Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروكوكو... شاهد حي على صعود الأرستقراطية

مثل ظهوره تعبيراً بصرياً مباشراً عن تحول موازين القوى في فرنسا

عبّر الروكوكو عن فن الصالونات الأرستقراطية المغلقة، وبه تحولت اللقاءات إلى مجالس للثقافة والترفيه والحوارات الفلسفية العميقة (أنسبلاش)

ملخص

روى الروكوكو قصة عن لحظة تاريخية محددة جداً، حين اعتقدت طبقة أنها يمكن أن تحكم من خلال الجمال والمتعة، وحاولت ترجمة سلطتها إلى فن، لكن الروكوكو سقط بسقوط الأرستقراطية، تاركاً خلفه ذاكرة جميلة عن لحظة حاولت فيها طبقة أن تخلد نفسها عبر الفن.

بعد وفاة الملك لويس الـ14، الذي أطبق الخناق على النبلاء، تحررت الطبقة الأرستقراطية من قيود فرساي الصارمة وغادروا عائدين لباريس، وهناك أسسوا قصورهم الخاصة وصالوناتهم الثقافية، واستبدلوا العمارة الرسمية الباروكية الصارمة بمساحات وكتل تعبر عن المرحلة الجديدة في حياتهم، على المستويين الاجتماعي والثقافي، التي لا بد أن يكون عنوانها الأبرز: النفوذ والحرية.

إذ أضحت هذه الطبقة حرة، وقررت الاستمتاع بكل ثانية من هذه الحرية، وترجمتها على الجدران والأثاث والأسقف والقماش، فجاء الروكوكو تعبيراً عن إعادة تشكيل موقع الأرستقراطية في السلطة.

تمرد بصري

نشأ أسلوب "روكوكو" (Rococo) في فرنسا في أوائل القرن الـ18، ويشتق اسمه من الكلمة الفرنسية (Rocaille)، وهي نوع من الزخارف التي تحاكي أشكال الأصداف والصخور، ويمكن ترجمتها تقريباً بمعنى "التشكيلات الصخرية". ولا يمكننا اعتبار الروكوكو طرازاً عالمياً موحداً، إذ بإمكان المنطقة الجغرافية والسياق الاجتماعي الخاص بها، وتاريخ البناء أن تشكل عوامل تحدث تبايناً جوهرياً في كيفية تطبيق تشكيلاته العامة وعناصره الزخرفية.

وكما معظم الحركات الفنية التي تزامنت مع أحداث سياسية واجتماعية خاصة، مثل ظهور الروكوكو، إلى جانب اعتباراته الفنية، تعبيراً بصرياً مباشراً عن تحول موازين القوى في فرنسا لصالح الطبقة الأرستقراطية والأثرياء البرجوازيون، فهو لم يكن مجرد تغيير في الألوان أو الأشكال، بل تمرد بصري على كل ما فرضته الطبقة الملكية المطلقة.

 

خادم السلطة والدين

في عهد لويس الـ14، حكم أسلوب الباروك الفن لعقود، وكان كل شيء فيه يصرخ بالسلطة والنظام والتسلسل الإلهي. وفي حين خدم طراز الباروك العرش والكنيسة، مستخدماً خطوط جادة ومساحات ضخمة لقذف الرهبة في القلوب، عبّر الروكوكو عن فن الصالونات الأرستقراطية المغلقة، وبه تحولت اللقاءات إلى مجالس للثقافة والترفيه والحوارات الفلسفية العميقة، بعيداً من المراسيم والبروتوكولات الرسمية.

أخذ طراز "الباروك" على عاتقه تعزيز سلطة الكنيسة الكاثوليكية، في حين واكب الروكوكو صعود الأرستقراطية إلى سدة الحكم، مبتعداً بذلك عن السياق الديني والمواضيع الدرامية والمبالغات، في تحول واضح تجلى في الانتقال من المواضيع المقدسة نحو مواضيع أكثر خفة ومرحاً، مثل مشاهد الحياة اليومية والحفلات الأرستقراطية المترفة واللوحات التي تتسم بطابع أكثر نعومة وجاذبية.

الجمال سمة دنيوية

وبدأ الروكوكو يميل إلى التخفيف من حدة الألوان ومن هيئة الشخصيات المصورة، لتبرز مظاهر الترف والاستعراض في الأثاث والقطع الزخرفية، مع الافتقار إلى الرمزية الدينية، في محاولة للاحتفاء بالجمال بوصفه سمة دنيوية بحتة. فجلس الفنانون الأرستقراطيون يرسمون لحظات اللهو والحب والحياة البعيدة من الجدية، والتوجه نحو المواضيع الدنيوية، بالتركيز على مواضيع لوحات تمثل الرحلات الترفيهية والحدائق والحفلات التنكرية والغزل، إلى جانب طغيان درجات الباستيل، الوردي والأبيض والأزرق السماوي والذهبي، لتعكس الرقة والرغبة في الهرب من رسميات السلطة إلى ملذات الحياة.
وربما تلخص اللوحة الأشهر في ذلك العصر، "الأرجوحة" لـ "فراغونار"، هذه الصورة بدقة، امرأة شابة على أرجوحة، تحيط بها الزهور والضوء الناعم، وسط حديقة خيالية، إذ لا يوجد إلا الجمال والمتعة وقوة اللحظة.

ثورة الروكوكو

وبذلك انعكس أسلوب حياة النبلاء في عناصر الفن، وتجلت السلطة الجديدة للأرستقراطية في خصائص الروكوكو البصرية، عبر استخدام الخطوط المنحنية والتذهيب والزخارف النباتية والمرايا العاكسة لإعطاء إحساس بالاتساع والبهجة، في سبيل تعزيز مظاهر الرفاهية والترف الخالص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تميزت هذه الفترة بالتصميمات الداخلية المتقنة للغاية، إذ برزت اللوحات التي تحاكي الرخام والزخارف البديعة والمنحنيات الانسيابية والألوان الفاتحة والهادئة والإضاءة الوفيرة من خلال اعتماد النوافذ الفرنسية (الفتحات الممتدة من الأرض إلى السقف)، والابتعاد من النسب التقليدية ليعبر عن عدم التناظر والحركة. إضافة إلى ذلك، تقلصت الأحجام بصورة ملاحظ وعمت أجواء من الفوضى المنظمة، إذ لا توجد خطوط مستقيمة ولا نقاط توقف، في حين عكست المرايا الكبيرة الضوء من كل مكان، لتخلق وهماً بالاتساع وتبدو الغرف أكبر مما هي عليه في الواقع، وازدانت الأسقف بالمناظر الطبيعية والأشكال الخفيفة التي توحي بالجلوس تحت السماء مباشرة.

كان كل شيء معداً ومصمماً بدقة ليفصل المرء عن الحياة العادية، في حين كان هناك شيء على وشك الحدوث.

الأفول

بحلول عام 1760، انساب إلى الفنانين أنفسهم ومعهم المفكرين والفلاسفة شعور بالملل من الروكوكو، وبدأت الحركة التنويرية تلك، الموجة من الأفكار الجديدة التي تؤمن بالعقل والأخلاق والعدالة، تنظر إلى الروكوكو بعين الازدراء، إذ كيف يسمح الشعب الذي يموت جوعاً لطبقة صغيرة بقضاء وقتها في رسم امرأة على أرجوحة؟ وكيف يسمح للجمال والمرح بالحضور في معزل عن معاناة الشعب؟

من هنا قاموا بتوليد حركة فنية مضادة، النيو كلاسيكية، وذهبوا إلى اليونان والرومان القديمة، حيث المنطق والنظام والأخلاق الصارمة، بحثاً عن الإلهام. فاستعاضوا بالخطوط المستقيمة عوضاً عن المنحنيات، واعتمدوا الألوان الجادة والمظلمة بديلاً عن الألوان الفاتحة، واستبدلت صورة الامرأة على الأرجوحة، بمحاربين رومان يقسمون اليمين على السيف.

في النهاية، على رغم قصر عمر الروكوكو، إلا أنه كان كافياً ليسجل كشاهد على تطور قيم النخبة الحاكمة، بعيداً من تكاليف الكنيسة وخياراتها، وليفسح المجال، في أواخر القرن الـ18 وأوائل القرن الـ19، أمام تقنيات وأساليب فنية جديدة ومواضيع متنوعة، ومبادئ جديدة تحتفي بالتناغم الكلاسيكي، والتماثل، والوقار.

روى الروكوكو قصة عن لحظة تاريخية محددة جداً، حين اعتقدت طبقة أنها يمكن أن تحكم من خلال الجمال والمتعة، وحاولت ترجمة سلطتها إلى فن، لكن الروكوكو سقط بسقوط الأرستقراطية، تاركاً خلفه ذاكرة جميلة عن لحظة حاولت فيها طبقة أن تخلد نفسها عبر الفن.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات