ملخص
يتداول بعض التونسيين اليوم عبارات إيطالية في منطوقهم اليومي، مثل "باسطا وتشاو وفارينا" وغيرها. ويعود ذلك إلى موجات هجرة كبيرة أوصلت آلاف الإيطاليين الفارين من الجوع والفقر داخل صقلية وبانتيلاريا إلى تونس بحثاً عن موارد الرزق، فاحتكوا بالطبقات الشعبية وتركوا أثراً لم يمح على رغم مرور الزمن.
من "باستا" (Basta) أي "كفى"، إلى "ماماميا" (Mama mia)، وتعني "يا إلهي"، إلى "تشاو" (ciao) أي "إلى اللقاء"، و"داكوردو" (D’accordo) أي "اتفقنا"، "مورسو" (Morso) أي "قطعة"، هي في الواقع عبارات إيطالية صميمة يلهج بها لسان بعض التونسيين في خطابهم اليومي دون أن يعلموا جذورها.
قد لا يصدق بعض ما يحتفظ به التاريخ المعاصر من صور للإيطاليين وهم يركبون البحر في موجات هجرة جماعية "غير شرعية" إلى تونس، بحثاً عن العمل والاستقرار، بينما يحتفظ التونسيون إلى اليوم وبعد عقود بعبارات إيطالية. فكيف تسللت هذه العبارات الإيطالية إلى لسان التونسيين؟ وفي أي سياق تاريخي؟
72 ألف إيطالي مقابل 24 ألف فرنسي
بدأت هجرة الإيطاليين من عمال وتجار ثم عائلات من صقلية وبانتيلاريا وسردينيا إلى تونس في بدايات القرن الـ19، كما وصل مثقفون ونشطاء سياسيون.
وبحسب ما ورد في كتاب Paroles et images d’une histoire mineure l’émigration sicilienne en Tunisie (XIXe et XXe siècle) (كلمات وصور لحكاية غير مكتملة، الهجرة الصقلية إلى تونس في القرنين الـ19 والـ20) للباحث والكاتب الإيطالي "ألفونسو كامبيزي"، فقد بلغت هجرة الصقليين إلى تونس أوجها في عام 1901، لتبلغ 72 ألف إيطالي، بينما بلغ عدد الفرنسيين 24 ألفاً فحسب.
وبحسب كامبيزي فإن عودة الإيطاليين إلى بلادهم بدأت عام 1943 وتواصلت حتى عام 1972.
وبين الوصول والعودة قصة تعايش واندماج حتى الانصهار في المجتمع التونسي تروي تفاصيلها ملامح المعمار ولمسات المطبخ التي بقيت صامدة عبر الزمن.
وبعد استقلال تونس وبداية بناء الدولة الوطنية، اتخذت السلطات حينها قراراً بإعطاء الأولوية للتونسيين في الوظائف والمناصب الحكومية، ففقد عدد من الإيطاليين مواقعهم وتقلص عددهم بصورة ملحوظة، وصادرت السلطات التونسية عدداً من الأراضي الفلاحية التي يمتلكها إيطاليون.
وعلى رغم الرحيل لم يمح الأثر الإيطالي من تونس، وتحتفظ بعض المباني في العاصمة إلى اليوم باللمسات الإيطالية، وتأثر المطبخ التونسي بالبهارات والأكلات الإيطالية، كالمعكرونة والبيتزا، كما تحمل بعض العائلات المختلطة إلى اليوم ألقاباً مزدوجة تونسية - إيطالية مثل موريللي (Morelli)، وروسو (Rosso) والصقلي، نسبة إلى جزيرة صقلية، ليصبح بالتونسي "زقلي".
وامتد الوجود الإيطالي في تونس إلى أكثر من قرن داخل العاصمة (المدينة العتيقة) وحلق الوادي، وفي المدن الكبرى مثل سوسة ونابل.
ويروي وجود الإيطاليين في تونس قصة إنسانية عميقة اختلطت فيها الجالية الإيطالية بالتونسيين في فضاء متوسطي مشترك، تقاسموا خلالها تداعيات التحولات التي عاشها العالم وقتها، من حروب وأوبئة ومجاعات. إلا أن المتغيرات الجيوسياسية ونهاية الحرب العالمية الثانية، وتشكل خريطة عالمية جديدة، وتخوف الإيطاليين من السلطات الفرنسية التي كانت تلاحق كل من يدعم الفاشية كانت من بين الأسباب التي دفعتهم إلى العودة إلى بلدهم.
الإيطاليون اندمجوا في المجتمع التونسي
تفوقت الجالية الإيطالية على بقية الجاليات الموجودة في تونس بين القرنين الـ19 والـ20، واحتكت بالطبقات الشعبية، لذلك كان تأثيرها أقوى في المجتمع التونسي. ويرى أستاذ التاريخ المعاصر عبدالجليل بوقرة أن "استخدام المفردات الإيطالية ناتج من عدد أبناء الجالية الإيطالية التي تمثل الغالبية مقارنة ببقية الجنسيات وبخاصة في العاصمة التونسية ومعظم المدن الكبرى".
ويضيف بوقرة أن "الجالية الإيطالية بعد الحرب العالمية الأولى حافظت على مكانتها في تونس لأعوام، مما جعل فرنسا تشجع الإيطاليين واليهود التونسيين وحتى المسلمين على الحصول على الجنسية الفرنسية، بهدف تحقيق نوع من التوازن بين الفرنسيين والإيطاليين".
ويرى أستاذ التاريخ المعاصر أن "الإيطاليين المقيمين في تونس كانوا في معظمهم من طبقات متوسطة وشعبية، واستقروا في أحياء فقيرة وسط العاصمة، لا سيما باب الجزيرة، وباب عليوة، مما أسهم في انتشار لغتهم في هذه الأوساط الشعبية".
"Rai uno" نشرت اللغة الإيطالية
هاجر الإيطاليون إلى تونس لقربها من إيطاليا، ولتوفر فرص العمل، واشتغل معظمهم في قطاعات الصيد البحري والبناء والنقل، ويشكلون يداً عاملة مهمة تواصل وجودها في أعوام ما بعد الاستقلال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول أستاذ التاريخ المعاصر إن "غالب سواقي الترامواي في تونس وعمال السكك الحديد، وورشات الميكانيك كانوا إيطاليين، بينما عمل المالطيون كـ’كرارطية‘ أي أصحاب عربات تجرها الخيول لحمل ونقل البضائع". ويضيف بوقرة أن "اللغة الإيطالية باتت متداولة ومفهومة لدى التونسيين مع بداية الاستقلال، وقبل تأسيس التلفزيون الوطني التونسي عام 1966، إذ كان التونسيون الذين يملكون جهاز تلفزيون يتابعون القناة الإيطالية ’راي أونو‘ (Rai Uno) التي تواصل بثها في تونس لأكثر من 50 عاماً، كما كان التونسيون يتنقلون بسهولة إلى صقلية وباليرمو عبر البحر ومن دون تأشيرة".
مفردات تونسية تعبر إلى مالطا
في المقابل، رحلت العبارات التونسية إلى مالطا، وإلى اليوم يتداول المالطيون مفردات عربية من اللهجة التونسية مثل "مايدة" أي (طاولة)، و"حوت" أي (سمك)، و"دار" أي (المنزل)، وذلك بسبب المبادلات التجارية بين البلدين واستقرار جالية مالطية مهمة في تونس بين القرنين الـ19 والـ20.
التصقت الجالية الإيطالية بالتونسيين وبخاصة من الطبقات الشعبية، ويحتفظ عدد من العائلات التونسية إلى اليوم بذكريات جميلة مع عائلات إيطالية عاشت في تونس، ومن بينها عائلات متصاهرة تتقاسم الذكريات وتتبادل الزيارات.
المفردات الإيطالية للتفاخر
ويرى أستاذ الأنتروبولوجيا الثقافية الأمين البوعزيزي أن "استخدام بعض المفردات الإيطالية من قبل بعض العائلات التونسية كان من باب التمايز والتباهي عن بقية التونسيين، وبخاصة في العاصمة والمدن الكبرى". ولفت إلى أن "اللسان التونسي تأثر بالحضارات التي تعاقبت على تونس من الفينيقية إلى الأمازيغية المحلية وصولاً إلى الإنجليزية ومروراً باللغتين الفرنسية والإيطالية".
ويعد البوعزيزي أن "الفرنسيين كانوا يمثلون سلطة الاحتلال الرسمي عبر الجيش والإدارة، بينما كان الإيطاليون الفئة الأقرب إلى الحياة اليومية للتونسيين، إذ كان جزء منهم يعمل في المناجم وفي القرى الفلاحية إلى جانب التونسيين، كما عملوا في ضيعات العنب في الشمال والشمال الشرقي".
عدت تونس في تلك المرحلة "الأرض الموعودة"، ولجأ إليها الإيطاليون هرباً من الفقر والحاجة، وتركت العقود التي أمضوها في تونس تراثاً لا مادياً مهما ما زال ماثلاً إلى اليوم.