ملخص
إن تاريخ الحركة الطلابية في الجزائر يبيّن لنا بأن الطالب الذي عرفته الجامعة الجزائرية في السبعينات والثمانينات، كان أكبر من "فكرة العرض والطلب"، كان أكبر من "ساعد في شركة"، كان عقلاً شاملاً جامعياً بالمفهوم الفلسفي للجامعي.
وداعاً للحرم الجامعي، فحين أتأمل حال الجامعة الجزائرية اليوم، وأحاول أن أقرأ تلك الخطة المرسومة لها، بحسب ما تفصح عنه بعض الخطابات المتحمسة من المسؤولين السياسيين والتقنويين، أشعر وكأن هذه المؤسسة التي كانت يطلق عليها في زمن مضى "الحرم الجامعي" أصبحت اليوم عبارة عن "وكالة تشغيل الشباب" أو "مركز للتكوين المهني"، مع احترامي لكل من هاتين المؤسستين.
لقد صغر شأن الجامعة وخبا أثرها في المجتمع في الوقت الذي كبر فيه عددها إذ جرى إنشاء جامعة في كل مدينة تقريباً، بل وفي بعض المدن هناك أكثر من جامعة واحدة، وهذا شيء إيجابي جداً، وأصبح لدينا أزيد من مليون ونصف مليون طالب، لكن في الوقت الذي نبحث فيه عن مفهوم الطالب الحقيقي الفعال، فإننا لن نجد كمشة صغيرة من هذا العدد الهائل.
في ضوء هذه السياسة المنتهجة التي حولت الجامعة إلى وكالة لتشغيل الشباب أو مركز للتكوين المهني، تجرى محاصرة الطالب محاصرة شديدة منذ دخوله هذا الفضاء، من خلال مصفوفة من الأفكار التي تسعى لأن تصنع منه شخصاً همه الأساس وسعادته هو أن يصبح برغياً متناغماً مع آلة في مشروع صغير بلا أفق أو بلا رؤية جامعية شاملة، كما يقتضيها التكوين الجامعي، أو في أحسن الأحوال رقماً في شركة همها أن تراكم رأسمالها الوطني أو ذلك العابر للقارات.
في ظل هذه الرؤية المرتبكة التي ترى في الجامعة وكالة لتشغيل الشباب أو مركزاً للتكوين المهني يفرغ عقل الطالب من كل حس نقدي الذي يجعله قادراً على قراءة محيطه السياسي والاجتماعي والثقافي، كمواطن شريك في بناء الأمة لا في بناء شركة مصغرة.
وإلى عهد قريب كانت "الوكالة الوطنية لتشغيل الشباب" في الجزائر هي الجهة التي تتولى أمر مرافقة الشباب الباحث عن الإسهام في خلق نشاط اقتصادي أو تجاري أو ثقافي، جامعياً كان أم غير جامعي، فهي من توجه الشباب في البحث عن مشاريع وتمولها بقروض مبسطة وميسرة، بحسب حاجات البلد، وبحسب ما هو ناقص في السوق أو غير متوافر، أما أن تتحول الجامعة إلى وكالة لتشغيل الشباب، أو إلى مركز للتكوين المهني، فإنها في ذلك تمارس نوعاً من مسخ مفهوم "الطالب"، إذ تجعله يعيش محاصراً بفكرة العرض والطلب، ومحاصراً بحلم الدينار قبل الأفكار.
إن تاريخ الحركة الطلابية في الجزائر يبيّن لنا بأن الطالب الذي عرفته الجامعة الجزائرية خلال السبعينيات والثمانينيات، كان أكبر من "فكرة العرض والطلب"، وكان أكبر من "ساعد في شركة"، كان عقلاً شاملاً جامعياً بالمفهوم الفلسفي للجامعي.
كان الطالب في الطب، كما في الأدب، كما في الحقوق أو الرياضيات داخلاً في بناء تصور للوطن لا تصور لمشروع "شركة" مصغرة، وكانت الجامعة فضاء لترقية الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي، داخل الجامعة وخارجها، وانطلاقاً من ذلك، كان الطالب بعض النظر عن تخصصه، علمياً كان أم أدبياً، هو من يضع صورة لجزائر الغد.
جميع المعارك السياسية والاقتصادية والزراعية والصحية والثقافية، شارك فيه طالب جيل جامعة الستينيات والسبعينيات، من دون أن يتنازل عن تكوينه العلمي الجامعي، ومن هذا الجيل تخرج معظم هؤلاء العلماء الجزائريون الذين نشاهدهم اليوم في جامعات ومخابر البحوث ومراكز البحث عبر العالم، والذين جمعهم السيد الرئيس عبدالمجيد تبون في هيئة تسمى "المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج".
واليوم، وتبعاً للرؤية التي تسير عليها السلطة القائمة على الجامعة، والتي من خلالها تراهن على ربح "مشاريع اقتصادية" غير مضمونة، وتوفير يد عاملة أكثر من سعيها إلى صناعة مواطن متعلم، قادر على الإسهام في التغيير بمفهومه التاريخي الشامل.
لن يكتب النجاح لأية تجربة تنموية، مهما كانت اقتصادية أو تكنولوجية أو ثقافية في غياب جامعة بطالب نقدي ذي رؤية شاملة وعالمية، مهما كان تخصصه في العلوم الدقيقة أو التكنولوجيا أو الرياضيات أو العلوم الإنسانية أو الموسيقى، طالب يقرأ جيداً ما في محيطه بعقل ونقد على كل الجبهات السياسية والاقتصادية والثقافية، ويسهم في تغييره.
أكبر عدوين للجامعة هما "البروباغاندا السياسية" و"البروباغاندا العلمية"، ففي الحال الأولى يجرى تغريق الطالب والأستاذ في خطابات سياسية أيديولوجية، ترهن نفسها لنظام سياسي معين وموسمي، وفي الثانية ترهن نفسها لتقنوية جافة وقاتلة، لا تصمد أمام تغير أحوال التاريخ والمجتمع.
في الجامعة المعاصرة لا سلطة إلا سلطة المعرفة العابرة للقارات، بهذا المفهوم، فالجامعة الجزائرية يجب ألا تختلف عن الجامعات في أميركا واليابان وألمانيا وكندا وبريطانيا، وغيرها من الدول التي لها تقاليد جامعية عريقة.
هذه التقنوية التي غرقت فيها الجامعة باسم الرقمنة تارة وباسم "صفر ورق"، والتي حولت الطالب إلى لولب في آلة، أو جزء من برنامج في حاسوب، وصل مرضها إلى الأساتذة الجامعيين من الجيل الجديد الذين أصبح همهم الأول هو الترقية بكل الوسائل وفي أقرب الآجال، وما في ذلك شك، فالترقية حق لا يناقش فيه أحد، لكن أن تصبح هاجساً مرضياً فهذا مؤشر على اغتيال مفهوم الأستاذ الجامعي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وللتغطية على عطب الجامعة، ومحاولة إعطائها صورة حداثية في عيون السلطة السياسية، يجرى العمل على تعميم خطابات عن "الرقمنة"، هذا المصطلح الذي غزا الخطابات الجامعية كلها، وكأن "الرقمنة" هي عصى موسى الذي سيفتح البحر لتمر القافلة نحو شاطئ النجاة.
إننا لا نزال نعيش بعقلية "الورقنة"، فكيف لنا الحديث عن "الرقمنة"؟ إن للرقمنة شروطها في المحيط التكنولوجي والثقافي العام الذي لا ينفصل عن الجامعة ولا تنفصل عنه، من قوة تدفق الإنترنيت وتعميمه، إلى التجهيزات المتناغمة مع القراءة الإلكترونية.
ليس هناك من حديث في الجامعة إلا الحديث عن المشاريع الصغيرة و"السطارطوب" (شركة ناشئة) وغيرها، تلك التي كنا نجدها في المشاريع المقدمة للوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب سابقاً، والتي تحولت إلى الوكالة الوطنية لدعم وتنمية المقاولاتية، ومشاريع في كل شيء وفي اللاشيء، في النقل وصناعة الحلويات والمسرح ومزارع تفريخ الدجاج وصناعة الرخام والميكانيكا والمخابز، حتى لتبدو الجامعة وكأنها سوق الجملة للخضراوات والفواكه.
إن هوس غرس فكرة الربح والتشغيل في أسرع الآجال، وبكل الطرق في أذهان طلاب هذا الجيل الجديد هو القبر الحقيقي للجامعة الجزائرية، وهو الطريق إلى تفريغها من بعدها الإنساني العالمي الذي وجدت لأجله والمتمثل في إنتاج العلماء، أي النخب التي تفكر، والتي تحلل الاقتصاد والاجتماع والصحة والفلسفة والجمال والثقافة، وترسم للبلد إستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى، بعيداً من الحس الاستهلاكي اللاهث.