ملخص
لا معنى لقراءة عملية "حماس" المذهلة بمعزل عن قول بن غوريون لأعضاء حكومته، "لو كنت أؤمن بالعجائب لطلبت أن يبتلع البحر غزة"، وبالطبع عن المشهد في حرب إسرائيل على القطاع، وحرب "حزب الله" لإسناد غزة من لبنان، وحرب إيران.
ماذا بعد ثلاثة أعوام على عملية السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 التي زلزلت إسرائيل وأسقطت بالنار عقيدة بن غوريون الأمنية المبنية على أربعة أعمدة: ردع، إنذار مبكر، دفاع سريع، ونصر حاسم؟ السؤال يعيدنا إلى سؤال آخر: ماذا بعد 53 عاماً من حرب السادس من أكتوبر عام 1973 التي صدمت إسرائيل وأخرجت غولدا مائير وكبار الوزراء والجنرالات من السلطة؟
في البدء كان العمل العسكري الجدي الذي فاجأ إسرائيل مرتين: مرة بالهجوم الواسع المصري والسوري في "حرب رمضان" وعبور قناة السويس والسيطرة على المرصد الإسرائيلي في جبل الشيخ على رغم أن خطة العمليات وصلت إلى تل أبيب سلفاً من أشرف مروان مستشار الرئيس أنور السادات وسواه، لكن قادة إسرائيل الذين كانوا يعيشون نشوة انتصارهم السريع خلال حرب 1967 لم يصدقوا أن القاهرة ودمشق يمكن أن تشنا حرباً من دون تأمين غطاء جوي كافٍ.
ومرة بعملية السابع من أكتوبر 2023 على يد حركة "حماس" على رغم المعلومات التب وصلت إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وضباط الاستخبارات من مراجع عالية وعارفة، لكن إسرائيل كانت نائمة على حرير الجدران التكنولوجية وواثقة من أن "حماس" مشغولة بترتيب الوضع الاقتصادي في غزة.
ومن السهل كالعادة تجميد لحظة باهرة في التاريخ وفصلها عما سبقها وتلاها. غير أن ذلك وهم كبير مثل تصوير عملية "طوفان الأقصى" بأنها صاعقة في سماء صافية من دون ربطها بقرن من الصراعات العربية - الإسرائيلية تحت سماء غائمة. فلا معنى لقراءة عملية "حماس" المذهلة بمعزل عن قول بن غوريون لأعضاء حكومته، "لو كنت أؤمن بالعجائب لطلبت أن يبتلع البحر غزة"، وبالطبع عن المشهد في حرب إسرائيل على القطاع، وحرب "حزب الله" لإسناد غزة من لبنان، وحرب إيران.
ولا أحد ينظر إلى "حرب رمضان" من دون أن يرى المشهد في مصر وسوريا بعدها، وما جرى في العالم العربي وصولاً إلى "اتفاقات أبراهام". ذلك أن عملية السابع من أكتوبر لم تكن مجرد محاولة لفك الحصار عن غزة. فما أراده قائد "حماس" يحيى السنوار هو إطلاق شرارة في حرب العودة لتحرير فلسطين بعد عقود من المحاولات التسويات البائسة.
وما جاء في نداء مسجل للقائد العسكري لـ"كتائب القسام" محمد ضيف هو دعوة "أبناء الوطن العربي والإسلامي إلى بدء الزحف نحو فلسطين للمشاركة في تحرير الأقصى"، لكن ما قادت إليه حرب الإبادة في غزة ليس فقط تدمير القطاع على رؤوس أهله وموافقة "حماس" على تسليم أسلحتها وإنهاء دورها في حكم القطاع، بل أيضاً ما فعلته التحولات التي صنعتها الحروب وقادت إلى متغيرات يصعب حصرها بعدد كبير من النقاط أبرزها خمس.
الأولى أن قضية فلسطين اكتسبت زحماً جديداً في الجامعات ومراكز الدراسات وأوساط النخبة الأميركية والأوروبية، وحتى لدى الحكومات، مقابل ضعف موقع "حماس". وتوسع اليمين الإسرائيلي المتطرف إلى حد الهيمنة على اليسار والوسط وتخوف الجميع من "حل الدولتين"، والتوجه نحو ضم الضفة الغربية بفعل المستوطنات، إن لم يكن ضماً رسمياً يحول دون حدوثه حتى اليوم الرئيس دونالد ترمب.
الثانية هي نهاية الحل العسكري في موضوع فلسطين، بصرف النظر عن الخطاب الإيراني، ونهاية حل الدولتين بعدما فشلت الحروب العربية - الإسرائيلية وحرب "حماس" ودبلوماسية ياسر عرفات ومحمود عباس.
الثالثة أن إسرائيل التي انتقلت من استراتيجية الردع إلى استراتيجية الحسم وضرب أية قوة معادية لها قبل أن تقوى عجزت خلال 15 شهراً من التوحش في حرب الإبادة عن القضاء على "حماس" وكسر إرادة الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة والشتات.
الرابعة أن إسرائيل التي كانت مهمتها حماية مصالح أميركا والغرب صارت في حاجة إلى حماية واشنطن لها. ففي حرب غزة وحدها قدمت لها أميركا مساعدات عسكرية بمبلغ 21.6 مليار دولار، حسب إحصاءات معهد كوینسي. وعلى رغم القول الشائع إن نتنياهو ورط ترمب في حرب إيران، فالواقع أن الحرب هي حرب المصالح الأميركية الحيوية، وأن إسرائيل خسرت الاستقلالية تجاه واشنطن، ولم تعد تستطيع القيام بعمليات كبيرة في لبنان وسوريا وغزة والضفة إلا بضوء أخضر أميركي.
والخامسة أن أميركا بقيادة ترمب، على رغم عجزها عن حماية حلفائها من القصف الإيراني، وترددها بين الحرب الناقصة والتسوية البائسة، وازدياد التحفظ العربي والإقليمي حيال سياستها، بدت اللاعب المسيطر في حروب المنطقة ومشروع سلامها الأميركي. ولم تجرؤ أية قوة دولية على مواجهتها، وهي تضرب إيران التي في "شراكة استراتيجية" مع الصين وروسيا.
وخلال حرب 1967 أنزلت إسرائيل بالعرب هزيمة قاسية جداً فاحتلت سيناء وغزة من مصر، والضفة الغربية والقدس من الأردن، والجولان من سوريا، لكن حكام دمشق الذين هربوا إلى حمص خلال حرب "الأيام الستة" رفعوا شعاراً تمارس مثله دول ومنظمات عدة: المهم هو بقاء النظام ولو احتلت إسرائيل أرضاً يستطيع النظام استعادتها، لكن النظام سقط عام 2024 من دون أن يستعيد الأرض سواء بالقتال أو بالتفاوض، ولعله لم يرد ذلك.
واليوم تعترف 149 دولة من أصل 193 دولة في الأمم المتحدة، بدولة فلسطين، لكن الدولة لا تزال من ورق. وإسرائيل تعود إلى جابوتنسكي وسياسة "الجدار الحديدي" التي فحواها، لا حل إلا بإخضاع الفلسطينيين، لكن من الوهم الاستمرار في تجاهل شعب بكامله والحديث عن سلام في الشرق الأوسط من دون حل عادل لقضية فلسطين.