Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النجاة من الفاشر بداية لمعاناة جديدة

اضطرت أسر سودانية كثيرة إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان وسط مخاوف من اتساع دائرة العنف وتدهور الأوضاع المعيشية

أفادت "يونيسف" بأن أكثر من 106 آلاف شخص فروا من الفاشر والمناطق المحيطة بها خلال الفترة الممتدة من الـ26 من أكتوبر إلى الأول من ديسمبر 2025 (أ ف ب)

ملخص

ظلت الرحلة جزءاً من تجربة نزوح لا تنتهي بمجرد الوصول، بل تستمر مع محاولة بناء حياة جديدة في مكان لم نختره.

منذ سقوط الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في الـ26 من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، عقب حصار استمر نحو 500 يوم، لم تعد الطرق الخارجة من المدينة مجرد مسارات للانتقال من مكان إلى آخر، بل أصبحت شاهدة على رحلات نزوح محفوفة بالخوف والفقدان. فعلى الطريق المؤدي إلى الدبة في الولاية الشمالية، عبر مسافات صحراوية شاسعة، حمل آلاف السودانيين ما استطاعوا من أمتعة، وغادروا منازلهم بحثاً عن الأمان والماء والغذاء، تاركين وراءهم مدناً وبيوتاً تختزن ذكريات أعوام طويلة من حياتهم.

لم تكن الرحلة مجرد انتقال إلى منطقة أكثر أمناً، فقد واجه الفارون أسئلة البقاء منذ لحظة المغادرة، كيف يعبرون المسافات الطويلة؟ ومن أين يحصلون على الماء والطعام؟ وماذا يفعلون إذا مرض أحد أفراد الأسرة أو تعطلت وسيلة النقل في الطريق؟ وبين الخوف مما تركوه والقلق مما ينتظرهم، تحولت الرحلة إلى فصل آخر من المعاناة، لا ينتهي بالضرورة عند الوصول.

وتكشف بيانات الأمم المتحدة عن حجم موجة النزوح التي أعقبت سقوط المدينة. فقد أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" بأن أكثر من 106 آلاف شخص فروا من الفاشر والمناطق المحيطة بها خلال الفترة الممتدة من الـ26 من أكتوبر إلى الأول من ديسمبر (كانون الأول) 2025، فيما أشارت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وصول مئات النازحين إلى الدبة خلال الأيام الأولى من موجة النزوح. لكن الأرقام، على أهميتها، لا تروي تفاصيل الرحلة كاملة، فلا تكشف ما عاشته الأسر في الطريق، ولا ما اضطر الآباء والأمهات إلى فعله لحماية أطفالهم، ولا ما تركه الهرب المفاجئ من آثار في الذين وصلوا إلى وجهتهم بعد رحلة شاقة.

قرار الرحيل

لم يكن الخروج من الفاشر قراراً سهلاً بالنسبة إلى حليمة عبدالكريم، التي وجدت نفسها أمام واقع يفرض عليها التفكير في سلامة أطفالها قبل أي شيء آخر، فمع سقوط المدينة، اضطرت أسر كثيرة إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان، وسط مخاوف من اتساع دائرة العنف وتدهور الأوضاع المعيشية.

روت حليمة تفاصيل نزوحها قائلة "نزحنا منذ لحظة سقوط الفاشر، وكان معي خمسة أطفال لتبدأ رحلة لم نكن نعرف ما ينتظرنا خلالها، ولا كم من الوقت سنحتاج للوصول إلى مكان نستطيع فيه استعادة شيء من الاستقرار. كانت مسؤوليتي تجاه أطفالي حاضرة في كل خطوة، فيما أصبح البحث عن مكان آمن يتقدم على بقية حاجاتنا الأسرية". وأضافت أن "مغادرة المنزل كانت انفصالاً مفاجئاً عن تفاصيل الحياة اليومية التي بنتها الأسرة على مدى أعوام. ففي لحظات النزوح، تضطر العائلات إلى اتخاذ قرارات سريعة في شأن ما يمكن حمله وما يجب تركه، من دون ضمانات في شأن إمكانية العودة أو العثور على حياة مستقرة في الوجهة الجديدة".

ومع الاتجاه نحو الدبة في الولاية الشمالية، بدأت مرحلة أخرى من رحلة حليمة وأطفالها، رحلة تتجاوز المسافة الجغرافية بين مدينتين، لتضع العائلة أمام تحديات الطريق وحاجات الأطفال ومتطلبات الوصول إلى مكان آمن، وبين ما تركته خلفها وما ينتظرها في وجهتها، أصبحت النجاة الخطوة الأولى في طريق طويل نحو الاستقرار.

طريق الدبة

روى حذيفة جار النبي، أحد النازحين من الفاشر، تفاصيل رحلته إلى الدبة، موضحاً أن "الرحلة بدأت باستقلال مركبة تقل عدداً من الفارين من المدينة، بينهم أسر تصطحب أطفالها وأفراداً من عائلاتها، واستغرقت 11 يوماً سيراً على الأقدام، فيما بلغ عدد أفراد المجموعة 28 أو أكثر قليلاً". وتابع جار النبي "على امتداد الطريق، واجهنا تحديات تتعلق بتوفير حاجاتنا الأساسية، فالحصول على مياه الشرب كان شبه معدوم وكنا نعتمد على الماء القليل الذي أمناه قبل خروجنا من الفاشر، بينما اعتمد الركاب في توفير الطعام على الحبوب وغيرها من المأكولات الجافة". وزاد أن "حاجات الركاب لم تكن متشابهة، فوجود أطفال ونساء حوامل ومرضى وكبار سن، جعل تدبير متطلبات الرحلة أمراً يحتاج إلى مراعاة ظروف كل أسرة، فالتعامل مع الحالات المرضية أثناء الرحلة كان صعباً في ظل بُعد المسافات ومحدودية الخدمات الطبية على الطريق".

وعن تواصل الأسر خلال الرحلة، أوضح النازح أن "طول الطريق وصعوبة التنقل زادا من قلق العائلات على أفرادها، خصوصاً في ظل الظروف التي رافقت النزوح. وبعد رحلة شاقة، وصلنا إلى الدبة، حيث بدأت مرحلة جديدة من البحث عن مأوى وتوفير الحاجات الأساسية، في محاولة للتكيف مع واقع النزوح بعيداً من منازلنا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واقع مختلف

مع تدهور الأوضاع الأمنية، أصبحت سلامة الأسر الأولوية التي تحكم كل ما عداها. تروي سيدة جبريل قصة نزوحها بقولها إن "التفكير في الرحيل لم يكن متعلقاً بالبحث عن مكان جديد للعيش وحسب، بل بكيفية إخراج أطفالي من دائرة الخطر، في وقت لم نكن نعرف فيه إلى أين ستذهب أو كم ستستغرق الرحلة".

وتابعت سيدة "في لحظات الاستعداد للمغادرة، كان عليّ أن أختار ما يمكن حمله، فضلاً عن التوازن بين حاجات أطفالي وما أستطيع نقله خلال الرحلة، فهناك أشياء كثيرة بقيت في المنزل، بعضها يرتبط بالحياة اليومية، وبعضها يحمل ذكريات الأعوام التي قضيناها في منزلنا".

واستطردت "بالفعل خرجت من منزلي برفقة أطفالي وعدد من أفراد أسرتي، وأنا لا أعرف على وجه الدقة ما الذي ينتظرنا في الطريق. فالوجهة تتحدد وفق ما يتوفر من وسائل النقل وإمكانية الوصول إلى منطقة أكثر أمناً، بينما ظلت الأسئلة المتعلقة بمدة السفر وكلفه وظروف الوصول حاضرة منذ بداية الرحلة".

