Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من "أسلحة صدام" إلى أسرار بلاده: قصة سقوط رئيس استخبارات ألمانيا بالصدفة

سبّب القبض على أوغست هانينغ ومعاونه بتهمة التجسس والخيانة صدمة واسعة داخل أجهزة الاستخبارات الغربية ومخاوف من كشف هوية عملاء

أوغست هانينغ (أ ب)

ملخص

تشكل الاتهامات إحراجاً كبيراً لـ "جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني" (بي إن دي)، الذي تحيط به الفضائح منذ أعوام، فلديه تاريخ من الاختراق من جانب أجهزة استخبارات أجنبية أخرى، مما دفع أجهزة استخبارات غربية، في بعض الأحيان، إلى التردد في مشاركة معلومات حساسة معه.

في الـ 28 من يناير (كانون الثاني) 2003، ألقى الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، خطابه الشهير أمام الكونغرس حول "حال الاتحاد"، موجهاً اتهامات لنظام الرئيس العراقي صدام حسين بامتلاك أسلحة دمار شامل، وكان الخطاب الذي مهّد لغزو العراق في مارس (آذار) من العام نفسه. 

كانت اتهامات جورج بوش مبنية على معلومات عدة، من بينها إفادة من رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية أوغست هانينغ، آنذاك، نقل بموجبها ما وصفه بأنه أدلة "معقولة ومقنعة"، قدمها طالب لجوء عراقي في ألمانيا، زعم فيها أنه عمل في منشآت متنقلة داخل بلاده لإنتاج أسلحة كيماوية وبيولوجية، وفي حين أبلغ هانينغ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في ذلك الوقت أنه "لا يمكن تأكيد" المعلومات، لكنها في نهاية المطاف وصلت إلى بوش. 

ويعود هانينغ للظهور مجدداً بعدما أُلقي القبض عليه أمس الثلاثاء، للاشتباه في تورطه في التجسس ومحاولة الخيانة، في قضية قد تمثل واحدة من أكبر الاختراقات الاستخباراتية في تاريخ ألمانيا، منذ انتهاء الحرب الباردة، ويُعتقد أن هانينغ دفع أموالاً لشخص آخر يدعى مانفريد.د، شغل مناصب رفيعة داخل جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، لتزويده بنحو 2000 وثيقة، كثير منها مصنفة سرياً، على مدى 12 عاماً، حتى عام 2022، وفقاً للنيابة العامة الاتحادية الألمانية.

ومانفريد.د الذي كان يشغل سابقاً منصب مدير مكتب هانينغ، أصبح لاحقاً مديراً لمكاتب عدد من رؤساء جهاز الاستخبارات الألماني اللاحقين، خلال الفترة من مارس (آذار) 2012 وحتى مارس 2026.

وبحسب الادعاء الألماني، يُشتبه في أن هانينغ الذي تولى رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية بين عامي 1998 و2005، استخدم المعلومات لتحقيق مكاسب مالية في عمله الاستشاري الخاص، وتتمثل أخطر الاتهامات في أن هانينغ ربما كان داخلاً "في تبادل مكثف" للمعلومات مع عضو في جهاز استخبارات أجنبي آخر، على مدى أعوام عدة، وقدّم له معلومات سرية استند بعضها إلى مواد حصل عليها من مانفريد.د، وقالت النيابة العامة في بيانها إن "المتهم هانينغ مشتبه فيه بقوة في ارتكاب أعمال تجسس ترقى إلى الخيانة".

أكبر كارثة تجسس منذ عام 1974

وفيما لم يُعرف البلد المعني، تقول "هيئة الإذاعة الألمانية" (دويتشه فيله) إن تقارير أفادت بأنه ليس روسيا، بينما أفاد موقع "بوليتيكو" الأميركي أن مسؤولاً في جهاز استخبارات ألماني، اشترط عدم الكشف عن هويته، قال إن أياً من جهازي الاستخبارات الروسي أو الصيني لم يكونا متورطين في أي من الحالين.

غير أن تقارير أخرى تشير إلى أن أذربيجان تتصدر قائمة عملاء هانينغ، لكن من المرجح وجود مشترين آخرين، مما قد يجعل القضية أكبر كارثة تجسس تشهدها ألمانيا منذ عام 1974، عندما كُشف أن مساعداً رفيع المستوى للمستشار الألماني الغربي السابق، فيلي برانت، كان جاسوساً لألمانيا الشرقية.

ويشير المحققون إلى تحليل يُقال إن هانينغ أعده لمصلحة موظف في جهاز استخبارات أجنبي آخر، غير أنه ليس من المؤكد ما إذا كان هذا التحليل قد وصل بالفعل إلى ذلك الشخص، وكانت المعلومات المصنفة تتعلق أيضاً بالاجتماعات الدورية التي يعقدها رؤساء أجهزة الأمن الألمانية في مكتب المستشار الألماني، وشملت المواضيع، من بين أمور أخرى، البرنامج النووي الإيراني وتحليلات للقوات المسلحة الروسية.

السقوط بالصدفة

قصة القبض على هانينغ لا تقل غرابة عن تلك الجرائم المتورط فيها، فبعد تقاعده أسّس شركة استشارات أمنية، وكوّن قائمة عملاء متنوعة، من بنوك في دول البلطيق إلى أثرياء روس، وظهر أغرب عملاء هانينغ في قضية حضانة حظيت بتغطية واسعة، تنظرها محكمة في هامبورغ منذ يوليو (تموز) 2025، وتتعلق بوريثة ثروة سلسلة مطاعم "بلوك هاوس"، كريستينا بلوك، والمتهمة باستئجار عملاء إسرائيليين سابقين لخطف اثنين من أطفالها، كانا يعيشان مع والدهما المنفصل عنها في الدنمارك، وإعادتهما لألمانيا.

وورد اسم هانينغ في المحكمة كونه الشخص الذي يُزعم أنه ساعدها في العثور على هؤلاء العملاء، وبناء على هذه المزاعم، دهمت شرطة الجرائم في هامبورغ منزل هانينغ قبل عام، وعثرت خلال عملية التفتيش على قرص صلب يحوي 2000 وثيقة مصنفة، من بينها تقارير سرية للغاية من جهاز الاستخبارات الخارجية الألمان، مخصصة للاطلاع الحصري من جانب المستشار الألماني.

وبعد أن شعر أحد مسؤولي الأجهزة الأمنية في هامبورغ بالقلق مما شاهده، قرر خداع هانينغ منتحلاً شخصية شرطي سابق ساخط، وتقدم للعمل لدى شركة "هانينغ" الاستشارية، وبمجرد دخوله الشركة تمكّن، بحسب التقارير، من الوصول الكامل إلى مخزون المعلومات الذي يحتفظ به هانينغ، وقائمة عملائه، واستنادا إلى هذه المعلومات دهمت الشرطة منزل هانينغ الأسبوع الجاري.

تاريخ من الاختراق

تشكّل هذه الاتهامات إحراجاً كبيراً لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، الذي تحيط به الفضائح منذ أعوام، إذ إن لديه تاريخاً من الاختراق من جانب أجهزة استخبارات أجنبية أخرى، مما دفع أجهزة استخبارات غربية، في بعض الأحيان، إلى التردد في مشاركة معلومات حساسة معه، وفي عام 2022 ألقت السلطات القبض على كارستن.إل، الرئيس السابق لأحد أقسام جهاز الاستخبارات الألماني، للاشتباه في تجسسه لمصلحة روسيا، ولا يزال ينفي هذه الاتهامات ضمن قضية لا تزال منظورة أمام القضاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ستينيات القرن الماضي، كان هاينتس فيلفه يترأس قسم "مكافحة التجسس: الاتحاد السوفياتي"، في وقت كان يعمل سراً لمصلحة "جهاز الاستخبارات السوفياتي" (كيه جي بي)، وفي عام 1990 كُشف أن كلاوس كورون، وهو مسؤول رفيع في جهاز مكافحة التجسس في ألمانيا الغربية، كان جاسوساً لمصلحة جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية، ودين لاحقاً بالخيانة، ثم في عام 2014، كُشف أن موظفاً في جهاز الاستخبارات الخارجية كان يتجسس لمصلحة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

تداعيات خطرة

يتحدث مراقبون عن تداعيات داخلية، وعلى مستوى غربي واسع، لفضيحة مسؤول استخباراتي رفيع لدولة أوروبية كبرى، فالقبض على الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الألمانية الخارجية ومعاونه، تسبب في صدمة واسعة داخل أوساط شبكات الاستخبارات الغربية، ووُصفت بأنها مكسب كبير لجهات أجنبية، فضلاً عن كونها تمثل إحراجاً محتملاً لتلك الأجهزة، في وقت تواجه تحديات أمنية غير مسبوقة، وتقول وسائل الإعلام الألمانية إن الفضيحة تمثل تهديداً للأمن القومي للبلاد، فمصدر القلق الأكبر، وفقاً لمراقبين تحدثوا إلى الإذاعة الألمانية، يكمن في الاستنتاجات التي قد تخلص إليها أجهزة استخبارات الدول الحليفة جراء هذه القضية، فمن المعروف أن "وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية" (سي آي إيه)كانت تشارك في الماضي معلومات حول الإسلاميين المتشددين في ألمانيا، مما ساعد، على الأرجح، في الحيلولة دون وقوع هجمات إرهابية داخل البلاد، وإذا تبيّن الآن أن المعلومات كانت تتسرب من "جهاز الاستخبارات الألماني" (بي إن دي) عبر هانينغ، فقد تتعرض تلك العلاقة للتقويض، ولا سيما إذا انتهى المطاف بتلك المعلومات في أيدي أجهزة استخبارات روسيا والصين، على رغم عدم وجود أية مؤشرات على ذلك حتى الآن. 

وقال المراسل في "هيئة البث العام الألمانية" (إيه أر دي)، فلوريان فلاده، إن "ثمة أضراراً جسيمة تلحق بالمظهر الخارجي وصورة جهاز الاستخبارات الألماني، ويجري حالياً أيضاً تقييم لحجم الضرر داخل الجهاز، وهم يجرون محادثات مع الشركاء حول هذا الأمر، لرغبتهم في معرفة ما إذا كانت معلوماتهم قد نُقلت إلى دول أخرى".

وقد تكون لهذه القضية تداعيات محتملة على الأمن القومي الألماني، في ظل المواجهة المتصاعدة مع روسيا، إذ يرى "جهاز الاستخبارات الألماني" أن علاقته بنظيره الأميركي حيوية، ويقول فلادي "قد يطرأ تغيير على حجم المعلومات الواردة من الولايات المتحدة وأطراف أخرى"، مشيراً إلى أنه قد يكون من الصعب على الجهاز الألماني معرفة المعلومات التي يجري حجبها عنه.

مخاوف من كشف هوية عملاء أميركيين وبريطانيين

وقال رئيس اللجنة البرلمانية المعنية بالرقابة على وكالات الاستخبارات، إن الخرق الأمني أحدث صدمة في أوساط مجتمع الاستخبارات، سواء على الصعيد الألماني أو الدولي، مشيراً إلى ضرورة أن تبادر ألمانيا بالتواصل مع أجهزة استخبارات الدول الحليفة التي ربما تكون قد فقدت ثقتها في جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، عقب الكشف عن فضيحة التجسس، وذكرت وسائل إعلام بريطانية أن الأمر أثار مخاوف من إمكان تحديد هوية مصادر أميركية وبريطانية، سواء كانوا عملاء أو مخبرين، ويُعتقد الآن أن "إم أي 6" ومركز الاتصالات الحكومية البريطانية، وكثيراً من الوكالات الأميركية، تُجري مراجعة داخلية منهجية لجميع المعلومات السرية التي جرى تبادلها مع الحلفاء الأوروبيين خلال الفترة المعنية.

حظر عمل المسؤولين في أعمال استشارية

غير أن الفضيحة ربما تدفع ألمانيا وغيرها من الدول الغربية نحو فرض قيود على المسؤولين السابقين، بخاصة أولئك الذين خدموا في أجهزة الاستخبارات، وقد دعا كثير من السياسيين الألمان إلى فرض قواعد أكثر صرامة، تحظر على المسؤولين السابقين، ممن كانوا يتمتعون بتصاريح أمنية، الدخول في أعمال استشارية خاصة بعد ترك مناصبهم، فنائب رئيس اللجنة البرلمانية الألمانية المشرفة على أجهزة الاستخبارات، كونستانتين فون نوتس، دعا إلى مزيد من التدقيق في أنشطة جماعات الضغط التي يمارسها المسؤولون السابقون، وكبار المسؤولين الذين يحملون أعلى درجات التصريح الأمني، قائلاً إنه "من الواضح أن هذه الأنشطة تمثل أيضاً بوابة يمكن لأجهزة الاستخبارات المعادية أن تنفذ من خلالها"، ومضيفاً أن "على الحكومة الاتحادية وضع حد فوري لهذه الممارسات غير المشروعة".

وذكر تيمو لانغه، من منظمة "لوبي كونترول" غير الحكومية، للإذاعة الألمانية أن قضية هانينغ تُظهر السبب الذي يوجب منع مسؤولي الاستخبارات السابقين من العمل كمستشارين أمنيين، بأية صفة كانت ولبقية حياتهم، مشيراً إلى "إشكال جوهري عندما يعمل مسؤولون رفيعو المستوى في قطاعي الاستخبارات أو الجيش، بعد تركهم الخدمة الحكومية، كمستشارين لجهات متنوعة". 

أما على الصعيد الداخلي، فتأتي الفضيحة في وقت تعمل الحكومة الألمانية على إصلاحات تهدف إلى منح أجهزة الاستخبارات صلاحيات أوسع لاتخاذ تدابير، مثل التصدي لأعمال التخريب، ومحاولات القرصنة الإلكترونية، استجابة للتهديدات المتزايدة من قوى مثل روسيا والجماعات المتطرفة، وفي أغسطس (آب) الماضي، وافق مجلس الوزراء الألماني على مشروع قانون يهدف إلى تعزيز جهاز الاستخبارات الخارجية، والمكتب الاتحادي لحماية الدستور، وتقليل اعتماد ألمانيا على المعلومات الاستخباراتية الواردة من حلفائها، لكن مراقبين يتوقعون أن تعطل الفضيحة هذه الخطط.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير