون إعطاء أحكام مسبقة وفق خلفيات سياسية أو مرتبطة بالهوية، وذلك من خلال التوازن بين الواقع والمخاوف".
وترى سحبون أن أي نقاش حول الهجرة يجب أن يكون مبنياً على معطيات واضحة، بعيدة من التعميم أو الخلط بين المشكلات الاجتماعية ووجود المهاجرين، وزادت أن "السؤال لا يمكن أن ينحصر في تأثير هذه الاحتجاجات في المهاجرين، بل كيف يمكن لفرنسا إدارة خلافاتها والتوترات التي تعيشها من دون أن تتحول الهجرة إلى شماعة تعلق عليها دائماً كل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية".
وتؤكد الصحافية التونسية أن الرهان الحقيقي هو ضمان عدم تقييم المواطن الفرنسي بحسب أصوله، بخاصة أن فرنسا مزيج من أجناس عدة من العالم، من تونسيين ومغربيين وجزائريين، يمثلون نسبة كبيرة من المهاجرين في هذا البلد الأوروبي.
وعن تأثير الاحتجاجات الطلابية في المهاجرين، ترى سحبون أن التأثير لن يكون مباشراً، لأن مطالب المحتجين عامة لكل المواطنين الفرنسيين، ومنهم المهاجرين ذوي الجنسية الفرنسية الذين يبحثون عن ظروف أفضل لدراسة أبناءهم، مثلهم مثل غيرهم.
وإضافة إلى ربط شخصيات من "اليمين المتطرف" الفرنسي الهجرة بتفاقم الأزمات الاجتماعية والأمنية داخل البلاد، برز تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال في السياق نفسه إن ما يحدث في فرنسا "ليس أقل من هجرة جماعية خارجة عن السيطرة"، رابطاً ذلك بالإسلام، لا بأزمة المدارس، مضيفاً بأن "هذه ليست مسألة تتعلق بالمدارس، بل تتعلق بالإسلام ورغبته في السيطرة على دولة كانت عظيمة في يوم من الأيام".