وواصلت "مع الابتعاد عن الفاشر، بدأنا مرحلة جديدة من النزوح. إذ لم يعد التفكير مقتصراً على مغادرة المدينة، بل امتد إلى كيفية تدبير حاجات الأطفال خلال الطريق، وتوفير الماء والطعام، والتعامل مع التعب وطول ساعات السفر. وفي الرحلات الصحراوية، تكتسب هذه الحاجات أهمية خاصة، لأن المسافات الطويلة ومحدودية الخدمات في بعض المناطق قد تجعل الحصول على الضروريات أكثر صعوبة".

ولفتت إلى أن "الرحلة كانت تحمل أيضاً جانباً آخر يتعلق بما ينتظرنا بعد الوصول. فمغادرة المنزل لا تعني أننا نعرف أين سنقيم أو كيف سنؤمن حاجاتنا في وجهتنا الجديدة. وقد نضطر إلى الاعتماد على الأقارب أو البحث عن أماكن للإقامة، بينما تتراجع قدرتنا على تغطية النفقات بعد تكبد كلف النقل ومصاريف الطريق".

واختتمت النازحة حديثها قائلة "بعدما قطعنا المسافة بين الفاشر والدبة، وجدنا أنفسنا أمام واقع مختلف عن الحياة التي تركناها خلفنا، فالمنزل الذي غادرناه لم يعد مكاناً تستطيع العودة إليه في وقت تريده، والوجهة الجديدة تحتاج إلى ترتيبات أخرى حتى تصبح مكاناً قابلاً للاستقرار. وبين هذين الواقعين، ظلت الرحلة جزءاً من تجربة نزوح لا تنتهي بمجرد الوصول، بل تستمر مع محاولة بناء حياة جديدة في مكان لم نختره في ظروف عادية".

مرحلة جديدة

يقول الناشط الطوعي أسامة محمد إن "وصول الأسر من الفاشر لا يعني انتهاء معاناتها، إذ تبدأ بعد الوصول مرحلة جديدة تتعلق بتوفير المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية، في ظل حاجات متزايدة للأسر التي وصلت بأعداد كبيرة من دون أن تتمكن من حمل ممتلكاتها أو ترتيب مكان للإقامة سابقاً".

وأردف محمد إن "الأسر المقيمة في المخيمات تحتاج إلى دعم مستمر لتغطية متطلباتها اليومية، خصوصاً تلك التي تضم أطفالاً ونساء وكباراً في السن، وتبرز حاجات الغذاء ومياه الشرب والمستلزمات الأساسية ضمن الأولويات، إلى جانب توفير الخدمات الصحية ومساعدة الأسر التي تحتاج إلى رعاية خاصة".

وأوضح أن "بعض الأسر تواجه صعوبات إضافية بسبب فقدان مصادر دخلها، مما يجعل اعتمادها على المساعدات كبيراً، في وقت تحتاج فيه إلى فرص تساعدها على استعادة قدرتها على تلبية حاجاتها بنفسها. كذلك يمثل استمرار تعليم الأطفال تحدياً للأسر التي تسعى إلى استقرار أبنائها على رغم ظروف النزوح".

وأشار إلى أن "حاجات النازحين تختلف من أسرة إلى أخرى، تبعاً لعدد أفرادها وظروفها الصحية وإمكاناتها المادية، مما يتطلب متابعة مستمرة لتحديد الفئات الأكثر احتياجاً وتوجيه المساعدات إليها".

وخلص الناشط الطوعي إلى القول إن "التحدي لا يقتصر على استقبال الأسر عند وصولها، بل يمتد إلى توفير ظروف معيشية تحفظ كرامتها وتساعدها على تجاوز المرحلة الأولى من النزوح، إلى حين تمكنها من العودة الآمنة أو بناء حياة مستقرة في مكان آخر".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات