ملخص
تتضمن خيارات الموازنة البريطانية القادمة زيادة الضرائب على البنوك وأرباح رأس المال والعقارات الفاخرة، إلى جانب تأجيل زيادات ضريبة الوقود وإعادة النظر في بعض قواعد ضريبة الميراث وخفض نمو الإنفاق الحكومي.
يواجه وزير الخزانة البريطاني جون هيلي خلفية اقتصادية صعبة عندما يقدم موازنة الحكومة البريطانية في الـ28 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، في وقت وصلت فيه كلفة الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ 30 عاماً، وارتفع التضخم بفعل الحرب في إيران، وصعدت أسعار الوقود إلى مستويات قياسية، فيما يتجه الإنفاق السنوي على فوائد الدين إلى تجاوز 100 مليار جنيه استرليني (132 مليار دولار).
وتركزت التكهنات التي سبقت الموازنة على حجم التراجع في "الهامش المالي" المتاح للحكومة، أي المساحة التي يمكن أن تتحرك ضمنها قبل مخالفة قواعدها الخاصة بالإنفاق والاقتراض.
ويبدو أن هذا الهامش تقلص بما لا يقل عن 10 مليارات جنيه استرليني (13.2 مليار دولار)، مقارنة بنحو 24 مليار جنيه استرليني (31.7 مليار دولار) كانت متاحة في بيان الربيع في مارس (آذار) الماضي.
وبموجب القواعد المالية، يتعين على وزير الخزانة ضمان تمويل جميع النفقات اليومية للحكومة من الإيرادات الضريبية بعد ثلاثة أعوام. وهذا يضع هيلي أمام مهمة صعبة، تتمثل في إعادة بناء الهامش المالي من دون خنق النمو الاقتصادي من خلال زيادات ضريبية غير فعالة، وفي الوقت نفسه تجنب إثارة قلق أسواق السندات الحكومية العالمية المتوترة بالفعل.
الضرائب على البنوك
من بين الخيارات المطروحة زيادة الضرائب على البنوك البريطانية، التي تخضع منذ نحو 15 عاماً لمستويات ضريبية أعلى من معظم قطاعات الاقتصاد الخاص.
وجاء هذا النهج جزئياً باعتباره عقوبة على القطاع المصرفي لدوره في الأزمة المالية العالمية عام 2008، لكن الأرباح القوية التي حققتها البنوك خلال الأعوام الأخيرة أعادت النقاش حول ما إذا كان بإمكان الخزانة الحصول على إيرادات إضافية منها.
ودعت منظمات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحزب "العمال"، ومنها "مؤتمر النقابات العمالية"، وزير الخزانة إلى رفع إحدى الضريبتين المفروضتين على البنوك أو كلتيهما، في وقت ارتفعت فيه أرباح القطاع بصورة كبيرة بفضل الزيادة المطردة في أسعار الفائدة منذ عام 2021.
لكن وزير الخزانة المحافظ السابق جيريمي هانت حذر من هذه الخطوة، قائلاً إن رفع الضرائب على البنوك قد يؤدي إلى انخفاض الاستثمار والنمو وعدد الوظائف.
وأضاف أن ارتكاب خطأ في الضرائب المفروضة على البنوك يمكن أن يؤدي إلى تراجع الإيرادات بدلاً من زيادتها، بسبب تداعياته على الاقتصاد.
وتضع هذه المسألة الحكومة أمام معادلة دقيقة، إذ إن زيادة الضرائب على قطاع مربح قد توفر إيرادات سريعة، لكنها قد تؤثر في قدرة البنوك على الإقراض والاستثمار إذا أصبحت الأعباء الضريبية مرتفعة بصورة كبيرة.
رفع ضريبة أرباح رأس المال
من بين المقترحات التي نوقشت منذ فترة طويلة، رفع معدلات ضريبة أرباح رأس المال لتصبح أقرب إلى معدلات ضريبة الدخل، ودعت إلى هذه السياسة مؤسسات اقتصادية تميل إلى اليسار وخبراء في الضرائب، فيما قدر تقرير أصدره مركز تحليل الضرائب "سينتاكس" هذا الشهر أن توحيد معدلات الضريبتين يمكن أن يوفر للخزانة نحو 20 مليار جنيه استرليني (26.4 مليار دولار) سنوياً بحلول عام 2030.
لكن الاقتراح يواجه انتقادات من جانب من يرى أن زيادة الضريبة قد تدفع مزيداً من أصحاب الثروات الكبيرة إلى مغادرة بريطانيا، وتضعف إنشاء الشركات الجديدة وتحد من الإنفاق الرأسمالي، في وقت تحتاج فيه البلاد بشدة إلى زيادة الاستثمار بعد أكثر من عقد من ضعف نموه منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وكانت وزيرة الخزانة السابقة راشيل ريفز قد رفعت في موازنتها الأولى في أكتوبر 2024 ضريبة أرباح رأس المال إلى 18 في المئة لدافعي الضرائب من الشريحة الأساسية، وإلى 24 في المئة للشريحة الأعلى.
وجاءت هذه الزيادة إلى جانب رفع اشتراكات التأمين الوطني التي يدفعها أصحاب العمل بنحو 25 مليار جنيه استرليني (33 مليار دولار)، وتوجد أيضاً ضريبة أعلى تبلغ 32 في المئة، تطبق بصورة رئيسة على العاملين في قطاع الأسهم الخاصة.
ضريبة العقارات الفاخرة
يمثل فرض ضريبة سنوية على العقارات مرتفعة القيمة خياراً آخر أمام الحكومة لتوسيع الإيرادات، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قدمت ريفز موازنتها الثانية والأخيرة، في وقت كان حزب "العمال" يواجه ضغوطاً من ناخبين يساريين اتجه بعضهم إلى حزب الخضر، بسبب اعتقاد بأن حكومة كير ستارمر تحركت بعيداً نحو اليمين.
وطالب عدد من هؤلاء الناخبين بفرض ضريبة على الثروة، للمساعدة في معالجة أوضاع المالية العامة.
وفي محاولة لاستعادة دعمهم، أعلنت ريفز أن مالكي العقارات التي تزيد قيمتها على مليوني جنيه استرليني (2.6 مليون دولار) سيخضعون لضريبة سنوية تتراوح بين 2500 و7500 جنيه استرليني (3.3 و9.9 آلاف دولار)، اعتباراً من أبريل (نيسان) 2028.
وأطلق على الإجراء اسم "ضريبة القصور"، وكان من المتوقع أن يشمل نحو 70 ألف مالك عقار، بينما قدر مكتب مسؤولية الموازنة أنه سيحقق للخزانة نحو 400 مليون جنيه استرليني (528.4 مليون دولار) سنوياً.
لكن مصادر مطلعة على مناقشات الموازنة قالت هذا الشهر لصحيفة التايمز إن هيلي ورئيس الوزراء آندي بيرنهام وضعا خططاً، لخفض حد قيمة العقار الخاضع للضريبة إلى 1.5 مليون جنيه استرليني (1.9 مليون دولار).
ومن شأن ذلك أن يوسع نطاق الضريبة ليشمل نحو 200 ألف عقار إضافي، ويزيد عدد العقارات التي تدخل ضمن ما يوصف بـ"القصور" الخاضعة للضريبة.
ضريبة الوقود تحت الضغط
يأتي ذلك في وقت تواجه فيه الأسر البريطانية ارتفاعاً حاداً في أسعار الوقود، إذ أظهرت بيانات شركة "آر إيه سي" هذا الأسبوع أن سعر الديزل بلغ أعلى مستوى له على الإطلاق عند 199.33 بنس (نحو 699 سنتاً أميركياً من الدولار) للتر، بعد موجة ارتفاع مرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، التي دخلت شهرها الثامن، كما ارتفعت أسعار البنزين بصورة حادة.
وكان بيرنهام قد كرر منذ دخوله مقر رئاسة الوزراء في يوليو (تموز) الماضي طموحه إلى خفض كلفة المعيشة للأسر، في مختلف أنحاء بريطانيا.
ومن شأن تأجيل أية زيادة جديدة في ضريبة الوقود أن يدعم هذا التعهد السياسي، خصوصاً مع ارتفاع كلفة التنقل والنقل وأسعار السلع.
لكن ارتفاع أسعار الوقود عالمياً يضع الحكومة أمام خيار صعب، بين الالتزام بخطط زيادة الإيرادات وبين تجنب تحميل الأسر والشركات مزيداً من الأعباء في وقت ترتفع فيه كلفة الطاقة والنقل.
ضريبة الميراث والمزارع العائلية
لا تشير تصريحات بيرنهام أو هيلي إلى وجود خطة لرفع المعدلات الأساسية لضريبة الميراث، لكن رئيس الوزراء أبدى رغبته في إعادة النظر في بعض التغييرات التي أقرتها ريفز وستارمر.
وتتعلق هذه التغييرات بإدخال الأراضي الزراعية وغيرها من الأصول الزراعية التي تبلغ قيمتها 2.5 مليون جنيه استرليني (3.3 مليون دولار) أو أكثر ضمن نطاق ضريبة الميراث، في سياسة أطلق عليها منتقدوها اسم "ضريبة المزارع العائلية".
وكان الحد الأصلي للقيمة مليون جنيه استرليني (1.3 مليون دولار)، قبل أن ترفعه الحكومة في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بعد أشهر من الاحتجاجات التي نظمها المزارعون.
وقال بيرنهام إنه يرغب في إعادة دراسة السياسة، فيما سبق أن قال متحدث باسم الحكومة إن الحكومة تريد بدء "حوار جديد مع المزارعين".
وقد يشكل التراجع عن بعض هذه الإجراءات محاولة لتخفيف التوتر مع القطاع الزراعي، من دون التخلي بالضرورة عن هدف الحكومة المتمثل في زيادة إيرادات ضريبة الميراث.
خفض الإنفاق بدلاً من رفع الضرائب
لا تقتصر الخيارات المتاحة أمام الحكومة على زيادة الضرائب، إذ يمكنها أيضاً محاولة إعادة بناء هامشها المالي من خلال خفض الإنفاق.
وفي كلمته أمام مؤتمر حزب "العمال" في سبتمبر (أيلول) الماضي، قال رئيس الوزراء إنه يريد تقليص سخاء نظام "القفل الثلاثي" لمعاشات التقاعد الحكومية، الذي يضمن زيادة المعاشات سنوياً بأعلى معدل من التضخم أو نمو الأجور أو 2.5 في المئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقترح بيرنهام إلغاء عنصر نمو الأجور بصورة عامة، وهو ما يمكن أن يوفر للخزانة نحو 20 مليار جنيه استرليني (26.4 مليار دولار) بحلول أربعينيات القرن الحالي، وفق تقديرات وزارة الخزانة.
ويعتزم رئيس الوزراء توجيه هذه الأموال إلى إنشاء خدمة رعاية وطنية.
وتبلغ نفقات الدولة على معاشات التقاعد الحكومية خلال السنة المالية الحالية نحو 154 مليار جنيه استرليني (203.4 مليار دولار)، مما يجعلها أكبر بند منفرد في نظام المزايا الاجتماعية في بريطانيا.
ومع ذلك، لا تزال بريطانيا تمتلك أحد أقل أنظمة معاشات التقاعد الحكومية سخاء بين دول مجموعة السبع.
فاتورة الرعاية الاجتماعية
كثيراً ما اعتبر سياسيون من اليمين واليسار أن الإنفاق على المزايا الاجتماعية يرتفع بوتيرة يصعب على المالية العامة تحملها، لكن محاولة خفض هذه النفقات أثبتت صعوبتها سياسياً، إذ سبق أن واجهت مقترحات قدمها ستارمر وريفز لخفض المزايا رفضاً واسعاً من نواب حزب "العمال" في البرلمان.
ولذلك سيحتاج رئيس الوزراء ووزير الخزانة إلى تقديم خطة أكثر تفصيلاً وتعقيداً لخفض فاتورة المزايا الاجتماعية، بحيث تحقق وفورات مالية من دون التسبب في مواجهة جديدة داخل الحزب.
موازنة بين النمو والانضباط المالي
وتواجه الحكومة البريطانية في موازنة الـ28 من أكتوبر الجاري معضلة، تتجاوز مجرد اختيار الضرائب التي يمكن زيادتها.
فهي تحتاج إلى سد الفجوة في المالية العامة في وقت ترتفع فيه كلفة الاقتراض وخدمة الدين، بينما يمكن لأية زيادة ضريبية كبيرة أن تؤثر في الاستثمار والاستهلاك والنمو.
في المقابل، فإن تأجيل زيادات ضريبة الوقود أو تخفيف بعض إجراءات ضريبة الميراث قد يحد من قدرة الحكومة على زيادة الإيرادات في وقت تحتاج فيه إلى توسيع هامشها المالي.
ويزيد ارتفاع أسعار السندات الحكومية وتوتر الأسواق العالمية من حساسية القرارات المقبلة، إذ إن أية خطة ينظر إليها المستثمرون باعتبارها غير قابلة للتنفيذ قد ترفع كلفة الاقتراض أكثر.
وتحاول الحكومة في الوقت نفسه الحفاظ على زخم الاقتصاد البريطاني، الذي كان من بين الاقتصادات الأسرع نمواً في مجموعة السبع، من دون التضحية بالانضباط المالي.
وبذلك تبدو موازنة هيلي اختباراً مزدوجاً: كيف تجمع الحكومة مزيداً من الإيرادات وتخفض الإنفاق عند الحاجة، من دون أن تؤدي هذه الإجراءات إلى إضعاف النمو الذي تعتمد عليه المالية العامة في نهاية المطاف.