ملخص
المعايير والاشتراطات التي تقبل على أساسها الطالبات في المدن الجامعية، وهي السكن المخصص للفتيات المغتربات، أصبحت مثار جدل بعد الكشف عن أحدها أخيراً، وهو عدم قبول طالبة متزوجة حتى لو كان منزلها يبعد جغرافياً ساعات طويلة من الجامعة، فما هي رحلة الفتيات بالتحديد للسكن في تلك المدن، بخاصة في ظل تعديل لوائح القبول أخيراً؟
حاولت نيرمين، طالبة الفرقة الأولى بكلية طب جامعة الأزهر، أن تتمالك دموعها وهي تحكي عن رحلتها اليومية للمحاضرات، إذ كانت تتصور أنها ستسعد بتفوقها الدراسي وتحقيق حلمها بأول خطوة في مشوار الانضمام للكادر الطبي في مصر، لكن على ما يبدو أن مشوارها اليومي من أطراف القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية حتى مدينة نصر قد امتص كثيراً من الأمل، بل تحول إلى دموع، فالفتاة التي بالكاد أكملت عامها الـ18 مطلوب منها أن تقضي ساعتين ونصف في الأقل في المواصلات في مشوار الذهاب ومثلها في رحلة العودة كي لا تفوتها الدروس، وكذلك أن تتمكن من أداء المهمات المطلوبة، وأن تسلمها بانتظام وأن تذاكر وتراجع، بينما هي تعود بالكاد تتمكن من تناول الطعام ثم تجد نفسها وقد غافلها النوم من دون أن تشعر جراء الساعات الطويلة التي قضتها في إجهاد مستمر.
وفقاً للوائح المعلنة فإن نيرمين تقع على رأس الفئة الأكثر استحقاقاً للسكن الجامعي في تلك الحالة، إذ إن قريتها نائية وإن كانت تقع في القاهرة الكبرى، لكنها مستحقة للسكن نظراً إلى أنها مقيدة بكلية عملية، وتقع مباني الطالبات في محيط الكلية نفسه أو تبعد منها مسافة بسيطة، ولهذا هي اختيار أول مثالي، لكن على رغم أنها تقدمت بأوراقها وقامت بالحجز الإلكتروني فإنها لا تدري سبب التأخير، وهي حتى الآن تنتظر وتتحمل على رغم المصاعب.
السكن الجامعي في مصر للفتيات على وجه التحديد يكون اضطرارياً ولا بديل لهن عنه، بخاصة أنه من المستحيل عملياً أن ينتظمن في الدراسة والتحصيل في ظل سفرهن اليومي ساعات طويلة، لكن اللوائح والشروط تكون أبطأ من تصوراتهن في غالبية الأوقات، وإذا كانت التصريحات المنسوبة إلى أكثر من مسؤول بجامعة أسوان المتعلقة بأن الفتيات المتزوجات ليس من حقهن فرصة السكن في المدينة الرسمية لطالبات الجامعة، لا تزال مزعجة لبعضهم، فإن الواقع يقول إنه شرط معمول به من عشرات السنين، ويطبق على الجنسين، مثله مثل شروط كثيرة يطالب التلاميذ والأهالي بتعديلها وكذلك خبراء التعليم.
أحلام ودموع واغتراب
من ضمن الشروط التي تضعها جامعة الأزهر على سبيل المثال على موقعها الرسمي أن تكون الطالبة عزباء، وأن يكون محل إقامتها المدون في بطاقة الهوية خارج نطاق القاهرة الكبرى، وكذلك أن يجري استيفاء تنسيق المدينة الجامعية المقرر له وفق القواعد المعتمدة، إذ يخضع السكن لضوابط ومعايير مستقلة وعوامل مختلفة عن تنسيق قبول الكلية، وبينها المجموع والتقدير والشعبة في بعض الأوقات، لكن الأمر بالطبع لا يسير بتلك السهولة.
قصص بيوت الطالبات الجامعيات لا تتعلق فقط بالبهجة وتبادل الخبرات والأمسيات المسلية، إنما هناك شجون تضغط على الفتيات بسبب تضييق معايير القبول. تحكي آية القادمة من المستقبل بالنسبة إلى حالة نيرمين، أنها استوفت ظاهرياً كل الشروط العام الماضي، إذ إنها كانت محافظة أسيوط (جنوب مصر) وقبلت في كلية العلوم جامعة الأزهر بالقاهرة واستوفت جميع الشروط، لكن المفاجأة أن قرار التسكين الجامعي لها بمدينة الطالبات جامعة الأزهر، لم يأتها إلا في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، أي بعد نحو ثلاثة أشهر من بدء الدراسة، وبعد أن تأثرت نفسيتها وقوتها البدنية بشدة، إذ اضطرت للسكن بعض الوقت بإحدى البنايات التي تقع على بعد نصف ساعة بالسيارة من الكلية، التي كانت غير مؤمنة بما يكفي، والمالك كان يزيد عليها مع زميلاتها الإيجار كل شهر من دون سبب، إضافة إلى اضطرارهن إلى شراء كل شيء حتى غلاية المياه، نظراً إلى أن المكان لم يكن مجهزاً، لكن المفاجأة أن الشقة كان يسكن بها 10 طالبات، وهي أجواء تراها آية مزعجة لطالبة تريد التركيز، ولديها قلق من صعوبة مواد الكلية العلمية.
تقول الطالبة المصرية "بعد أن أبلغت بقبولي توقعت أنني تلقائياً سأقبل في السكن المميز، نظراً إلى أن شروط المجموع الكبير تنطبق علي، لكن الصدمة أنني سكنت في غرفة بها ستة أسرة، وأبلغت أنني سأقبل في السكن المميز وهو أغلى ثمناً بدءاً من العام التالي فقط إذا حصلت على تقدير جيد في الأقل، وأخيراً حصلت على التقدير وتسلمت الغرفة بعد معاناة طويلة، الحقيقة أن هناك استثناءات تطبق أيضاً على المريضات وذوي الاحتياجات الخاصة".
هذه الرحلة بها تفاصيل لم تكن مكتوبة، حيث فكرة السكن المميز تبدو ظاهرياً ووفقاً للشروط المعلنة متاحة لمن يدفع أكثر ولديه ميزة في المجموع، لكنه قد لا يحصل عليها أبداً إذا لم تتمكن الطالبة من إثبات جدارتها على الدوام بالتقديرات الجامعية، وعليها أن تقضي سنتها الأولى كيفما اتفق، فيما الجامعة لا تتحمل شيئاً.
البحث عن حلول آمنة
من الطبيعي أن تحاول الجامعات فلترة المتقدمات بسبب زيادة الأعداد عاماً بعد عام، في مقابل ثبات الوحدات القابلة للسكن، لكن في المقابل فإنها تتركهم لبدائل غير آمنة، لا سيما الطالبات المغتربات منهن والقادمات من محافظات تبعد ساعات طويلة قد تصل إلى سبعة.
يرى الدكتور مجدي حمزة، الخبير التربوي والتعليمي، أنه لا توجد أية مراعاة من الجامعات للمستحقين للسكن الجامعي، موضحاً "الشروط الجوفاء المتعلقة بالنطاق الجغرافي على سبيل المثال، تظلم كثيرات، فقد تكون هناك فتاة تسكن في محافظة الجيزة، لكن في منطقة نائية تماماً، ولهذا هي قانوناً غير مستحقة للسكن الجامعي في جامعة القاهرة التي تقع في محافظة الجيزة، بحجة أن الأولوية لمن يسكنون خارج المحافظة، فعلى الفتاة أن تبحث عن سكن خاص قد لا يكون آمناً إطلاقاً في هذه السن الحرجة، وفي منطقة لا تعرف بها شيئاً، وقد تتعرض فيها لمضايقات، أو أن تهمل محاضرات وتتخلف عن حضور غالب الدروس، من دون خدمات تغذية أو طوارئ طبية مع دفع مبالغ مالية أكبر، لمجرد أن المدن الجامعية لا تستوعب، فلا يكون الحل أمام المسؤولين عنها إلا الضغط بمزيد من الشروط لتضييق نطاق الاختيار بدلاً من البحث عن حلول بديلة".
ويرى حمزة أنه من بين الحلول البديلة الغائبة هو اللجوء لسكن مدن الشباب المنتشرة في المحافظات على سبيل المثال، أو السكن المدعم من الدولة، لكنه غير مأهول، أو حتى الوحدات التابعة لوزارة التضامن ولا تزال فارغة، ويشدد حمزة أن التعنت يفتح أبواباً خلفية للفساد وللوساطة للفوز بسرير في غرفة تحت إدارة الجامعة، مشيراً إلى أن غالبية المتفوقين والمتفوقات من المغتربين كانوا يعيشون بالسكن الجامعي الرسمي، الذي يتمتع بتفاوت كبير أيضاً، مضيفاً "الأبنية المميزة عادة ومنذ عقود تكون محجوزة لفئة المتفوقين، وتكون مزودة بخدمات أفضل في ما يتعلق بالمطبخ ودورات المياه والسخانات والثلاجات، لكن حتى السكن الأقل تميزاً أو الاقتصادي يظل خياراً جيداً للغاية مقارنة بالشقق الخاصة".
شروط على الورق وأخرى في الواقع
كان الوضع أفضل حالاً بعض الشيء مع نورا التي تدرس في كلية التربية بالفرقة الثانية بجامعة العاصمة، إذ تأخر حصولها على السكن الجامعي في الفرقة الأولى بعض الشيء كونها مستجدة، لأن الأولوية تكون للطلاب في الفرق الثانية وما بعدها، فقد كانت المعضلة هي أنها تصاب بحالة إعياء شديدة، بسبب ركوب الحافلات من بلدتها في محافظة الشرقية.
تقول نورا "بالطبع وقعت على إقرار عدم الزواج خلال التقديم، وأنا أعاني كثيراً في الدراسة كي أحصل على امتياز لأحافظ على فرصتي في السكن، وذلك على رغم أنهم أبلغونا في البداية أنه يكفي التقدير الجيد، لكن بالواقع العلمي فإن شرط الامتياز يضمن الفرص في وحدة سكنية أفضل، كما لدي زميلات حرمن من الفرصة بسبب عقوبات تأديبية أعتبرها بسيطة للغاية، ولكن الأمر يبدو وكأن إدارة المدينة تبحث عن أي سبب لتطبيق اللوائح بقسوة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
السكن المميز التابع للجامعة يتجاوز شهرياً الألف جنيه شهرياً (25 دولاراً)، ويصل بالنسبة إلى الوافدات والجامعة الأهلية إلى 6 آلاف جنيه (120 دولاراً)، وتكون الغرفة محكومة بطالبتين فقط، إضافة إلى وجود ثلاجة صغيرة ومستلزمات مطبخ لتجهيز الوجبات السريعة، تشرح نورا "هناك أنظمة متعددة على سبيل المثال يمكن ألا يتجاوز الاشتراك الشهري ما يعادل تسعة دولارات، إذا اكتفت الطالبة بالسكن العادي، إذ لا توجد خصوصية من أي نوع، مع طالبات قد يصلن إلى ثمان في الغرفة الواحدة، ومن دون الوجبات الثلاث إذ يمكنها أن تعتمد على نفسها في شراء الأكل، وغير مسموح لها بالاستفادة من مطعم المدينة، وهناك معاناة في إدخال أجهزة مثل مكواة الملابس، كما أن المكواة الموجودة للاستعمال يكون عليها ضغط كبير ومن الصعب الوصول إليها، وكذلك غلاية المياه ممنوعة، وعلى رغم وجود دورات مياه ولكنها ليست مجهزة كما ينبغي سواء في المياه الساخنة، أو تكون ذات أبواب تالفة، ولهذا فهي غير صالحة للاستحمام، وكل تلك المشكلات تختفي تماماً إذا دفعنا اشتراكاً أعلى".
لماذا تضيق المعايير؟
تتحدث إحدى الموظفات بالمدينة الجامعية لجامعة العاصمة بتأكيد أنها تحاول المساعدة بشتى الطرق، لكن الضغط أصبح كبيراً جداً على السكن الجامعي في البنايات التي بالكاد تتسع لألفي طالبة، لا سيما من الطالبات المصريات وغير المصريات أو الوافدات، في جامعتي العاصمة وحلوان الأهلية التي تقع على محطتين تقريباً من المدينة الجامعية، وتتابع: "يتاح للوافدات التقديم على السكن الجامعي لدينا، لكن اشتراكهن الشهري يفوق ما تدفعه الطالبة العادية بستة أضعاف أو أكثر، وبسبب زيادات أعداد المتقدمات كل عام فإن الشروط تتصعب أصعب وأصعب، لا سيما في ما يتعلق بالتقدير الذي يجب أن يكون جيد جداً في الأقل".
بمتابعة المواقع الرسمية للجامعات الحكومية فكثير منها يكتفي بإيضاح شروط التقدم للسكن الجامعي المعتادة، مثل شهادة النجاح والانتظام في الجامعة والمحيط الجغرافي، وسلامة صحيفة الحالة الجنائية والاختبارات الطبية، والالتزام بمواعيد الخروج والدخول، إذ غير مسموح بالتأخير بعد العاشرة مساء، بينما يتجاهلون شروطاً أخرى وأبرزها بند عدم الزواج، فتتفاجأ كثيراً خلال رحلة التقديم بهذا البند، لا سيما أن حالات الزواج خلال الدراسة أو حتى الطلاق أمر ليس مستحيلاً بالنسبة إلى الفتيات المصريات، بل هناك حالات متعددة في كل دفعة تقريباً.
كانت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قد احتفت العام الماضي بوصول عدد الجامعات في مصر إلى 116 جامعة مقارنة بـ50 فقط عام 2014، فيما يصل عدد الطلاب المقيدين بالجامعات الحكومية والأهلية والخاصة إلى نحو 4 ملايين تقريباً. لكن على مستوى عدد وحدات المدن الجامعية فلا توجد إحصاءات شاملة، ومن أكثر الأرقام توثيقاً هنا ما أعلنته جامعة القاهرة قبل عامين إلى أن وحداتها التسكينية تستوعب 14 ألف طالب وطالبة، فيما نجحت إدارة جامعة الأزهر في زيادة أعداد استيعاب الطلبة في مدنها الجامعية بنسبة 30 في المئة بعد الشكاوى والأزمات التي وقعت العام الماضي، بخاصة بين الفتيات اللاتي يضطررن إلى السفر طويلاً وراء أحلامهن بالالتحاق بكليات معينة لا تتوافر في محيطهن، إذ إن المقر الرئيس للجامعة بالقاهرة، إضافة إلى فروع إقليمية أخرى لا تتوافر بها جميع الكليات، ولهذا لا مفر من الاغتراب الذي يكون عبئاً على العائلة وعلى الفتيات الباحثات عن مساحة آمنة.
يشدد المحاضر والخبير التربوي الدكتور مجدي حمزة أن شروط الاغتراب، وفقاً للوائح، لا تنطبق إجرائياً على كثيرات، لكن عملياً وواقعياً ووفقاً لأزمات المواصلات، فيجب ضم مئات بل آلاف لها، فالحدود الإدارية يمكن أن تحرم طالبة تستغرق ثلاث وأربع ساعات في المواصلات من السكن الجامعي، لمجرد أن محيطها الجغرافي يصنف على أنه في المحافظة نفسها، بينما في الحقيقة هي تسكن بمكان بعيد كل البعد، ويتابع "ينبغي إعادة النظر في تلك الشروط المجحفة، وينبغي محاولة إزالة العوائق عن كاهل الأهالي الذين يريدون الاطمئنان على بناتهن بألا يعودوا من الجامعة في وقت متأخر، في ظل تلك الظروف ومشكلات المواصلات العامة، فهذه هي الأولوية وليس تطبيق معايير صماء لا تمت لواقع الحياة بصلة".