Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استحداث الوزارات... توسع مؤسسي أم عبء مالي على العراق؟

هناك من يرى أن المرحلة الحالية تحتاج إلى إعادة هيكلة المؤسسات القائمة ومعالجة الاختلالات الإدارية وتحسين كفاءة الجهاز الحكومي

يبرز الجانب المالي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في مشروع توسيع الهيكل الوزاري بالعراق (أ ف ب)

ملخص

تشمل المقترحات المتداولة استحداث وزارتي السياحة والذكاء الاصطناعي أو الاستثمارات الرقمية، إلى جانب مقترحات أخرى تتعلق بالحوكمة وإنشاء وزارة مساندة للوزارات الأمنية.

تتجه التفاهمات السياسية في العراق نحو توسيع الهيكل الحكومي عبر استحداث وزارات جديدة وفصل بعض الحقائب القائمة، في خطوة تتداخل فيها حسابات توزيع النفوذ بين القوى السياسية مع متطلبات الإدارة العامة، وسط ضغوط مالية متزايدة وتحديات تتعلق بقدرة الإيرادات النفطية على تغطية الالتزامات الحكومية المتنامية.

وتشمل المقترحات المتداولة استحداث وزارتي السياحة والذكاء الاصطناعي أو الاستثمارات الرقمية، إلى جانب مقترحات أخرى تتعلق بالحوكمة وإنشاء وزارة مساندة للوزارات الأمنية، فيما تتحدث مصادر سياسية عن تفاهمات داخل الإطار التنسيقي حظيت بموافقة غالبية أطرافه، بهدف استيعاب قوى لم تحصل على تمثيل في التشكيلة الحكومية الحالية.

وتعيد هذه التحركات ملف المحاصصة السياسية للواجهة، في وقت يواجه فيه العراق تحديات تتعلق بارتفاع النفقات التشغيلية واستمرار الاعتماد على النفط مصدراً رئيساً للإيرادات العامة، فضلاً عن التزامات الرواتب والإنفاق الحكومي التي تضيق معها مساحة المناورة المالية.

وبينما لم تحسم بصورة نهائية جميع تفاصيل المقترحات، فإن اتجاه القوى السياسية نحو إعادة توزيع الحقائب الوزارية يضع الحكومة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على التوفيق بين استكمال التفاهمات السياسية وضبط الإنفاق العام، وضمان أن تحقق المؤسسات الجديدة نتائج اقتصادية وإدارية تتناسب مع تكاليف إنشائها وتشغيلها.

وتذهب تفاهمات "الإطار التنسيقي" إلى اتفاق معظم أطرافه على استحداث وزارات جديدة وفصل بعض الحقائب الحالية، بهدف استيعاب قوى سياسية لم تحصل على تمثيل في الحكومة، كذلك الجوانب المالية واللوجستية لهذه التغييرات نوقشت ضمن التفاهمات، فيما لا تزال الخلافات في شأن مناصب نواب رئيس الوزراء تؤخر استكمال التشكيلة الحكومية، مع ترجيحات بحسمها خلال الأيام القليلة المقبلة.

وتأتي هذه التطورات في ظل حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، التي توزعت حقائبها، على القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية، ضمن نظام المحاصصة، بواقع 23 حقيبة وزارية، حصلت القوى الشيعية على 12 منها، والسنية على أربع، والكردية على خمس، فيما بقيت وزارتان شاغرتين.

وتصدرت "منظمة بدر" و"الحزب الديمقراطي الكردستاني" توزيع الحقائب بثلاث وزارات لكل منهما، بينما حصل "ائتلاف الإعمار والتنمية" و"تيار الحكمة" و"حزب الفضيلة - النهج الوطني" على وزارتين لكل جهة، وتوزعت بقية الحقائب على قوى سياسية أخرى، فيما تولى الزيدي إدارة وزارة الدفاع بالوكالة.

ويعكس هذا التوزيع حجم التنافس على المواقع التنفيذية، ويمنح المقترحات الجديدة بعداً سياسياً يتجاوز إعادة تنظيم الاختصاصات الحكومية، خصوصاً مع ارتباطها بمطالب أطراف تسعى إلى تعزيز حضورها داخل السلطة التنفيذية.

وكان النائب السابق أمير المعموري قد تحدث، في منشور على "فيسبوك"، عن تفاهمات لاستحداث وزارة للذكاء الاصطناعي أو الاستثمارات الرقمية، وفصل السياحة عن وزارة الثقافة لتصبح لكل منهما وزارة مستقلة، مع توزيع الحقائب الجديدة وفق المحاصصة السياسية.

كذلك أشار النائب عن "تيار الحكمة" أحمد الساعدي، في وقت سابق، إلى مقترحات تتعلق باستحداث وزارتي السياحة والذكاء الاصطناعي، ضمن حديثه عن توزيع حقائب حكومة علي الزيدي.

ولم يصدر إعلان رسمي نهائي في شأن جميع الوزارات المقترحة أو تفاصيل ملاكاتها وتخصيصاتها المالية والصلاحيات التي ستمنح لها، مما يجعل حجم التغيير المحتمل في بنية الحكومة مرتبطاً بما ستنتهي إليه المفاوضات السياسية والإجراءات اللاحقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كلفة تتجاوز رواتب الوزراء

في مقابل المبررات السياسية والإدارية المطروحة، يبرز الجانب المالي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في مشروع توسيع الهيكل الوزاري، لا سيما أن إنشاء وزارة جديدة لا يقتصر على تخصيص منصب للوزير، بل يتطلب منظومة إدارية متكاملة تشمل الوكلاء والمستشارين والمديريات والأقسام والمقار والحمايات والموازنات التشغيلية.

وقال وزير التخطيط السابق نوري الدليمي إن العراق لا يحتاج في المرحلة الحالية إلى استحداث وزارات جديدة، بقدر حاجته إلى إعادة هيكلة الوزارات والمؤسسات القائمة، ومعالجة الاختلالات الإدارية وتحسين كفاءة الجهاز الحكومي.

وأوضح الدليمي أن التجربة العراقية أظهرت أخطار تضخم المؤسسات والمناصب، مستشهداً بالإجراءات التي اتخذتها حكومة حيدر العبادي في عام 2015 لإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وتقليص الحمايات، في أعقاب احتجاجات شعبية طالبت بالإصلاح والحد من الترهل الحكومي.

وأضاف أن التوسع في إنشاء الهيئات والمؤسسات الحكومية قد يؤدي إلى تفاقم البطالة المقنعة وزيادة الأعباء التشغيلية على الموازنة، خصوصاً عندما لا تقترن المؤسسات المستحدثة بمهمات واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

وشدد على أن كلفة استحداث أية وزارة تمتد إلى البنية الإدارية واللوجستية والاحتياجات التشغيلية، وهو ما يضيف التزامات مالية جديدة قد تتعارض مع متطلبات ترشيد الإنفاق وتعظيم الإيرادات العامة.

ويكتسب هذا التحذير أهمية في ظل طبيعة الإنفاق الحكومي العراقي، الذي تشكل الرواتب والتقاعد والدعم والالتزامات التشغيلية جانباً أساسياً منه، بما يحد من قدرة الموازنة على تمويل المشاريع الاستثمارية والبنى التحتية بالوتيرة المطلوبة.

كذلك أن إنشاء مؤسسات جديدة قد يفضي إلى تداخل الصلاحيات مع وزارات وهيئات قائمة، إذا لم تحدد مسؤولياتها بدقة، مما قد يرفع كلفة الإدارة من دون أن ينعكس بالضرورة على جودة الخدمات أو سرعة اتخاذ القرار.

وفي المقابل، فإن نقل موظفين من مؤسسات حكومية أخرى إلى الوزارات المستحدثة قد يحد من الحاجة إلى التوظيف الجديد في المرحلة الأولى، لكنه لا يلغي النفقات المرتبطة بتأسيس الهياكل الإدارية وتأمين مقار العمل والتجهيزات والبرامج والاحتياجات التشغيلية.

يطرح ملف استحداث الوزارات الجديدة تحدياً اقتصادياً يتعلق بمدى قدرة الحكومة على التوفيق بين توسيع مؤسساتها وضبط الإنفاق العام، في ظل اعتماد المالية العراقية بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية والتزاماتها المستمرة تجاه الرواتب والنفقات التشغيلية.

ومن هذا المنطلق، فإن تقييم مقترحات استحداث وزارات للسياحة والذكاء الاصطناعي ينبغي أن يستند إلى حجم الحاجة الفعلية إلى اختصاصات مستقلة، ومدى إمكان إدارة هذه الملفات من خلال الوزارات والهيئات القائمة، فضلاً عن الكلفة المتوقعة للتأسيس والتشغيل والعوائد الاقتصادية والإدارية التي يمكن تحقيقها.

كفاءة الإدارة العامة

ويقتضي التقييم الاقتصادي تحديد المهمات والصلاحيات بصورة تمنع ازدواجية الاختصاصات، وربط المخصصات المالية بخطط تنفيذية ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يضمن أن يؤدي التوسع المؤسسي إلى تحسين الخدمات أو تعزيز الإيرادات أو رفع كفاءة الإدارة العامة.

إضافة إلى أن نقل الموظفين من مؤسسات قائمة إلى الوزارات الجديدة، إن جرى اعتماده، لا يمثل وحده ضمانة لخفض التكاليف، إذ تبقى هناك نفقات تتعلق بالمقار والتجهيزات والإدارة والبرامج التشغيلية، فضلاً عن الالتزامات السنوية التي قد تتزايد مع توسع النشاط الحكومي.

وتكتسب موازنة عام 2027 أهمية في هذا السياق، كونها الإطار الذي يمكن من خلاله التعرف على التخصيصات الفعلية للوزارات المقترحة، وتقييم مدى انسجامها مع أولويات الإنفاق العام ومتطلبات الاستقرار المالي.

على مستوى الاختصاصات، يمكن أن يشكل إنشاء وزارة متخصصة بالذكاء الاصطناعي أو الاستثمارات الرقمية توجهاً نحو تنظيم التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، إذا اقترن بصلاحيات واضحة وخطة تنفيذية ومؤشرات قابلة للقياس.

فهذا المجال يتطلب تنسيقاً بين قطاعات الاتصالات والتعليم والصناعة والمصارف والخدمات الحكومية، إلى جانب وضع أطر للبيانات والأمن السيبراني وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير المهارات. غير أن إنشاء وزارة مستقلة لا يضمن وحده تحقيق هذه الأهداف، ما لم تكن لديها صلاحيات فعلية وموارد بشرية متخصصة، مع تحديد علاقتها بالمؤسسات المعنية بالاتصالات والتخطيط والتحول الرقمي.

أما السياحة، فإن فصلها عن وزارة الثقافة قد يتيح منح النشاط السياحي مساحة أكبر ضمن التخطيط الاقتصادي، بالنظر إلى ما يمتلكه العراق من مواقع أثرية ودينية وتاريخية، وما يمكن أن يوفره القطاع من فرص عمل وإيرادات في مجالات النقل والفنادق والمطاعم والخدمات.

لكن تحويل هذه الإمكانات إلى عوائد اقتصادية يتطلب أكثر من تغيير الهيكل الإداري، إذ يرتبط بتطوير البنى التحتية، وتحسين الخدمات، وتسهيل إجراءات الدخول والتنقل، ورفع كفاءة المنشآت السياحية، وتعزيز الاستثمار الخاص، فضلاً عن حماية المواقع الأثرية وإدارتها بصورة مستدامة.

وتواجه هذه القطاعات تحديات مؤسسية وتنظيمية يمكن أن تستمر حتى بعد استحداث وزارة جديدة، إذا لم تترافق الخطوة مع مراجعة الصلاحيات وتحديد المسؤوليات والموارد المالية والبشرية اللازمة لتنفيذ البرامج.

وبذلك، فإن جدوى استحداث وزارات للسياحة أو الذكاء الاصطناعي لا تقاس بأهمية هذه المجالات في ذاتها، بل بقدرة المؤسسات المقترحة على تحقيق نتائج اقتصادية وإدارية تتجاوز ما يمكن أن تحققه الوزارات والهيئات القائمة من خلال إعادة تنظيم اختصاصاتها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير