ملخص
منذ الثورة الإيرانية عام 1979، قامت دول عدة بأدوار مختلفة في الوساطة بين واشنطن وطهران، من الجزائر خلال أزمة الرهائن إلى سويسرا وعمان ثم قطر وباكستان. ومع اتساع الخلاف من ملفات محددة إلى النووي والعقوبات والحرب ومضيق هرمز، تحولت الوساطة من قناة واحدة إلى شبكة متعددة الأطراف تعكس تعقيد العلاقة بين البلدين.
اتسمت العلاقات بين واشنطن وطهران بالتوتر منذ الثورة الإيرانية عام 1979، مما اضطرهما للاستعانة بعدد من الدول لأداء دور الوسيط بين البلدين، وفي البداية تركزت الوساطات على ملفات محددة مثل أزمة الرهائن، لكن مع مرور الوقت اتسع نطاقها ليشمل البرنامج النووي والعقوبات وشبكة الوكلاء الإيرانيين، ولم تعُد الوساطة تتعامل مع أزمة واحدة بقدر ما تحاول إدارة شبكة من الخلافات المتداخلة.
ومهّد هذا التحول لوساطات مختلفة ما بين علنية وسرية، وأخرى متعددة الأطراف تعتمد على مجموعة من الدول التي ترتبط بصلات متباينة القوة والتوجه مع واشنطن وطهران، بما يعكس التعقيد المتزايد للصراع الأميركي - الإيراني. وفي هذا التقرير نستعرض أبرز الوساطات وتغير طبيعتها وأولوياتها طوال أربعة عقود ونصف العقد.
الجزائر وأزمة الرهائن
برزت الجزائر كأول وسيط عربي بين واشنطن وطهران بعد الثورة الإيرانية، بهدف إنهاء أزمة الرهائن التي بدأت في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1979 واستمرت 444 يوماً. وتكشف وثيقة أميركية بتاريخ السابع من فبراير (شباط) 1981 عن أن الولايات المتحدة وإيران طلبتا وساطة الجزائر التي كانت تجربتها الثورية سبباً في منحها قدراً من الثقة لدى السياسيين الإيرانيين، في حين كانت العلاقة الأميركية – الجزائرية تتحسن تدريجاً خلال عهد الرئيس الشاذلي.
وأثمرت تلك الوساطة المبكرة عن "إعلانات الجزائر"، وهي مجموعة من الاتفاقات التي ضمنت موافقة إيران على إطلاق الرهائن في يناير (كانون الثاني) 1981 مقابل الإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة. وفي حين عززت الاتفاقات مكانة الجزائر كوسيط، فإنها كشفت أيضاً عن حدود الوساطة في الارتقاء بالعلاقات الأميركية – الجزائرية، وفي تطبيع العلاقات الأميركية – الإيرانية.
فمن جانب، أرادت الجزائر استثمار الوساطة ووضع صدقيتها على المحك لدفع الإيرانيين إلى المفاوضات للحصول على موقف أميركي داعم في قضية الصحراء، إلا أن الولايات المتحدة مضت آنذاك في قرار بيع طائرات ودبابات إلى المغرب، مما اضطر وزير الخارجية الأميركي ألكسندر هيغ وفق الوثيقة الأميركية إلى التأكيد للسفير الجزائري في واشنطن أن هذه الخطوة لا يُقصد بها أي موقف غير ودي تجاه الجزائر.
أما إدارة رونالد ريغان، فحرصت على تحقيق هدف استراتيجي متمثل في عدم دفع إيران إلى الارتماء في أحضان الاتحاد السوفياتي، على رغم إدراكها للمشاعر الشعبية السلبية داخل الولايات المتحدة تجاه النظام الإيراني الجديد. ورأت الجزائر في نجاحها فرصة للانتقال من تسوية أزمة الرهائن إلى إلى المساهمة في تحسين العلاقات بين واشنطن وطهران، إلا أن ذلك لم يحدث مع استمرار التباعد الأيديولوجي والسياسي.
سويسرا... القناة الدائمة
يُطلق مصطلح "الدولة الحامية" على أي بلد يمثل دولة أخرى ذات سيادة في بلد تفتقر فيه إلى التمثيل الدبلوماسي، وهو دور اضطلعت به سويسرا منذ مايو (أيار) عام 1980 لتمثيل المصالح الأميركية في إيران. وبخلاف الوساطة الجزائرية المقيدة بأزمة الرهائن، وفرت سويسرا قناة اتصال دائمة بين واشنطن وطهران.
وعكس تأسيس هذه القناة المصاعب المتزايدة أمام استعادة العلاقات بين واشنطن وطهران بسبب الخلاف الأيديولوجي الذي أحدثته الثورة الإيرانية بشعاراتها المعادية للولايات المتحدة، فمع الفشل في إيجاد أرضية مشتركة، تحول البلدان نحو إدارة القطيعة، وسط تشديد للعقوبات الأميركية واستمرار الخطاب الإيراني المعادي.
وتولت سويسرا طوال عقود تقديم خدمات قنصلية إلى الأميركيين في إيران ونقل الرسائل بين الدولتين والمساعدة في إدارة قضايا إنسانية ودبلوماسية. وخلال أزمة الرهائن، تابعت أوضاع المحتجزين وساعدت في إجلاء بعض المفرج عنهم، فيما استمرت لاحقاً في إبقاء التواصل بين البلدين خلال فترات التوتر والتصعيد.
وأسهمت سويسرا أخيراً في تسهيل بعض الاتفاقات من بينها صفقة تبادل السجناء بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو (حزيران) 2020، وقالت وزارة الخارجية السويسرية إن بناء الثقة الذي أتاح إتمام الصفقة استمر أعواماً، مما يعكس مقدار الجهد المطلوب لإنجاح الوساطة. وشاركت سويسرا في صفقة تبادل أخرى في سبتمبر (أيلول) 2023 ونقل أموال إيرانية مجمدة من كوريا الجنوبية ضمن الاتفاق.
لكن سويسرا لم تنجح في التوصل إلى اختراقات دبلوماسية كبرى، على رغم أنها نقلت في مايو 2003 مقترحاً إيرانياً لإجراء مفاوضات شاملة تشمل البرنامج النووي والجماعات المسلحة والأمن الإقليمي، إلا أن إدارة جورج بوش لم ترحب به، وأُثير جدل حول جدية القيادة الإيرانية ومدى دعمها لهذا المقترح الذي نقله إلى واشنطن السفير السويسري لدى طهران.
واتضحت أهمية القناة السويسرية خلال فترات التصعيد، إذ استخدمت لنقل الرسائل بين واشنطن وطهران بعد الهجوم الإيراني بالصواريخ والمسيّرات على إسرائيل في أبريل (نيسان) 2024، وبرز دورها مجدداً خلال الحرب الأميركية – الإيرانية عام 2026، حين استضافت سويسرا في يونيو الماضي محادثات بين الطرفين في شأن تنفيذ مذكرة التفاهم التي أوقفت العمليات العسكرية موقتاً.
إسرائيل و"إيران كونترا"
خلال منتصف الثمانينيات، فتحت إسرائيل قناة سرية بين الولايات المتحدة وإيران في وقت كان الطرفان يملكان مصلحة موقتة في التواصل، فإيران، المنخرطة في حرب مع العراق، كانت بحاجة إلى السلاح، بينما كانت إدارة ريغان تسعى إلى إطلاق أميركيين محتجزين في لبنان لدى جماعات مرتبطة بإيران.
وفي يوليو (تموز) عام 1985، أبلغ مسؤولون إسرائيليون واشنطن بوجود أطراف إيرانية مستعدة للتواصل مع الولايات المتحدة والمساعدة في قضية الرهائن مقابل الحصول على أسلحة، وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيريز من أبرز الداعمين لفتح هذه القناة.
تطورت الاتصالات إلى صفقة سرية بصيغة "السلاح مقابل الرهائن"، ورتبت إسرائيل أولى الشحنات إلى إيران من مخزونها من الصواريخ الأميركية، على أن تعوضها واشنطن بأسلحة أحدث، قبل أن تتولى الولايات المتحدة جانباً أكبر من العملية لاحقاً.
وبين أغسطس (آب) عام 1985 ونوفمبر عام 1986، وصلت إلى إيران سبع شحنات عسكرية شملت أكثر من ألفي صاروخ "تاو" و18 صاروخ "هوك"، وأسهمت العملية في إطلاق ثلاثة رهائن أميركيين.
وسعت واشنطن إلى استثمار هذه الصفقة لفتح قناة تواصل مباشرة عندما توجه وفد أميركي برئاسة مستشار الأمن القومي السابق روبرت ماكفارلين سراً إلى طهران في مايو عام 1986، لكن الزيارة لم تؤسس لمسار مستقر بين البلدين.
وعُرفت هذه الصفقة لاحقاً بفضيحة "إيران كونترا" بعدما تبين أن جزءاً من أرباح مبيعات السلاح لإيران حُوّل سراً لدعم قوات "الكونترا" التي كانت تقاتل حكومة نيكاراغوا، في وقت كان الكونغرس قيّد تقديم الدعم الأميركي لها، وأدت الفضيحة إلى تحقيقات واسعة وإجراءات جنائية بحق عدد من مسؤولي إدارة ريغان.
"الترويكا" الأوروبية
مع تصاعد أزمة البرنامج النووي الإيراني، بدأت بريطانيا وفرنسا وألمانيا التفاوض مع طهران في عام 2003، في وقت بقيت إدارة جورج بوش خارج المحادثات المباشرة. وتوصلت الدول الثلاث إلى تفاهمات أولية مع إيران في شأن تعليق بعض أنشطة التخصيب والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ثم دعمت واشنطن هذا المسار بصورة أوضح عام 2005 وقدمت حوافز مرتبطة به، من بينها تخفيف اعتراضها على انضمام إيران إلى منظمة التجارة العالمية والنظر في السماح ببيع قطع غيار للطائرات المدنية الإيرانية. وبذلك أصبحت "الترويكا" الأوروبية قناة تفاوضية سمحت لواشنطن بالتأثير في المسار من دون الجلوس مباشرة مع الإيرانيين، وأصبحت لاحقاً أساساً للتفاوض في شأن الاتفاق النووي لعام 2015.
لكن تعثر المفاوضات واستئناف إيران الأنشطة النووية دفعا إلى توسيع الإطار، ففي 2006 انضمت الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا ضمن الصيغة التي عرفت لاحقاً بـ"5+1"، وقدمت الدول الست عرضاً مشتركاً إلى طهران.
وخلال العام نفسه أعلنت واشنطن استعدادها للمشاركة مباشرة في المفاوضات النووية إذا علقت إيران أنشطة التخصيب وإعادة المعالجة. وعكست هذه المرحلة انتقال الوساطة من جهود تقودها دول أوروبية منفردة إلى إطار دولي أوسع، مع بقاء الأوروبيين حلقة أساسية بين واشنطن وطهران.
عمان
بنت سلطنة عمان مكانتها كوسيط بين واشنطن وطهران تدريجاً، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الطرفين، وبرزت الوساطة العمانية عام 2011 بعد الإفراج عن ثلاثة أميركيين محتجزين في إيران، مما أسهم في ترسيخ الثقة بالقناة العمانية لدى واشنطن وطهران، وصولاً إلى دور عماني أبرز في المفاوضات النووية.
وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 2011، زار جون كيري عمان عندما كان رئيساً للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، في رحلة نسقتها إدارة باراك أوباما، والتقى السلطان الراحل قابوس لبحث إمكان استخدام مسقط قناة هادئة للتواصل مع الإيرانيين حول الملف النووي.
وأكدت الخارجية الأميركية لاحقاً أن كيري سعى خلال الزيارة إلى استكشاف قدرة عمان على فتح هذه القناة، مستفيداً من الثقة التي بنتها السلطنة مع الطرفين خلال وساطتها في قضية المحتجزين الأميركيين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وجرت لاحقاً اجتماعات أميركية – إيرانية سرية في عمان بالتوازي مع مفاوضات مجموعة "5+1" التي ضمت الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، إضافة إلى ألمانيا.
وكانت هذه الصيغة امتداداً أوسع للمسار الذي بدأته "الترويكا" الأوروبية مع إيران عام 2003. ووفرت القناة العمانية مساراً ثنائياً سرياً هدفه تضييق الخلاف بين واشنطن وطهران، على أن يُستفاد من أية تفاهمات جوهرية في المفاوضات متعددة الأطراف.
وبعد انهيار الاتفاق النووي لعام 2015 الذي ساعدت عمان في التوصل إليه، استضافت مسقط في فبراير الماضي، جولات المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران حول البرنامج النووي. وفي الـ26 من فبراير أعلن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أن الجولة الأخيرة حققت "تقدماً ملحوظاً"، وأن مفاوضات فنية ستعقد في فيينا في الأسبوع التالي، قبل أن يتوجه في اليوم التالي إلى واشنطن لإطلاع نائب الرئيس جي دي فانس على ما تحقق. وفي الوقت نفسه، كان الرئيس دونالد ترمب يحذر من أن "استخدام القوة" قد يصبح ضرورياً إذا فشلت المفاوضات، فيما كانت الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في المنطقة.
