Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في يوم المعلم العالمي... هكذا يعيش معلمو اليمن تحت القصف وصمت الجوع

حمل طه العربي السلاح ليلاً والطباشير نهاراً قبل أن تغير عبوة ناسفة حياته واليوم يحمل رسالة إلى مجلس القيادة الرئاسي

ملخص

يواصل المعلم اليمني طه العربي التدريس على كرسي متحرك، بعد إصابته بعبوة ناسفة أفقدته قدميه ويده اليمنى وعينه اليسرى. وبين النزوح وتأخر الرواتب وتداعيات الحرب، يتمسك برسالته التعليمية، مؤكداً أن فقدان جسده لن يفقده ضميره وصوته.

يوافق الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام اليوم العالمي للمعلم، وهي مناسبة تحتفي فيها الدول والمجتمعات بدور المعلمين في بناء الأجيال وصناعة المستقبل، غير أن هذه المناسبة تحمل في اليمن وجهاً مختلفاً، إذ تختلط حياة المعلمين بالحرب والنزوح والقصف والفقر وتأخر الرواتب، فيما يواصل كثير منهم العمل وسط ظروف تجعل مجرد الوصول إلى الفصل الدراسي تحدياً يومياً.

وعلى امتداد سنوات الحرب، وجد المعلم اليمني نفسه أمام واقع يتجاوز أعباء المهنة المعتادة، بين مدارس تضررت أو أغلقت أبوابها، ونزوح متكرر، ورواتب تتأخر أو تنقطع، وأخطار تفرضها جبهات القتال والألغام والعبوات الناسفة.

وفي اليوم العالمي للمعلم، تنقل "اندبندنت عربية" قصة المعلم طه العربي، التي تختصر جانباً من معاناة المعلمين في اليمن، وتكشف كيف يمكن أن يستمر التعليم حتى حين تصبح الحرب جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.

فعلى كرسيه المتحرك، وفي منطقة نزوحه بريف غرب تعز، بعين واحدة ومن دون قدمين وبيد واحدة، يواصل المعلم طه العربي تعليم الطلاب، ويتنقل بين الفصول بعربته المتحركة، بعدما فقد أطرافه إثر انفجار عبوة ناسفة زرعها الحوثيون في إحدى جبهات القتال.

بين الجبهة والسبورة

بعد انقلاب الحوثيين على الحكومة الشرعية، تغير روتين طه بالكامل، وبات يعيش بين جبهتين، يقضي الليل في مواقع القتال، ومع بزوغ الصباح يعود لفصله الدراسي، حاملاً طباشيره كما يحمل بندقيته، من دون أن يرى في ذلك تناقضاً، بل تجسيداً لواجب جمهوري يؤمن به.

 

في السابع من مارس 2025، وأثناء توجهه ليلاً مع زملائه المقاتلين لتناول السحور، انفجرت به عبوة ناسفة زرعتها ميليشيات الحوثي في كمين أدت إلى إصابته إصابة بالغة، كما أدت إلى بتر قدميه وفقد عينه اليسرى ويده اليمنى، وبفقده هذا فقد قدرته على المشاركة في الدفاع عن مدينته التي تواجه هجوماً حوثياً مستمر منذ مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، لكنها لم تحرمه من إكمال رسالته التربوية فبعد نزوحه من غرب تعز نحو مديرية جبل حبشي، عاد للفصل الدراسي بشغف وعزيمة معلم يبتدئ يومه الأول في ميدان التعليم.

عزيمة تتحدى العوائق

وعن الحادثة التي غيرت حياته، يقول طه إنه فقد أجزاء من جسده، لكنه لم يفقد ضميره ولا رسالته التعليمية. ويضيف: "بالنسبة إلي، ذلك التاريخ من مارس (آذار) 2025 لا أعتبره تاريخ حزن، بل أعتبر أنني رويت بدمي أرض وطني الغالية، وأنني بدمائي سقيت أرضي الطاهرة. وإذا فقدت أقدامي، فلن أفقد ضميري ولساني".

يتحرك طه داخل الفصل الدراسي بكرسي الإعاقة، ممسكاً القلم بيده اليسرى، ويشرح لطلابه بهدوء وثبات. لم يعد قادراً على الوقوف كما اعتاد طوال عقود، ولا الوصول إلى قاعة الدرس بقدميه، لكنه اليوم يصل محمولاً بمساعدة اثنين من رفاقه في المدرسة، أو أبنائه في مدرسة أخرى، وأحياناً بعض الطلاب.

ويقول في حديثه لـ"اندبندنت عربية" إنه بدأ يتعلم الكتابة بيده اليسرى، وإن حاله اليوم يشبه حال أحد الطلاب في الصفوف الأولى وهو يتعلم الكتابة من جديد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حزن الطلاب

وعن الطريقة التي تلقى بها تلاميذه خبر إصابته، يقول طه: "كانت صدمة ثقيلة على قلوب تلاميذي، وخيم الحزن على المدرسة في ذلك اليوم الذي كان يفترض أن يبدأ فيه أداء الامتحانات. رفض الطلاب دخول القاعات، وقالوا: لن نختبر وأستاذنا طه في العناية المركزة، حتى نطمئن على حياته".

ويواصل المعلم طه حديثه عن طلابه قائلاً: "بالنسبة إلى طلابي، ينظرون إلي باعتباري من فدى هذا الوطن وضحى من أجله، وأعتبر نفسي تجربة حية أمامهم".

معاناة النزوح

يقول المعلم طه في حديثه عن النزوح: "صعب جداً، فهو فراق لبيتك وأرضك. خرجنا هذه المرة ولا نملك حتى الثياب التي نرتديها، لكن أبناء جبل حبشي استقبلونا كالأنصار، ووفروا لنا ولأكثر من 150 أسرة نازحة الفرش والماء والمأوى".

ويضيف أنه اضطر إلى النزوح ثلاث مرات، مرة هرباً من الحرب، وأخرى من أجل التعليم. وبعد تسجيل المقابلة الصحافية، تواصلنا معه مجدداً، فأخبرنا بأنه اضطر إلى النزوح مرة أخرى، بعدما وصلت نيران المواجهات بين ميليشيات الحوثي والقوات الحكومية إلى ريف جبل حبشي.

رسالة التعليم

يواصل المعلم طه حديثه قائلاً: "رسالة التعليم لا تقاس بثمن ولا تقاس بالراتب، صحيح أن المعلم الآن يعاني قلة الراتب ويعاني النزوح، وأنا تحديداً أعاني هذه الأمور الثلاثة، لكنني تحملت هذه المعاناة وتحديت نفسي لأواصل رسالتي. إلا إذا قطع لساني، عندها فقط يمكن أن أتوقف عن مواصلة رسالة التعليم".

ويضيف: "أنا أعاني قلة الراتب، وأعاني النزوح، وأعاني فقدان نصف جسدي، ولكن والله لن أغيب يوماً عن المدرسة. أول ما وصلت إلى جبل حبشي، بدأت أبحث عن أية مدرسة فيها طلاب يدرسون لأذهب وأؤدي رسالتي التعليمية، حتى يرتاح ضميري. فإذا كانت الهجرة والنزوح توقف الرسالة، لتوقف أبونا إبراهيم عليه السلام عندما هاجر، أو لتوقف محمد صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة إلى المدينة".

رسالة للمجلس الرئاسي اليمني 

وفي رسالة إلى المجلس الرئاسي اليمني، دعا طه إلى تجاوز الخلافات والاهتمام بالتعليم بوصفه أولوية، محذراً من أن إهماله اليوم سينعكس على مستقبل الأجيال المقبلة.

ويقول: "هذا الطالب اليوم مشرد، لا مدرسة لديه، ولا كتاب، ولا معلم متوفر، وهذه مسؤولية يجب الالتفات إليها قبل أن ندفع ثمنها مستقبلاً".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير