ملخص
إذا كان العنوان الحالي للمعارك هو إنهاء القوى غير الدولتية المرتبطة بإيران، فإن نهاية اللعبة هي تغيير في النظام الإيراني أو تغيير سلوكه. ولا مجال لنفوذ إيراني في العالم العربي، بعدما كانت طهران تفاخر بأنها تحكم أربع عواصم عربية هي صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت.
تعددت حروب اليمن والعنوان واحد: صراع بلا نهاية كأن الحرب هي الحمض النووي لليمنيين. قتال على نوع الحكم ومن يمسك به قبل مساحة الأرض. سباق على "الغنيمة" في بلد فقير. وتنافس قوى خارجية على النفوذ في ساحة كانت شبه مغلفة بقسوة الجغرافيا ومكر التاريخ، ومفتوحة بحاجة القبائل إلى حلفاء مقتدرين.
هكذا كانت الحال أيام الانفصال بين الشمال والجنوب ثم أيام الوحدة بينهما والممارسات التي قادت إلى حرب الانفصال الفاشلة بقوة الشمال ونزاعات الجنوب. وهكذا هي اليوم، حيث تتقاسم جيوش وميليشيات الأرض والسلطة، ويتعاظم الصراع بين جبهة إيرانية وجبهة عربية قبل عملية "فجر اليمن".
وليست "وحدة الساحات" سوى اسم مستعار لقوى غير دولتية أسس بعضها ورعى البعض الآخر الحرس الثوري الإيراني للقتال ضد دولها وأنظمتها دفاعاً عن الجمهورية الإسلامية ومشروعها الإقليمي: من "حزب الله" في لبنان والحشد الشعبي في العراق وما كان الحرس الوطني في سوريا، إلى الحوثيين في اليمن و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" في غزة.
ذلك أن اليمن الذي نقلته الثورة عام 1962 من الإمامة إلى الجمهورية يعمل الحوثيون لإعادته من الجمهورية إلى الإمامة، إمامة أسرة بدر الدين الحوثي بدل إمامة أسرة حميد الدين. وهذا المشروع في ظل اللعبة الإيرانية الأوسع التي أقل طموحاتها ربط البحر المتوسط ومضيق هرمز في الخليج وباب المندب على البحر الأحمر في القتال من أجل المشروع الإقليمي الإيراني. فضلاً عن أن الحوثيين بدأوا يتصرفون كأنهم قوة إقليمية تقاتل أميركا وإسرائيل وتربط مصيرها كلامياً بقضية فلسطين.
واللعبة الجيوسياسية والاستراتيجية حالياً تختلف كثيراً عما كانت عليه في الماضي. فالنظام الاشتراكي الراديكالي في اليمن الجنوبي كانت طموحاته محدودة في الإطار القريب، وهو انتهى بصراع دموي بين رفاق الحزب الواحد واتضح أن محاولة تنفيذ الماركسية في مجتمع قبلي كانت مجرد شطحة خيالية حيث لا فرصة لنجاح "ماركسية قبلية".
وإمامة أسرة حميد الدين كانت محلية جداً، حيث أصبح أي مندوب عربي في جامعة الدول العربية قليل الكلام يقال إنه مثل مندوب اليمن الصامت دائماً. والمعركة بين الإماميين والجمهوريين وحلفاء كل منهم بعد قيام الجمهورية وإرسال الرئيس جمال عبدالناصر الجيش المصري لحمايتها انتهت بتسوية، لكن المعارك بين حكام الجمهورية استمرت أقله بالاغتيالات. وبين الرئيس علي عبدالله صالح والحوثيين في صعدة دارت ست حروب غير حاسمة. ثم تجاوزت الثورة الشعبية التي نزل فيها الملايين إلى الشوارع في مناخ ما سميت ثورات "الربيع العربي".
وهي استمرت فترة قبل إجبار صالح على الاستقالة ضمن تسوية أسهمت فيها السعودية وقوى عربية ودولية. كان فحوى التسوية تخلي صالح عن الرئاسة لمصلحة نائبه عبدربه منصور هادي لمرحلة انتقالية تمهيداً لإصلاحات مطلوبة وانتخابات نيابية ورئاسية، وكان لكل الأطراف مكان في التسوية: صالح، الحوثيون، الثوار، القبائل، والجميع تقريباً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هنا بدأت الدراما في إطار ثلاثية الثورة، والتسوية، والانقلاب. التسوية طوت صفحة الثورة في إطار قانوني وتفاهم محلي وخارجي. والانقلاب أطاح التسوية بالقوة. أي انقلاب؟ الانقلاب الذي تحالف على القيام به علي عبدالله صالح والحوثيون. صالح أراد العودة إلى السلطة التي قضى فيها نحو 40 عاماً، وتصور أنه يستطيع استخدام الحوثيين في المرحلة الأولى ثم الانقلاب عليهم. والحوثيون أرادوا الحصول على قسم مهم من الجيش الذي بناه صالح مع الأسلحة المتطورة التي كانت في حوزته، وراهنوا على استخدام شغف صالح بالسلطة لمساعدتهم في البداية مضمرين ما فعلوه بعد احتلال صنعاء، حيث قتلوه بصورة معلنة ليدبوا الرعب في قلوب أنصاره وأعدائهم.
وحرب "فجر اليمن" ليست حرب العودة إلى الثورة بل حرب إسقاط الانقلاب والعودة إلى التسوية والشرعية. وليس واضحاً كيف ستأتي التسوية التي لا بد منها. فاللعبة المؤكدة هي إسقاط حکم ميليشيات غير دولتية تخدم إيران وتريد العودة من الجمهورية إلى الإمامة. لكن الناس في صعدة كجزء من الشعب اليمني لهم مكان في التسوية مثل سواهم. واللعبة الأكبر هي موقع اليمن في الصراع الجيوسياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط وعليه. فلا إيران تستطيع السيطرة على مضيق هرمز والمنطقة. ولا قوة إقليمية ودولية تقبل أي سيطرة على باب المندب والبحر الأحمر. وإذا كان العنوان الحالي للمعارك هو إنهاء القوى غير الدولتية المرتبطة بإيران، فإن نهاية اللعبة هي تغيير في النظام الإيراني أو تغيير سلوكه. ولا مجال لنفوذ إيراني في العالم العربي، بعدما كانت طهران تفاخر بأنها تحكم أربع عواصم عربية هي صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت.