Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا تبقى من غزة؟

3 سنوات من الحرب غيرت صورة الأحياء وأضعفت وظائفها وبدلت خريطة سكانها وأصابت الأماكن التي تحمل ذاكرتها

تظهر صور الأقمار الإصطناعية حجم التغير إذ قدرت أن نحو 83 في المئة من مباني مدينة غزة كانت متضررة (اندبندنت عربية)

ملخص

لم تتغير صورة المكان فقط، بل تغيرت وظائف أحيائه، وتحرك سكانه، وتضررت الأماكن التي تحمل ذاكرته، كيف تبدو غزة بعد 3 سنوات من الحرب؟

في غزة، لم نكن بحاجة إلى خريطة لنعرف الطريق، كنا نعرف الأماكن من علاماتها، شجرة معمرة، مخبز معروف، بنك عند زاوية شارع، عمارة مرتفعة، أو صف من الأبراج يكفي أن تراه من بعيد حتى تعرف أنك وصلت إلى الحي الذي تريده.

كانت غزة، قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أكثر من مساحة ضيقة على ساحل البحر، كانت مدناً وأحياءً ومخيمات متجاورة، وأسواقاً تستقبل الناس كل صباح، وأراضي زراعية تمتد على أطراف العمران، ومصانع وورشاً صغيرة، وجامعات ومستشفيات.

كان العمران نفسه متنوعاً، فيها مبان مرتفعة وأخرى منخفضة، ومبانٍ تاريخية ودينية، ومخيمات للاجئين تطورت عبر عقود، ومنشآت صناعية وأراضٍ زراعية.

ولم تكن غزة بلا أزمات، فالكثافة السكانية والحصار ونقص الخدمات والبطالة كانت جزءاً من حياتها قبل الحرب، لكن المكان كان معروفاً لسكانه، لكل حي علاماته، ولكل شارع ذاكرته.

علامات لا تحتاج إلى خريطة

في تل الهوى، كنت أعرف أنني وصلت إلى الحي عندما أصل إلى البنك عند بداية الشارع، كان المصرف بالنسبة لي أكثر من مبنى، كان علامة الدخول إلى تل الهوى، مبنى بارزاً له واجهة مميزة، وأمامه عتبة كبيرة كنا نجلس عليها أحياناً، إلى جواره كان بائع خضراوات، ومن هناك يبدأ المشهد الذي حفظته سنوات.

 

 

أبراج متراصة ومتناسقة ومتجاورة في صفوف، وكل برج منها يقارب سبع طبقات، وأسواق ومطاعم ومدارس وجوامع، وشارع كنت أستخدمه كثيراً.

ومن عتبة البنك كنت أرى حركة المكان، بائع الخضار ينادي على بضاعته، الناس يخرجون من المصرف ويمرون في الشارع، السيارات تتحرك باستمرار، وفي الخلفية حديقة والأبراج تصنع المشهد الذي كنت أعرفه.

لم يكن ذلك شيئاً استثنائياً وقتها، كانت هذه ببساطة حياة المكان، وهكذا نحفظ مدننا، بما نراه ونحن نعبرها، وبالأشياء التي نعرف أنها ستكون هناك عندما نصل.

لم نعد نعرف المكان

عندما سمحت إسرائيل بالعودة إلى تل الهوى، عدت إلى المكان الذي أحبه، وأول ما رأيته لم يكن الحي الذي أعرفه، كان أمامي صف كامل من الأبراج التي حفظت شكلها لسنوات قد سقط، ستة أو سبعة أبراج تقريباً لم تعد قائمة كما كانت، وبقي جزء من برج واقفاً يحجب ما كان وراءه.

نظرت إلى المشهد وقلت لنفسي "مستحيل تكون هذه تل الهوى"، لم أكن أبحث عن بيتي فقط، كنت أبحث عن العلامات التي كنت أعرف بها المكان، عن البنك، عن الأبراج، عن المخبز، عن الشارع.

لكن المشهد الذي أعرفه لم يعد موجوداً بالطريقة نفسها، الشارع الذي كنت أعرفه كان محفوراً ومساره تغير، والرمل غطى أجزاء منه، واختفت أعمدة الإنارة، وواجهة البنك التي كنت أحفظ شكلها تكسرت، والمبنى الذي كان بالنسبة إلي علامة واضحة على بداية تل الهوى لم يعد يبدو كما كان.