لكن السباق بين الدبلوماسية والعمل العسكري انتهى لمصلحة الأخير، ففي الـ28 من فبراير الماضي، بعد ساعات فقط من أحدث جولة تفاوض وصفها البوسعيدي لاحقاً بأنها الأكثر تقدماً، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما على إيران، لتدخل الدولتان في حرب مباشرة. وفي اليوم نفسه أعرب الوزير العماني عن أسفه لأن "مفاوضات نشطة وجادة" قُوّضت مجدداً، ثم قال بعد ذلك إن محادثات جنيف كانت أحرزت "تقدماً حقيقياً نحو اتفاق غير مسبوق" بين واشنطن وطهران.
الوساطة متعددة الأطراف
أدت الحرب الأميركية – الإيرانية عام 2026 إلى توسيع نطاق الوساطة بصورة غير مسبوقة، فلم يعُد الخلاف مقتصراً على البرنامج النووي أو تبادل المحتجزين، بل أصبح يشمل وقف العمليات العسكرية ومضيق هرمز والعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة والترتيبات الأمنية الإقليمية. ومع اتساع القضايا المطروحة، توزعت الوساطة بين أكثر من دولة، لكل منها علاقاتها وقدرتها المتباينة على التأثير في الطرفين.
وبعد انهيار الوساطة العمانية واندلاع الحرب، انتقل ثقل الوساطة إلى باكستان التي طرحت في أبريل الماضي إطاراً يبدأ بوقف إطلاق النار ثم الانتقال إلى مفاوضات شاملة. واستضافت إسلام أباد في الشهر نفسه أول محادثات أميركية – إيرانية رفيعة المستوى منذ عقود، واستمرت أكثر من 20 ساعة، بمشاركة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. وتركزت المفاوضات على البرنامج النووي والعقوبات ومضيق هرمز والضمانات الأمنية، لكنها انتهت من دون اتفاق، مع إبقاء الطرفين باب الحوار مفتوحاً.
ولم يؤدِّ تعثر محادثات إسلام أباد إلى توقف الوساطة، إذ واصلت باكستان اتصالاتها مع الطرفين، قبل أن تتبلور الجهود في الـ17 من يونيو الماضي في "مذكرة تفاهم" بين الولايات المتحدة وإيران التي أرست وقفاً موقتاً للقتال ومساراً لمفاوضات لاحقة. وبعد أيام، اجتمعت وفود أميركية وإيرانية في بورغنشتوك بسويسرا، بمشاركة باكستان وقطر كوسيطين، لبحث تنفيذ المذكرة على المستويين السياسي والفني.
لكن وقف النار لم يصمد، وعادت المواجهات في يوليو الماضي قبل توقفها موقتاً، فيما واصلت باكستان التأكيد أن مذكرة التفاهم تبقى هي إطار التسوية الأمثل على رغم تعثر تنفيذها.
ومع استمرار الجمود العسكري، برزت قطر في سبتمبر الماضي وسيطاً بين واشنطن وطهران واستضافت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أول محادثات غير مباشرة بين الطرفين منذ أشهر، قبل أن تنقل بينهما سلسلة من الرسائل والمقترحات. وتركزت الجهود على مقترح إيراني لبناء الثقة لمدة سبعة أيام تتضمن ترتيبات لإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة حركة الملاحة، إلا أنه قوبل بالرفض من واشنطن.
وبقيت باكستان وعمان وقطر ضمن شبكة الوسطاء، بما يعكس انتقال الوساطة عام 2026 من الاعتماد على قناة واحدة إلى توزيع الأدوار بين دول عدة. ويعكس تعدد الوسطاء ذي المصالح والأولويات المتباينة مقدار التعقيد الذي وصلت إليه العلاقة الأميركية – الإيرانية، إذ أصبحت تسوية خلافاتهما مرتبطة بملفات عسكرية ونووية واقتصادية وبحرية وإقليمية، مما جعل إدارة النزاع تتطلب أكثر من وسيط ومسار تفاوضي.