Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحركات إسرائيلية توحي بإمكان تجدد الحرب في غزة

جهزت تل أبيب خططاً عسكرية فيما تنفي "حماس" استعدادها لجولة جديدة

تحاول إسرائيل القضاء على كل فرد تجري ترقيته من الصف الثالث في حركة "حماس" (أ ف ب)

ملخص

مع استمرار الاغتيالات وتمركز الجيش الإسرائيلي داخل القطاع وتعزيز مواقعه على الخط الأصفر، تتزايد المؤشرات على جاهزية إسرائيل لعملية واسعة في غزة.

لم تنته الحرب في غزة تماماً، فالاغتيالات التي تستهدف قيادات في حركة "حماس" لم تتوقف، فيما يبقى الجيش الإسرائيلي منتشراً داخل أجزاء واسعة من القطاع، ويمسك بمناطق على امتداد الخط الأصفر.

وفي الأيام الأخيرة، تصاعدت التصريحات الإسرائيلية التي تتوعد غزة بعملية عسكرية جديدة وموسعة، مما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت إسرائيل تمهد فعلاً لتوسيع عملياتها.

يقول رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير "قواتنا مطالبة بالحفاظ على الجاهزية للانتقال سريعاً إلى نشاط واسع النطاق إذا اقتضت الحاجة في غزة"، مضيفاً أن الجيش يواصل عملياته على طول الخط الأصفر، وأن هدفه منع "حماس" من استعادة قدراتها.

في المقابل، تنفي "حماس" أنها تعيد بناء ترسانتها أو تسعى إلى استئناف الهجمات، وتتهم إسرائيل بتقويض اتفاق وقف إطلاق النار. يقول المتحدث باسم الحركة حازم قاسم "ما تروجه تل أبيب عن تسارع إعادة بناء ’حماس‘ لجهازها العسكري وصيانة الأنفاق واستمرار عمليات التهريب، تقارير كاذبة، تهدف إلى تبرير استمرار الحرب على قطاع غزة".

في الواقع، لم تغادر إسرائيل غزة وجيشها يعمل في جميع أنحاء القطاع بوتيرة منخفضة، وتحتفظ بالقدرة على رفع مستوى عملياتها متى رأت أن الظروف السياسية والعسكرية تجبرها على ذلك، فهل تتجهز لشن عملية واسعة في القطاع؟

إسرائيل تريد منع "حماس" من إعادة بناء نفسها

كثفت إسرائيل خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي من سياسية الاغتيالات، وبحسب مراقبين سياسيين وباحثين عسكريين، فإن تل أبيب بعد القضاء على قيادات الصف الأول وتدمير الصف الثاني من "حماس"، تحاول القضاء على كل فرد تجري ترقيته من الصف الثالث داخل الحركة، في خطوة قد تبدو كتمهيد قبل شن عملية عسكرية واسعة في غزة.

في الـ29 من سبتمبر (أيلول)، استهدفت إسرائيل عز الدين البيك، وصفته تل أبيب على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بأنه قائد لواء شمال غزة في "كتائب القسام"، ويعمل على تجنيد عناصر جديدة، حينها أكدت "حماس" مقتله.

وسبق ذلك خلال الشهر ذاته، استهداف قادة ميدانيين آخرين، بينهم محمد اليزوري، الذي كان عضواً في مجلس القيادة العليا لجناح "حماس" العسكري، ونائل أبو عبيد الذي وصفته إسرائيل بأنه قائد "لواء رفح"، ومحمد أبو علوان الذي وصفته بأنه مسؤول مالي كبير في "حماس"، واختطاف معين العرابيد المسؤول البارز في جهاز الأمن الداخلي.

 

 

بالنسبة إلى إسرائيل، يجتمع هؤلاء الأشخاص تحت عنوان واحد، وهو "منع ’حماس‘ من إعادة بناء نفسها بعد الحرب"، ويعقب وزير الدفاع يسرائيل كاتس "نعمل على إحباط إعادة تشكيل البنية العسكرية للحركة، إسرائيل لن تسمح لـ’حماس‘ بإعادة بناء قوتها، ستواصل ملاحقة قادتها وعناصرها ومصادر تمويلها وبنيتها التحتية".

لكن إعادة البناء التي تتحدث عنها إسرائيل لا تعني أن "حماس" عادت لقوتها التي كانت عليها قبل الحرب، إذ تشير تقديرات إسرائيلية تشير إلى أن الحركة خرجت من الحرب أضعف بكثير، وأن ما تحاول استعادته هو جزء من بنيتها التنظيمية والعسكرية، عبر إعادة ترتيب الوحدات والقيادات والعمل بصورة لامركزية أكثر.

وهنا يرى الباحث السياسي سعيد الضبة أن تأثير اغتيال قائد على "حماس" لا يمكن قياسه فقط باسمه أو موقعه، لأن الحركة طورت خلال أعوام الحرب بنية أكثر لا مركزية، مما يسمح لها بامتصاص خسارة بعض القيادات وإعادة توزيع المسؤوليات، لذلك يمكن عد أن عمليات الاغتيال قد تكون تمهيد لعملية عسكرية تخطط لها تل أبيب.

ومن الجانب الإسرائيلي، يقول الباحث في معهد سياسة الشعب اليهودي يعقوب كاتس "النقاش حول عودة الحرب يجري داخل المؤسسة الأمنية، القيادة الجنوبية تعيد صياغة خطط عملياتية لهجوم محتمل، انطلاقاً من تقدير أن ’حماس‘ تعيد بناء نفسها وتعيد التسلح، وإن لم تعد للقوة التي كانت عليها قبل الحرب".

أما المحلل السياسي يقول سيث فرانتزمان "استمرار ظهور قادة جدد في وحدات أعلنت إسرائيل سابقاً تفكيكها يطرح سؤالاً حول قدرة ’حماس‘ على إعادة بناء نفسها، حتى بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بها".

يعتقد فرانتزمان أن الاغتيالات تحمل أكثر من استمرار قدرة إسرائيل على استهداف قيادات "حماس"، فهي تكشف عن أن إسرائيل تحاول منع "حماس" من تحويل بقائها التنظيمي إلى قدرة عسكرية جديدة، بينما تحاول الحركة الحفاظ على بنيتها وإعادة ترتيبها تحت ضغط الاستهداف المستمر، لذلك فإن احتمال شن عملية عسكرية جديدة في غزة أمر وارد وبقوة.

ويؤكد الباحث الإسرائيلي غيرشون باسكن أن الحديث الإسرائيلي المتزايد عن إعادة بناء "حماس" قد يستخدم لتهيئة الرأي العام الإسرائيلي والدولي لاحتمال تجدد الحرب.

في الحقيقة، لا تثبت سلسلة الاغتيالات وحدها أن إسرائيل اتخذت قراراً بعملية عسكرية واسعة، بالنسبة إلى تل أبيب، المشكلة لم تعد فقط في ما بقي من "حماس" بعد الحرب، وإنما في ما يمكن أن تصبح عليه الحركة إذا حصلت على الوقت لإعادة تنظيم صفوفها.

كبيرة محللي السياسات في مؤسسة "راند" الباحثة شيرا إفرون، وصفت المأزق بصورة مختلفة، تقول "الخطة الأميركية لغزة متوقفة عند القضايا الأصعب، وفي مقدمها نزع سلاح ’حماس‘ والانسحاب الإسرائيلي الكامل وإنشاء إدارة جديدة للقطاع، لذلك ترى أن استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في أرض غزة يعني أنه مستعد لأية عملية عسكرية جديدة، وأن إسرائيل لم تنه الحرب فعلياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الجيش الإسرائيلي يرسخ وجوده

في حي الزيتون بمدينة غزة، لم يعد الخط الأصفر مجرد خط يمنع الاقتراب منه، إذ بات يزحف ويقترب من أماكن النزوح، مما دفع العائلات إلى مغادرة أماكن نزوحها مرة أخرى.

يقول عاصم دولة، أحد سكان المنطقة، "عائلتي اضطرت إلى النزوح مرات متكررة مع تقدم القوات والكتل الأسمنتية، الحرب تحولت بالنسبة إلي لسلسلة من عمليات البحث عن مكان يمكن البقاء فيه، لا أعتقد أن الحرب انتهت وأعتقد أن إسرائيل تخطط لعملية عسكرية واسعة".

من جهتها، يقول المتحدث باسم الحركة حازم قاسم "إزاحة الخط الأصفر باتجاه الغرب تشكل انتهاكاً فاضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، ويعكس استمرار إسرائيل في توسيع سيطرتها داخل القطاع".

تتعامل إسرائيل مع الخط الأصفر على أنه جزء من ترتيبات أمنية جديدة داخل القطاع، يقول قائد فرقة غزة العميد ليرون بيتو "الجيش يسيطر على نحو 63 في المئة من القطاع، أقمنا نحو 40 موقعاً عسكرياً جديداً، وانتشار القوات داخل غزة يمنح إسرائيل قدرة على الدفاع من موقع متقدم، بدلاً من انتظار التهديد عند حدود القطاع".

كلام بيتو جاء لافتاً لأنه يقدم تفسيراً إسرائيلياً لطبيعة هذا الوجود، في وقت يتحدث الجيش عن استعدادات عسكرية وحرية عمل داخل القطاع وعن عمليات متواصلة لاستهداف عناصر "حماس".

يعقب الباحث الجغرافي جاد إسحاق "الخط الأصفر لا يتصرف كحد ثابت، يتغير مع تحرك القوات الإسرائيلية، ويظهر أن مساحة السيطرة الإسرائيلية وصلت إلى نحو 64 في المئة من مساحة القطاع".

لا يعتقد إسحاق أن الوجود الإسرائيلي مجرد بقايا لعملية عسكرية سابقة، فإقامة المواقع والإبقاء على القوات داخل القطاع يمنحان الجيش قدرة على تنفيذ عمليات من داخل غزة في أي وقت يريده، وقد يبدو ذلك ضمن استعدادات تل أبيب لعملية عسكرية.

وهنا تكمن أهمية هذا الانتشار في قراءة احتمال توسيع العمليات، فإسرائيل لا تحتاج إلى إعادة بناء وجودها العسكري داخل غزة إذا قررت رفع مستوى القتال، كون جزء كبير من هذا الوجود قائم بالفعل.

الجيش يستعد والقرار سياسي

لا تتصرف القيادة الإسرائيلية العسكرية كما لو أن الحرب انتهت، القوات منتشرة داخل غزة، وتعمل القيادة العسكرية على تثبيت مواقعها على الخط الأصفر وتعزيز التحصينات ومواصلة الاستعداد لاحتمال جولة قتال أوسع مع "حماس".

نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست" عن مسؤولين أمنيين أن القيادة الجنوبية كانت تدير هذه المسارات بالتوازي، بما فيها التخطيط لحملة مستقبلية ضد الحركة.

في غزة، لا تظهر الجاهزية العسكرية الإسرائيلية دائماً في تحرك أرتال كبيرة، أحياناً تشير استمرار التدريبات إلى ذلك، وهذا ما بدا خلال الأشهر الماضية، عندما عرضت القيادة الجنوبية الإسرائيلية خططاً لعملية جديدة في غزة على هيئة الأركان والمستوى السياسي.

قدر قائد القيادة الجنوبية اللواء يانيف أسور أن تفكيك القدرات العسكرية لـ"حماس" قد يحتاج إلى نحو ستة إلى 10 أسابيع، لكن عرض الخطة لم يكن قراراً بتنفيذها، وظل الانتقال إلى العملية مرتبطاً بالمستوى السياسي.

يقول الباحث العسكري الإسرائيلي يوسي يهوشواع "الجيش يعمل على إعداد سيناريوهات متعددة تحسباً لتجدد القتال، لكن الانتقال من الخطة إلى التنفيذ يحتاج إلى قرار سياسي، خصوصاً في ظل تعدد الجبهات التي تستعد لها إسرائيل".

في المقابل، ينفي المتحدث باسم الحركة حازم قاسم الحديث الإسرائيلي عن تسريع "حماس" لبناء قوتها العسكرية، ويقول إنه "تحريض واضح على الحركة يهدف إلى تبرير الهجوم، ’حماس‘ ملتزمة باتفاق وقف الحرب بالكامل".

في السادس من سبتمبر، أجرى الجيش تدريباً لمحاكاة حرب مفاجئة على أكثر من جبهة، شمل تفعيل الاحتياط والقتال على طول الخط الأصفر في غزة، يقول رئيس الأركان إيال زامير "الاستعداد لحرب مفاجئة ومتعددة الجبهات أصبح جزءاً أساسياً من بناء قوة الجيش، وجود القوات في داخل غزة يمنح الجيش قدرة على الدفاع من الأمام والاستجابة السريعة لأي تهديد".

المسافة بين الهدنة والعملية الواسعة، في هذه المرحلة، لا تحددها قدرة الجيش بقدر ما يحددها القرار السياسي.

ما الشرارة التي قد توسع الحرب؟

في غزة، لا يحتاج التصعيد إلى إعلان رسمي، اشتباك قرب الخط الأصفر، أو اغتيال شخصية من "حماس" يمكن أن يفتح سلسلة من الردود، إذ طرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أحد السيناريوهات التي يمكن أن ترفع مستوى المواجهة.

قال "اختطاف جندي أو مدني إسرائيلي في القطاع سيؤدي إلى إخلاء مدينة غزة ونقل نحو مليون من سكانها إلى الجنوب، مع تدمير المباني والأبراج، كذلك أن عدم التزام ’حماس‘ بما عليها في الخطة الأميركية قد يقود إسرائيل إلى التحرك عسكرياً".

كان حديث كاتس تهديداً وسيناريو معلناً، لكن أهميته تكمن في أنه يوضح كيف يمكن لحادثة أمنية واحدة أن تتحول، إلى مبرر لتوسيع العمليات، وفي غزة تبدو فكرة النزوح الجديد احتمالاً سياسياً مرعباً، وهنا تتقاطع الأخطار العسكرية مع واقع السكان: إذا اتسعت العمليات، فأين سيذهب الناس؟

في المقابل، يقول رئيس حركة "حماس" خليل الحية "لن نعطي إسرائيل ذريعة لاستئناف الحرب، نحن دعاة استقرار وسلاح الحركة مرتبط بوجود الاحتلال والعدوان".

بحسب الأمم المتحدة، فإن مواقع النزوح في القطاع تعاني الاكتظاظ ونقص المأوى والمياه والصرف الصحي، وهذا يجعل أي إخلاء واسع لمدينة غزة مختلفاً عن إجلاء سكان منطقة قتال إلى مكان آمن، فالجنوب نفسه يعيش أزمة نزوح مستمرة.

واشنطن تمسك بالفرامل

في غزة، لا تتوقف احتمالات التصعيد عند ما تريده إسرائيل وحدها، فمنذ بدء الهدنة، حاولت واشنطن إبقاء العمليات العسكرية تحت السيطرة ودفع الأطراف نحو تنفيذ المسار السياسي الذي يفترض أن يقود إلى نزع سلاح "حماس".

ظهر الضغط الأميركي بوضوح في أغسطس (آب)، عندما خفضت إسرائيل، لفترة وجيزة، مستوى عملياتها في غزة.

لكن الضغط الأميركي قائم على أساس إتاحة الفرصة للدفع بخطة السلام والازدهار، فإسرائيل تقول إن قواتها لن تنسحب قبل نزع سلاح "حماس"، بينما تربط الحركة ملف السلاح بانسحاب إسرائيل وضمانات توقف الحرب.

تقول الباحثة في شؤون الشرق الأوسط جولي نورمان "تستطيع الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل، لكنها لن تستطيع منعها من عملية عسكرية واسعة، إضافة إلى أن هذا الضغط ينخفض إلى أدنى مستوى مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في الـ27 من أكتوبر".

بالفعل، ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن قدرة واشنطن على ممارسة الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو تراجعت مع دخول الحملة الانتخابية مرحلتها الحاسمة، فيما واصل مسؤولون إسرائيليون الحديث عن احتمال استئناف الحرب.

ينسجم ذلك مع حديث ممثل غزة في مجلس السلام نيكولاي ملادينوف حول "تراجع قدرة المجلس على ممارسة الضغط على نتنياهو مع دخول إسرائيل أجواء الانتخابات"، وفي المقابل يقول وزير الدفاع يسرائيل كاتس "استئناف الحرب واسعة النطاق في غزة مسألة وقت، الجيش مستعد لإنهاء المهمة ضد ’حماس‘".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات