ملخص
تشهد سوق العقارات الفاخرة في لندن حالة من الجمود، مع اضطرار ملاك منازل تقدر قيمتها بملايين الجنيهات إلى خفض أسعارها بصورة كبيرة لجذب المشترين، في ظل تراجع الطلب وارتفاع كلفة الاقتراض والضرائب.
واجهة شقة جورجية أنيقة، وشرفة تمتد على كامل العقار، وعنوان حصري في ساوث كنسينغتون على بعد خطوات من متحف التاريخ الطبيعي ومتحف "فيكتوريا وألبرت". ومع ذلك، انخفض سعرها المطلوب في "كوينز غيت غاردنز" بغرب لندن بنحو مليون جنيه استرليني (1.3 مليون دولار) منذ العام الماضي، ليصل إلى 4.4 مليون جنيه استرليني (5.8 مليون دولار).
ولا تمثل هذه الحالة استثناء في سوق العقارات الفاخرة بالعاصمة البريطانية، إذ قال وكيل عقارات محلي إن سعر منزل قريب كان معروضاً في الأصل في مقابل 20 مليون جنيه استرليني (26.4 مليون دولار) خفض إلى 14 مليون جنيه استرليني (14.8 مليون دولار) هذا العام.
وفي نوتينغ هيل المجاورة، عرض عقار ذو واجهة من الجص للبيع قبل عامين في مقابل 16 مليون جنيه استرليني (21.1 مليون دولار)، لكنه أصبح معروضاً الآن بأقل من 14 مليون جنيه استرليني (18.4 مليون دولار).
ويبدو أن سوق العقارات الفاخرة في لندن عالقة في حالة من الجمود، في وقت تضغط فيه كلفة الاقتراض وتراجع القدرة على تحمل الأسعار على المشترين العاديين، بينما يضطر حتى أغنى سكان العاصمة إلى إجراء تخفيضات كبيرة على أسعار منازلهم التي تقدر بملايين الجنيهات.
لندن تتراجع عن بقية السوق
ويختلف أداء هذا القطاع بصورة كبيرة عن سوق العقارات البريطانية الأوسع، إذ بلغ متوسط سعر المنزل أقل بقليل من 275 ألف جنيه استرليني (363.2 ألف دولار) في سبتمبر (أيلول) الماضي، وفق بيانات "نيشن وايد".
وتقدم الأحياء الثرية في لندن صورة مغايرة تماماً لأجزاء واسعة من العاصمة، إذ يواجه السكان صعوبة في دخول سوق الإسكان، وارتفاعاً في الإيجارات ونقصاً في المساكن ذات الأسعار الملائمة.
وقال وكيل شراء العقارات في بلغريفيا هاري داوز، لصحيفة "الغارديان" إن حتى مناطق مثل نايتسبريدج، المحاذية لحديقة هايد بارك التي تضم متجر هارودز الشهير، بدأت تشعر بضغوط السوق. وأضاف أن شقة في شارع بونت ستريت، على بعد خمس دقائق سيراً من هارودز، بيعت في مقابل 4.4 مليون جنيه استرليني (5.8 مليون دولار) في عام 2014، ثم بيعت لاحقاً في مقابل 3.5 مليون جنيه استرليني (4.6 مليون دولار)، بينما يمكن شراؤها الآن في مقابل 2.5 مليون جنيه استرليني (3.3 مليون دولار) فحسب.
انفجار فقاعة الأسعار
على مدى عقود، ارتفعت أسعار العقارات في لندن بوتيرة أسرع بكثير من المتوسط الوطني، لكن هذه الفجوة بدأت تضيق تدريجاً.
وارتفع متوسط سعر المنزل في بريطانيا بنحو اثنين في المئة خلال العام المنتهي في يونيو (حزيران) الماضي، بينما انخفضت الأسعار في أحياء لندن الداخلية بنسبة 8.3 في المئة، وفق مكتب الإحصاءات الوطنية.
وكان التراجع أكثر حدة في وستمنستر، التي تضم مناطق مثل مارليبون وبلغريفيا ومايفير، إذ انخفضت الأسعار فيها بنسبة 25.4 في المئة على أساس سنوي.
وفي حي المال "سيتي أوف لندن"، تراجعت الأسعار بنسبة 20.4 في المئة، بينما انخفضت في كنسينغتون وتشيلسي بنسبة 14.7 في المئة.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة تحليل البيانات العقارية "لون ريز" أنتوني باين إن عقارات العاصمة أصبحت مبالغاً في تقييمها خلال منتصف العقد الماضي، بعد فترة من الارتفاع السريع للأسعار.
ثم تعرضت لندن لضغوط قوية نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجائحة كورونا، وزيادة الضرائب العقارية، وارتفاع كلفة الاقتراض.
وبحسب تقديرات شركة "سافيلز" العقارية، يواجه المالكون الذين اشتروا عقاراتهم عند ذروة السوق خسائر تصل إلى 25 في المئة إذا قرروا البيع الآن.
أضاف باين أن لندن استفادت بصورة كبيرة من الاستثمارات والمشترين الدوليين الذين كانوا ينظرون إلى العقارات فيها، باعتبارها وسيلة لحفظ الثروة وتحقيق الأرباح، مضيفاً أن هؤلاء كانوا من العوامل التي أسهمت في تضخيم السوق، لكن "مزيداً ومزيداً منهم يغادرونه الآن".
خروج الأثرياء وتغييرات الضرائب
وقال العضو المنتدب لشركة العقارات فائقة الفخامة "بوشامب إستيتس" جيريمي جي، التي تضم محفظتها عقاراً فرعياً على السطح يطل على هايد بارك وتبلغ قيمته 42 مليون جنيه استرليني (55.4 مليون دولار)، إن تراجع السوق يعود جزئياً لخروج مجموعات من أصحاب الثروات الفائقة من بريطانيا، وأضاف أن إلغاء نظام "غير المقيمين" ضريبياً كان عاملاً مهماً في هذا الاتجاه، ولفت إلى أن "هناك شريحة من المجتمع غادرت بريطانيا أخيراً لأسباب كثيرة، لكن الضرائب كانت السبب الرئيس".
أضاف أنه عندما يكون عدد المشترين محدوداً في مقابل وجود عدد كبير من العقارات المعروضة، تصبح الأسعار أكثر ضعفاً، مشيراً إلى أن كثيراً من البائعين قرروا إنهاء استثماراتهم وبيع العقارات والمضي قدماً، وتابع أن التغييرات الضريبية زادت من قلق البائعين، بعدما أعلنت وزيرة الخزانة البريطانية السابقة راشيل ريفز العام الماضي خططاً لفرض "ضريبة القصور" على المنازل التي تتجاوز قيمتها مليوني جنيه استرليني (2.6 مليون دولار)، وأدى هذا القلق إلى تباطؤ في الشرائح الأعلى من سوق العقارات في لندن.
وبحسب "لون ريز"، أمضت العقارات الفاخرة في المتوسط 186 يوماً في السوق خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بـ178 يوماً خلال الفترة نفسها من عام 2025.
وخلال الفترة نفسها، ارتفع متوسط الخصم عن السعر المطلوب من 8.3 إلى 10.4 في المئة، في مؤشر إلى زيادة استعداد البائعين لقبول عروض أقل بكثير من الأسعار المعلنة.
وقال داوز إن البائعين، الذين يحتفظون بهذه العقارات عادة لمدة لا تقل عن عقد، "لا يحبون الأمر، لكن عليهم قبوله"، وأضاف أن المالكين الأكبر سناً يضطرون إلى النظر إلى العقار من منظور طويل الأجل، وقبول أن الصفقة الأخيرة قد لا تبدو جيدة من ناحية الربح والخسارة، وأشار إلى أنه اشترى العام الماضي ثلاث شقق لأبناء أحد العملاء، اثنتان في تشيلسي وواحدة في نوتينغ هيل، وكانت جميع العقارات تباع بخسارة بالنسبة إلى ملاكها السابقين.
سوق منقسمة بين العقارات المميزة والبقية
وعلى رغم الخصومات التي تصل إلى ملايين الجنيهات، قال رئيس مبيعات العقارات فائقة الفخامة في لندن لدى شركة "نايت فرانك" ستيوارت بيلي إن هناك مشترين لا يزالون مستعدين لدفع أكثر من السعر المطلوب في مقابل العقارات "الأفضل في فئتها".
وأوضح أن العقار الذي يتمتع بعنوان مميز وإطلالات جميلة، وتصميم متقن وتجديد حديث يمكن أن يجذب طلباً قوياً، وأضاف أن السوق أصبحت مقسومة بصورة حادة بين العقارات التي تستحق سعراً مرتفعاً وتلك التي تباع بخصومات، قائلاً إن العقارات المخفضة هي التي تسحب السوق إلى الأسفل.
وقال بيلي إن البائعين أصبحوا أكثر واقعية في شأن قرار البيع، ولا يرون نمواً كبيراً في الأسعار في الأفق، وتابع أن وجود حكومة عمالية يثير دائماً مخاوف من احتمال فرض نوع من ضرائب الثروة، لكنه أشار إلى أن كثيراً من الأثرياء يتقبلون كلفة الضرائب، ويدركون أن لندن ببساطة مدينة مرتفعة الكلفة للعيش فيها.
المشترون الدوليون لا يزالون حاضرين
وقالت الشريكة الإدارية والمؤسسة لشركة "بلاك بريك بروبرتي سوليوشنز" كاميلا ديل، للصحيفة إن الطلب لا يزال قوياً من قاعدة واسعة من المشترين الدوليين، بمن فيهم الأميركيون والسنغافوريون والنيجيريون، وأضافت أن السياسة نادراً ما تكون محوراً في محادثات المشترين.ولفتت إلى أن معظم المشترين يدركون أن بريطانيا لا تتمتع بأفضل مستوى من الاستقرار السياسي، لكنهم مع ذلك يريدون العيش فيها، مشيرة إلى أن استبعاد رئيس الوزراء آندي بيرنهام إجراء تغييرات واسعة على الضرائب العقارية في الموازنة المقبلة ساعد أيضاً في تهدئة بعض المخاوف.
ويتناقض ضعف أسعار العقارات في لندن بصورة واضحة مع مدن مثل سان فرانسيسكو ولشبونة، اللتين استفادتا من ازدهار الثروة في قطاع التكنولوجيا.
وارتفعت الأسعار في المدينتين بنسبة 4.8 و3.3 في المئة على التوالي، خلال النصف الأول من العام الحالي.
أما طوكيو فكانت الاستثناء الأبرز عالمياً، إذ ارتفعت أسعار العقارات فيها بنسبة سبعة في المئة، مع إقبال المشترين الدوليين على العقارات الفاخرة مستفيدين من ضعف الين، في وقت تعاني فيه السوق أصلاً نقصاً في المعروض.
وفي المقابل، تضررت سوق العقارات الفاخرة في برلين، التي سجلت أسوأ أداء في أوروبا، نتيجة ارتفاع كلفة الاقتراض وضعف النمو الاقتصادي.
نشاط قوي في سوق "العقارات النادرة"
في حين تتعرض شريحة العقارات التي تقدر قيمتها بملايين الجنيهات لضغوط، يشهد الطرف الأعلى من السوق، المعروف بسوق "العقارات فائقة الفخامة"، نشاطاً قوياً.
فقد باع الملياردير والمتبرع لحزب "ريفورم يو كي" نيك كاندي منزله في تشيلسي بأكثر من 270 مليون جنيه استرليني (356.6 مليون دولار) هذا العام، في صفقة يعتقد أنها الأكبر في تاريخ سوق العقارات البريطانية لمنزل واحد.
وفي الوقت نفسه، يقترب قصر "هولم"، الذي يضم 40 غرفة داخل ريجنتس بارك، من صفقة بيع تقدر بنحو 190 مليون جنيه استرليني (118.8 مليون دولار)، أي بعد أقل من عامين على بيعه في مقابل 139 مليون جنيه استرليني (183.6 مليون دولار) في 2024.
وقال وكيل العقارات هاري داوز إن سوق العقارات فائقة الفخامة شهدت عدداً من الصفقات الكبيرة جداً، وإن هؤلاء المشترين يبحثون عادة عن منازل عائلية طويلة الأجل وأصول عقارية نادرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبالنسبة إلى وكلاء العقارات، يمكن أن تصل عمولتهم في هذه الصفقات، التي تبلغ عادة نحو اثنين في المئة، إلى ملايين الجنيهات.
وارتفعت مبيعات المنازل التي يبلغ سعرها 10 ملايين جنيه استرليني (13.2 مليون دولار) أو أكثر بنسبة 50 في المئة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو (حزيران) 2026، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وفق شركة التطوير العقاري "جيه إل إل".
كما وجدت "سافيلز" أن الصفقات في فئة العقارات التي تتراوح قيمتها بين 15 و20 مليون جنيه استرليني (19.8 و 24.4 مليون دولار) ارتفعت بنحو 40 في المئة خلال الربع الثاني من العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
الأثرياء يفضلون الإيجار على الشراء
ويسهم ظهور موجة جديدة من أصحاب الملايين الذين جمعوا ثرواتهم حديثاً من قطاع التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي أيضاً في تغيير اتجاهات تجديد المنازل.
وقالت شركة التصميم الداخلي "نو بروجيكتس" إن هناك طلباً متزايداً على دور السينما المنزلية، وغرف البخار والساونا ومساحات مخصصة لليوغا والتأمل.
لكن كثيراً من الأثرياء لا يزالون يفضلون الانتظار، إذ تقول شركة العقارات فائقة الفخامة "بوشامب إستيتس" إن سبعة من كل 10 من عملائها في قطاع العقارات فائقة الفخامة يختارون حالياً الاستئجار بدلاً من الشراء.
ويعود ذلك لرغبتهم في توفير كلفة الصيانة وضريبة الدمغة ورسوم الخدمات والضرائب العقارية، إضافة إلى القلق من احتمال فرض الحكومة ضرائب أعلى على العقارات والثروة والمعاشات.
ودفع هذا التحول مخزون العقارات الفاخرة المتاحة للإيجار إلى مستويات شحيحة، في حين ارتفعت الأسعار في هذه السوق بنسبة 1.6 في المئة خلال العام المنتهي في يونيو الماضي، وفق "سافيلز".
كما ارتفعت عقود الإيجار الباهظة، التي يدفع فيها المستأجرون ما لا يقل عن 5 آلاف جنيه استرليني (6 آلاف دولار) أسبوعياً، بنسبة 17 في المئة العام الماضي، بحسب "نايت فرانك".
القوة تنتقل إلى المشترين
وأدى التنافس الشديد على العقارات "الأفضل في فئتها" إلى استمرار المنافسة القوية بين المشترين الأكثر انتقائية، حتى في سوق هشة، وفق مستشارين عقاريين.
وقال جيريمي جي إن الطلب لا يزال موجوداً من المشترين الأجانب الراغبين في اقتناء أصول عقارية نادرة وعالية الجودة، وإن المشترين الأميركيين والشرق أوسطيين يدعمون هذا الجزء من السوق.
لكن الوضع يختلف في الشرائح الأدنى، خصوصاً العقارات المستعملة التي تحتاج إلى بعض أعمال التجديد، التي كان من المعتاد أن تجد مشترياً محلياً بسهولة أكبر.
ولا تزال توقعات السوق الأوسع للعقارات الفاخرة أقل تفاؤلاً، إذ خفضت شركة "سترات آند باركر" توقعاتها لنمو أسعار العقارات في وسط لندن الفاخر إلى 4.4 في المئة بحلول عام 2030، مقارنة بتقديرات تراوحت بين تسعة و12 في المئة في بداية العام، وقال أنتوني باين إن ميزان القوة لا يزال لمصلحة المشترين في سوق لندن.
أضاف أن بعض العقارات المعروضة حالياً تقدم قيمة استثنائية في مقابل المال، لكنه خلص إلى أنه "لا يعتقد أن السوق وصلت إلى القاع بعد".