ملخص
تبدو المفارقة العجيبة في كون التيار الإسلامي المغربي من أشد المناصرين للقضية الفلسطينية، بالتالي زاد ذلك التوقيع من حدة الانتقادات للحزب، وتراجعت شعبيته بعدما التصقت به "خطيئة التطبيع"، بدليل انحداره في الانتخابات التشريعية لعام 2021 وقت أن حل في الرتبة الثامنة بعدما تصدر نتائج دورتين متتاليتين من تلك الانتخابات.
يعد "العدالة والتنمية" الحزب الإسلامي الوحيد المشارك في المجال السياسي المغربي، وبالنظر إلى تقاسمه ذلك المجال مع تيارات أخرى، ووجود خلافات عميقة مع أحزاب معينة، فإن أية هفوة يرتكبها الحزب تجد صدى واسعاً وتخلق الجدل على المستويين السياسي والشعبي.
أثار الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبدالإله بنكيران الجدل من جديد بانتقاده لسلفه سعد الدين العثماني، قائلاً له "الزم بيتك" زاعماً أنه يشوش على عمل الحزب بخرجاته في التجمعات الحزبية، وارتباطه بـ"خطيئة" تطبيع العلاقات مع إسرائيل، مشيراً إلى أن خصوم الحزب يستخدمون ذلك لمهاجمته مع أنه لم يكن لديه علم بتوقيع الاتفاق بصورة مسبقة.
يأتي ذلك في ظل إعلان رفع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل إلى مستوى تبادل السفراء، مما أدى إلى تنظيم تظاهرات شعبية داخل بعض المدن رفضاً لتلك الخطوة، وعلى رغم اعتذار بنكيران للعثماني، معتبراً أنه اقترف إساءة غير مقصودة، فإن ذلك لم ينه الجدل القائم.
وكان العثماني بصفته رئيس الوزراء (2017-2021) وقع في ديسمبر (كانون الأول) 2020 على وثيقة الاتفاق الثلاثي الأميركي- المغربي- الإسرائيلي، الذي منح المغرب اعتراف ترمب بسيادته على الصحراء مقابل إعادة تطبيع المملكة لعلاقاتها مع إسرائيل. وتبدو المفارقة العجيبة في كون التيار الإسلامي المغربي من أشد المناصرين للقضية الفلسطينية، بالتالي زاد ذلك التوقيع من حدة الانتقادات للحزب، وتراجعت شعبيته بعدما التصقت به "خطيئة التطبيع"، بدليل انحداره في الانتخابات التشريعية لعام 2021 وقت أن حل في الرتبة الثامنة بعدما تصدر نتائج دورتين متتاليتين من تلك الانتخابات.
ثنائية قطبية
أثارت تصريحات الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية تأويلات عن نشوب خلافات داخلية بالحزب، في ظل الحديث عن وجود ثنائية قطبية بين بنكيران وسلفه سعد الدين العثماني، ويعود أصل الخلاف بين القياديين، بحسب تأويلات، إلى مرحلة ما يعرف بـ"البلوكاج" السياسي الذي واجه بنكيران خلال عام 2016 في بداية الولاية الثانية لحزب العدالة والتنمية على رأس الائتلاف الحكومي، فبعد تصدر الحزب نتائج الانتخابات التشريعية للمرة الثانية بعد عام 2011، عين بنكيران، باعتباره أميناً عاماً للحزب، رئيساً للحكومة للمرة الثانية، لكن مشاورات تشكيل الحكومة شهدت محاولة عرقلة من طرف حزب التجمع الوطني للأحرار الذي فرض إشراك حزب الاتحاد الاشتراكي واعترض على مشاركة حزب الاستقلال، لكن بنكيران تمسك بوجود حزب الاستقلال في الحكومة المقبلة، وشدد على رفض إشراك الحزب اليساري في حكومته، مما أسهم في تعطيل تشكيل الحكومة لأكثر من خمسة أشهر، مما حدا بالملك لاختيار سعد الدين العثماني رئيساً للحكومة، لكنه رضخ لمطالب حزب التجمع الوطني للأحرار، مما على ما يبدو لم يرق لبنكيران، بالتالي قد يكون ذلك سبباً في احتمال وجود قطبين في الحزب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي الأقل، لم يقبل جانب من مكونات الحزب تصريحات أمينهم العام التي اعتبروها "في غير محلها"، وقال القيادي البارز في حزب العدالة والتنمية محمد يتيم، إن "استرجاع توقيع العثماني على اتفاق التطبيع لم يكن في محله، ومن باب الإنصاف يتعين التذكير بالمعطيات التالية، والتي يتصدرها أن الأمانة العامة التي كان يترأسها العثماني أصدرت بلاغاً أعلنت فيه رفضها للاختراق التطبيعي، والشيء نفسه بالنسبة إلى المجلس الوطني، والمعطى الثاني أن كل متتبع منصف للحظة التوقيع سيتأكد أن العثماني لم يكن على علم، على ما يبدو، بنص الوثيقة التي طلب منه التوقيع عليها".
وأضاف "لا أتصور أن أميناً عاماً، سواء لحزب العدالة والتنمية أو لغيره من الأحزاب، كان سيرفض الاستجابة لدعوة الديوان الملكي، أو يعلن في تلك اللحظة رفضه للتوقيع، وبخاصة أن ما يظهر من خلال مشهد التوقيع أنه (العثماني) فوجئ به". مشدداً على أن توقيع المعاهدات والاتفاقات في الأصل اختصاص ملكي، ومن الناحية البروتوكولية ليس من المناسب أو اللائق أن يوقع الملك احتراماً لتوازي المواقع، فقد كانت التخريجة بأن يوقع أول مسؤول في تراتبية الدولة بعد الملك وهو في هذه الحال رئيس الوزراء.
قام بنكيران بدعم العثماني بعد توقيعه الاتفاق الثلاثي، ورفض دعوات لإزاحته عن رئاسة الوزراء، لكنه عاد لينتقده أخيراً، وبخصوص ذلك التحول يوضح المحلل السياسي رشيد لزرق أن ما يقوم به الأمين العام الحالي للحزب يعد محاولة ربط المسؤولية بقيادة المرحلة الحكومية السابقة، بالتالي تحاول القيادة الحالية النأي بنفسها عن إرث أصبح مكلفاً انتخابياً لجزء من الحزب، مضيفاً أن الأمر متعلق ببناء سردية جديدة مرتبطة بموقع الحزب في المعارضة خلال الولاية التشريعية المقبلة، بالتالي ربط القرارات "السلبية" بقيادة الحزب السابقة.
نفي الخلاف
في رده على التأويلات بوجود انشقاق داخلي، يؤكد عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية حسن حمورو أنه "لا توجد أية أزمة داخلية، وما يتم الترويج له في هذا السياق لا يعكس حقيقة الوضع التنظيمي والسياسي للحزب"، موضحاً أن "العدالة والتنمية" حزب مؤسسات له قواعده الديمقراطية وآلياته التنظيمية في تدبير الاختلاف ومناقشة القضايا التي تهمه، لذلك فإن اختزال هذا الموضوع في تسريب جرى تداوله، ومحاولة تقديمه باعتباره مؤشراً إلى وجود صراع داخلي، يعد قراءة لا تنسجم مع واقع الحزب وطبيعة اشتغاله المؤسساتي.
وفي ما يتعلق بتوقيع العثماني على الإعلان الثلاثي المرتبط بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، يشير عضو المجلس الوطني للحزب إلى أن "هذا التوقيع لا يمكن تحميل الحزب مسؤوليته، ولا اعتباره تعبيراً عن موقفه أو تحولاً في مرجعيته السياسية، فموقف الحزب من التطبيع واضح، وقد عبر عنه في مناسبات متعددة، وظل رافضاً له، وسيظل متمسكاً بهذا الموقف انطلاقاً من قناعاته ومبادئه ومواقفه المعلنة، كما أن مؤسسات الحزب، وفي مقدمها المجلس الوطني، لم تتبن توقيع العثماني على الإعلان المذكور، ولم تعتبره موقفاً مؤسساتياً للحزب، ومن ثم فإن المسؤولية عن ذلك التوقيع لا يجوز نقلها إلى الحزب، أو اتخاذها مدخلاً للتشكيك في مواقفه الثابتة".
ويشدد حمورو على أن اهتمام حزب العدالة والتنمية ينصب حالياً على موقعه السياسي الجديد في أعقاب انتخابات الـ23 من سبتمبر (أيلول) الماضي، وما أفرزته من نتائج وضعته أمام مسؤوليات سياسية وتنظيمية جديدة، والحزب معني أساساً بقراءة هذه النتائج واستيعاب دلالاتها، ومواصلة العمل على الوفاء بالتزاماته تجاه المواطنين، بدل الانشغال بسجالات جانبية لا تخدم النقاش العمومي ولا مصالح الحزب، موضحاً أنه من الطبيعي أن يسعى البعض إلى استثمار بعض الوقائع والتفاصيل مهما كانت محدودة، لتغذية التأويلات وإبراز تناقضات داخلية غير قائمة، أو لصرف الانتباه عن التحولات السياسية التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة، غير أن حزب العدالة والتنمية يدرك أن قوة التنظيم لا تكمن في غياب الاختلاف، بل في قدرته على تدبيره داخل مؤسساته وفق قواعده الديمقراطية، وبما يحفظ وحدته واستقلالية قراره، على حد تعبيره.