حتى لون المكان تغير، المنطقة التي كنت أراها من عتبة البنك، بحجرها وواجهاتها وحركتها، بدت رمادية ومفتوحة على الفراغ، مشيت وأنا أسأل الناس "أين أنا، أين المخبز؟" كنت أسأل عن أماكن كنت أعرفها من دون أن أسأل عنها.

وهنا تحديداً فهمت أن شيئاً أكبر من المباني قد تغير، ثلاث سنوات من الحرب مسحت العلامات التي تساعد الغزي على التعرف إلى المكان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقول الباحثة المعمارية يارا شريف "بعد ثلاث سنوات من الحرب، تبين أن غزة خسرت ما هو أبعد من المباني التاريخية، الدمار طال أيضاً الممارسات الثقافية والاجتماعية التي كانت تحدث داخل الأحياء والتفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، وأن الذاكرة البصرية للمكان غمرتها صور الدمار والأنقاض والفراغ".

ما حدث في تل الهوى لم يكن حالة تخصني وحدي، في الزيتون، أحد أقدم أحياء مدينة غزة، كان السكان يعودون إلى مكان عرفوه لعقود ليجدوا أجزاءً واسعة منه مختلفة عن ذاكرتهم، كما حدث مع فريال أحمد.

تحدثت فريال أحمد عن انهيار سقف منزلها فوق أسرتها، وتغير ملامح شارعها بعد تدمير معظم العلامات التي تحفظها، تقول "كان الحي معروفاً بأسواقه وبساتين الزيتون وبالعلاقات التي ربطت عائلاته ببعضها".

حجم الضرر  

تظهر صور الأقمار الإصطناعية التي التقطها مركز الأمم المتحدة حجم هذا التغير من زاوية أخرى، إذ قدرت أن نحو 83 في المئة من مباني مدينة غزة كانت متضررة.

وسجل التقييم تضرر أكثر من 41 ألف مبنى، بينها نحو 17.7 ألف مبنى مصنفاً مدمراً، فيما توزعت بقية الأضرار بين شديدة ومتوسطة ومحتملة، وفي مدينة غزة وحدها، تضررت 81.159 وحدة سكنية.

 

 

هذه الأرقام لا تستطيع أن تخبرنا كيف يبدو الزيتون في ذاكرة فريال أحمد التي عاشت في هذا الحي نحو 35 عاماً، لكنها تساعد على فهم حجم ما رأته عندما عادت إلى المكان الذي سكنته منذ طفولتها.

وفي الشجاعية، يظهر التغير من زاوية أخرى، ليس فقط في صورة المباني، بل في عدد الناس الذين بقوا بعد غياب معالم الحي الذي كان من أكثر مناطق غزة اكتظاظاً.

وبحسب تقرير نشرته الإذاعة الوطنية العامة الأميركية، كان عدد العائلات التي بقيت في الشجاعية أقل من 50 عائلة، بعدما كان الحي يضم أكثر من 100 ألف نسمة قبل الحرب.

يعيش سعيد الحطاب وزوجته في محل بالطابق الأرضي على أطراف حي الشجاعية بالقرب من الخط الأصفر، يقول "العائلة نزحت مرات عدة، ولم تجد مكاناً آخر تذهب إليه، فقررت البقاء هناك".

يضيف سعيد "لم تعد في المنطقة عيادات أو مخابز أو متاجر، وأصبح أقرب مصدر لمياه الشرب على بعد نحو نصف ساعة سيراً".

ويتابع "الخروج إلى الشارع يحمل خوفاً دائماً، لا نعرف كيف نعيش، بعدما نزحت العائلة مرات عدة ولم تجد مكاناً آخر تذهب إليه قررنا البقاء هنا".

بالنسبة إلى سعيد، البيت يمكن أن ينهار، لكن الحي الذي عاش فيه لا يفقد معناه بسهولة، يقول "يبدأ التغير عندما تختفي البيوت والأسواق والعيادات والمخابز، وتتقطع الطرق، ويصبح الحصول على الماء نفسه رحلة".

ويضيف "الخروج بعد غروب الشمس أصبح مخيفاً وخطيراً، الشجاعية لم تختف من الخريطة، لكن ما يجعل الحي يعيش ليس وجود اسمه على الخريطة فقط، بل سكانه وبيوته ومعالمه التي نحفظها، كلها اختفت".

وعلى مستوى قطاع غزة، قدر تقييم مركز الأمم المتحدة للأقمار الإصطناعية أن نحو 81 في المئة من مباني القطاع بأكمله تضررت، ويشمل ذلك أكثر من 123 ألف مبنى مصنفة مدمرة بالكامل، وما يزيد على 198 ألف مبنى ضمن فئات الضرر المختلفة.

وحتى الطرق التي كانت تربط الأحياء ببعضها دخلت في هذا التغيير، إذ يقدر مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية أن نحو 77 في المئة من شبكة الطرق في غزة كانت متضررة.

ولم ينظر برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى أحياء غزة باعتبارها مجموعة مبانٍ متضررة فقط، بل حاول قياس قدرتها على أداء وظائفها، من السكن والبنية التحتية والخدمات إلى الحركة والمرافق العامة وحياة السكان، وخلص تقييمه إلى أن أكثر من 95 في المئة من أحياء غزة تقع ضمن مستويات منخفضة أو منخفضة جداً أو شديدة الانخفاض من حيث الوظائف.

 

 

بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد الخسارة في صورة المباني وحدها، بل في العلامات التي كان الناس يعرفون بها أحياءهم، وفي الطرق التي كانت تصل بينها، وفي قدرة المكان على أن يبقى مفهوماً ومألوفاً لسكانه.

وإذا كان الإنسان يستطيع أن يعود إلى حي عاش فيه سنوات، ثم يحتاج إلى أن يسأل الآخرين "أين نحن؟"، فالسؤال التالي يصبح أكثر صعوبة: إذا كان المكان قد بقي في بعض أجزائه واقفاً، فهل بقي قادراً على الحياة كما كان؟

المكان لم يعد يعمل كما كان

في حي النصر بمدينة غزة، انتظر الحاج ربحي الفيري أكثر من أربع ساعات مع أطفاله وجيرانه حتى يأتي دورهم لاستخدام مولد كهربائي صغير.

لم يكن ينتظر التيار لإنارة البيت، كان ينتظر دقائق قليلة تكفي لتشغيل مضخة المياه ورفع الماء إلى الخزان فوق المنزل شبه المدمر.

يشغل صاحب المولد محركه، يضبط المؤقت، وتحصل كل عائلة على دقائق محدودة قبل أن ينتقل إلى المنزل التالي، يقول الفيري "لدينا مضخة ماء قديمة، لكن لا توجد كهرباء لتشغيلها، لذلك نضطر إلى استئجار مولد".

المضخة ما زالت في مكانها، والخزان فوق البيت، لكن الطريقة التي كانت تجعل المياه تصل إلى المنزل تغيرت، لم يعد الحصول على الماء وظيفة عادية من وظائف الحي، بل أصبح خدمة تحتاج إلى مولد ووقود وانتظار ودور.

هذه واحدة من الصور التي تشرح ماذا فعلت ثلاث سنوات من الحرب في طريقة عمل المكان، الخدمة لم تختف تماماً، لكن الطريق إليها أصبح أطول وأصعب وأكثر كلفة.

في غزة، يقدر المتحدث باسم البلدية حسني مهنا حاجة المدينة في الصيف بنحو 100 ألف متر مكعب من المياه يومياً، بينما لا يتوفر منها سوى نحو 30 ألف متر مكعب.

ويقول مهنا "85 في المئة من الآبار المركزية في المدينة تضررت، كما تضرر أكثر من 150 ألف متر طولي من شبكات توزيع المياه".

 

 

ولا تظهر المشكلة فقط في حجم الدمار، بل في قدرة ما بقي من خدمات على الاستمرار، فبعد إصلاح 19 منشأة للمياه والصرف الصحي، أصبحت هذه المنشآت قابلة للتشغيل من الناحية الفنية، لكنها ظلت تعمل بقدرة محدودة بسبب نقص الكهرباء.

وعلى مستوى قطاع غزة، لا تزال محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست خارج الخدمة، فيما 70 في المئة من محطات ضخ الصرف الصحي متوقفة، ما يعني استمرار تصريف أكثر من 150 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة يومياً.

هنا تظهر مشكلة الطاقة، فمنذ بداية الحرب انقطعت الكهرباء العامة عن قطاع غزة، وأصبحت المولدات ومصادر الطاقة المحدودة هي التي تشغل أجزاءً من منظومة المياه والصرف الصحي والمستشفيات والاتصالات وغيرها من الخدمات.

وبعد ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد المشكلة أن الكهرباء لا تصل إلى البيت فقط، وإنما في تراجع قدرة الخدمات المرتبطة بها على العمل.

المستشفى بنصف طاقته

المستشفى يعمل بنصف وظيفته، إذ بحسب منظمة الصحة العالمية كان 19 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في قطاع غزة يعمل بصورة جزئية، ولم يكن أي مستشفى يعمل بكامل طاقته.

وبحسب دراسة اعتمدت على بيانات منظمة الصحة العالمية، انخفضت وظيفة منظومة المستشفيات في غزة إلى 13.9 في المئة، وهذا يكشف حجم الانهيار الذي أصاب قدرة المنظومة الطبية على أداء وظائفها.

ويقول اختصاصي الأمراض الباطنية في مستشفى ناصر أحمد النبريص "انقطاع الكهرباء ونقص زيوت تشغيل المولدات يهددان عمل أجهزة أساسية، خصوصاً أجهزة التنفس وأجهزة الاستنشاق".

المستشفى قد يبقى قائماً، والطبيب قد يبقى في مكانه، والسرير قد يبقى موجوداً، لكن المكان لا يؤدي الوظيفة نفسها التي كان يؤديها.

عادت المدرسة، لكن أين هي؟

وفي التعليم، عادت الخدمة أيضاً، لكن ليس إلى المدارس التي عرفها الطلاب قبل الحرب، إذ بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) فإن نحو 98 في المئة من مباني المدارس تضررت أو دمرت، بينما تضررت أو دمرت أو أصبحت غير متاحة 86 في المئة من رياض الأطفال التي جرى تقييمها.

وكان نحو 495 ألف طفل مسجلين في مساحات تعليمية تدعمها الأمم المتحدة وشركاؤها، بينما ظل نحو 200 ألف طفل خارج أي صورة من صور التعليم المنظم.

تقول المعلمة رجاء النباهين "المدارس قبل الحرب كانت تملك المقاعد والكتب والقرطاسية، أما الآن فحتى هذه الأشياء الأساس غير متوفرة في كثير من الأماكن".

 

 

 

عاد التعليم، لكن المدرسة لم تعد بالضرورة هي المكان الذي يعود إليه الطالب. تحولت خيام ومساحات موقتة إلى أماكن للتعليم، بينما بقيت مدارس متضررة أو غير قابلة للاستخدام.

السوق فتح أبوابه لكن ماذا عن الناس؟

وفي الأسواق، تبدو الصورة مختلفة للوهلة الأولى، هناك متاجر فتحت أبوابها، وشاحنات تدخل القطاع، وأصناف من البضائع أصبحت متوفرة بعد فترات طويلة من النقص.

لكن وجود البضاعة لم يعد يعني أن السوق عاد إلى ما كان عليه. يقول ماهر الخضري، صاحب متجر في مدينة غزة "نمط الشراء تغير، بعض الزبائن باتوا يطلبون شراء حاجاتهم بالدين".

وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، فإن وجود المواد الغذائية في الأسواق لا يعني قدرة الأسر على الوصول إليها، في ظل فقدان مصادر الدخل وارتفاع الأسعار وتآكل المدخرات واعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات.

ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بقي التضخم عند نحو 207 في المئة فوق مستويات ما قبل أكتوبر 2023.

جرد الخسارة الاقتصادية أوسع، فقد قدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن نحو 92 في المئة من المنشآت الاقتصادية في غزة تضررت أو دمرت منذ بداية الحرب، بينما بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمال نحو 212 دولاراً، أي 17 في المئة فقط من مستواه في 2022، وبلغت البطالة نحو 78 في المئة.

لذلك، فإن عودة البضاعة إلى الرفوف لا تعني عودة الاقتصاد، السوق يعمل، لكن بقدرة شراء أضعف، وبعدد أقل من المنشآت، وبأسر فقدت مصادر دخلها ومدخراتها. بعد ثلاث سنوات من الحرب، يمكن أن يبدو المكان قائماً، لكنه فقد كثيراً من وظائفه الأساس، وهنا يصبح السؤال التالي: أين أصبح السكان يعيشون بعد ثلاث سنوات من الحرب؟

حين تغير سكان المكان

عندما عاد خالد مع أسرته إلى الحي السكني الذي كان فيه منزلهم في مدينة غزة، لم يجد البيت الذي خرج منه، وضع خيمة فوق الركام، وبقي قريباً من المكان الذي عاش فيه قبل الحرب.

لم تكن العودة بالنسبة إليه عودة إلى منزل، وإنما إلى قطعة الأرض التي بقيت من حياته، يقول خالد "البقاء بالقرب من المكان الذي كان بيتي فيه يجعلني أبقى في أرضي وهويتي".

خالد واحد من صور كثيرة تغيرت معها علاقة سكان غزة بأماكنهم خلال ثلاث سنوات من الحرب، بعضهم نزح إلى الجنوب ثم عاد شمالاً، وبعضهم تنقل بين أكثر من مكان، وآخرون عادوا إلى مبانٍ متضررة لأنهم لم يجدوا مكاناً آخر يعيشون فيه.

في غزة، لم يعد النزوح انتقالاً واحداً من مكان إلى آخر، بل أصبح مساراً طويلاً يتغير خلاله مكان السكن أكثر من مرة، ومع كل انتقال، كان جزء من خريطة الحياة يتغير أيضاً.

خريطة سكان جديدة

بحسب تقييم برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، يعيش نحو 1.4 مليون شخص، أي نحو ثلثي سكان قطاع غزة، في نحو ألف موقع نزوح.

لم تتوزع هذه المواقع بالتساوي، كان 46 في المئة منها في خان يونس، و29 في المئة في دير البلح، و16 في المئة في محافظة غزة، وسبعة في المئة في شمال غزة، واثنان في المئة فقط على أطراف رفح.

هذه البيانات تكشف كيف تحركت الخريطة السكانية للقطاع خلال الحرب، بعد أن كانوا موزعين قبل الحرب على أحياء ومدن، أصبح جزء كبير منهم يعيش في مواقع نزوح لم تكن في الأصل جزءاً من خريطة سكنهم.

وتغيرت هذه الخريطة أكثر من مرة مع تغير خطوط النزوح والعودة، ففي الفترة التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، غير نحو 833 ألف شخص أماكنهم، بينهم أكثر من 694 ألف شخص تحركوا من الجنوب باتجاه الشمال، وفق برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.

 

 

لكن التحرك شمالاً كان يعني العودة إلى مكان لم يعد مألوفاً، عاد السكان إلى مناطقهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام أحياء تغيرت ملامحها، وبيوت لم تعد صالحة للسكن.

يعيش أسامة علي في مبنى متضرر، بعدما وجد أن الخيارات أمامه محدودة، يقول "قضت ثلاث سنوات من الحرب على خريطة غزة العمرانية، تغير شكل المدينة وتبدل كثيراً، لا أجد مكاناً آخر أذهب إليه، كل المناطق مدمرة".

بالنسبة إليه، لم تكن المشكلة في العودة فقط، بل في المكان الذي عاد إليه، يضيف "أعيش في مكان لا أعرفه، وسط حي لم أدخله في حياتي، وفي بناية متضررة لا أعرف سكانها الأصليين".

يصمت قليلاً ويتابع "الحرب جعلتني غريباً في مدينتي، أشعر كأنني لا أعرف مناطقها ولا أحياءها".

في الواقع، النزوح لم يحدث مرة واحدة، حيث أظهرت دراسة لصندوق الأمم المتحدة للسكان أن الغزيين جربوا النزوح خلال سنوات الحرب بما متوسطه سبع مرات.

غادرت سهام جودة مع أسرتها جباليا، وتنقلت الأسرة بين أماكن مختلفة حتى وصلت إلى مخيم غرب مدينة غزة، بعدما نزحت 10 مرات.

في كل مرة كانت سهام تترك مكاناً وتبدأ في مكان آخر، من دون أن تعرف إن كانت ستبقى فيه أياماً أم أسابيع، ومن دون أن تعرف ما إذا كان المكان التالي سيكون أكثر أمناً أو أنه سيكون محطة أخرى في سلسلة النزوح.

ولم يتغير مكان السكان فقط، بل تغيرت بعض البنى التي كانت تشكل حياتهم داخله، حيث تضاعف عدد الأسر التي تعيلها نساء منذ أكتوبر 2023، ليصل إلى نحو 86 ألف أسرة، وفق بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة نقلتها الأمم المتحدة.

الرقم لا يصف النزوح بحد ذاته، لكنه يكشف جانباً آخر من التغيير الذي أصاب السكان خلال ثلاث سنوات من الحرب، وغير خريطة أماكنهم وعلاقتهم بالأحياء التي كانوا يعيشون فيها.

الأماكن التي غادرها الناس لم تغادرهم، بقيت حاضرة في ذاكرتهم، في أسماء الشوارع والبيوت والأسواق والمدارس، وهنا يظهر السؤال التالي: ماذا يحدث للأماكن التي تختفي من الخريطة، لكنها تبقى حاضرة في ذاكرة من عاشوا فيها؟

الأماكن التي تسكن الذاكرة

بقي القليل من الكتب والمخطوطات في مكتبة الجامع العمري الكبير، تحفظ أسماء وتواريخ وعلوماً وحكايات مرت على غزة وبقيت مكتوبة في صفحاتها.

بعد أن أصاب الدمار أجزاء من المسجد ومحيطه، بدأت محاولات إنقاذ الكتب والمخطوطات، فالكتاب ليس مجرد شيء نجا من الحرب، وإنما أثر صغير لما كانت عليه غزة قبل أن يتغير شكلها.

في مدينة غزة القديمة، لم تكن الأزقة والأسواق والمباني منفصلة عن حياة الناس، كانت جزءاً من طريقة عيشهم، ومن الطريقة التي يتذكرون بها مدينتهم.

تصف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) المركز التاريخي لمدينة غزة بأنه نسيج عمراني تبلغ مساحته نحو 1.7 كيلومتر مربع، ويضم أحياء الدرج والزيتون والتفاح والشجاعية، بما فيها الأسواق والممرات والمنازل التاريخية والمساجد والكنائس والحمامات والمرافق العامة.

لم يكن هذا المكان مجرد مجموعة مبانٍ قديمة متجاورة، بل حياة تتصل فيها الشوارع بالأسواق والمنازل بالمرافق الدينية والعامة، وتتشكل ذاكرة السكان من تفاصيل المكان نفسه.

يقول محمد مرتجى "تربطني علاقة قوية بمدينة غزة القديمة، كنت أعرف هذه الأماكن لا باعتبارها مواقع تاريخية فقط، وإنما كجزء من طفولتي وحياتي التي أقضيها من قصر الباشا إلى الجامع العمري وكنيسة القديس برفيريوس والأزقة المحيطة بها".

بالنسبة إلى مرتجى، لم تكن هذه المباني منفصلة عن المدينة التي عاش فيها، بل كانت علامات تساعده على تذكرها ومعرفة تفاصيلها، ولهذا فإن تضررها لا يعني فقدان حجارة قديمة فقط، وإنما فقدان جزء من المكان الذي ارتبطت به ذاكرته.

بعد ثلاث سنوات من الحرب، تغيرت هذه الجغرافيا، تشير "اليونسكو" إلى أن الحياة الحضرية في المركز التاريخي لمدينة غزة توقفت، فيما أصاب الدمار عدداً من المباني والأسواق والمواقع الدينية والتاريخية.

ومن بين المواقع التي وثقت اليونسكو تضررها قصر الباشا، وسوق القيسارية، وحمام السمرة، ومجمع كنيسة القديس برفيريوس، إلى جانب منازل ومبانٍ تاريخية أخرى.

ذاكرة الأرشيف سحقت

في الأرشيف، تظهر الخسارة بصورة مختلفة، بحسب المجلس الدولي للأرشيف، تعرض الأرشيف المركزي لمدينة غزة ومبنى المكتبة العامة الرئيسي للقصف، ما أدى إلى فقدان وثائق يعود بعضها إلى نحو 100 عام.

هذه الوثائق لم تكن مجرد أوراق محفوظة في مبنى، بل سجلات تسجل أجزاء من التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمدينة، ويعتبر المجلس الدولي للأرشيف أن السجلات جزء من الذاكرة الفردية والجماعية للمجتمعات، وأن حمايتها مهمة أيضاً لإعادة بناء المجتمع بعد الحروب.

لهذا، فإن ما فقدته غزة خلال الحرب ليس فقط مباني يمكن إعادة ترميمها، بل وثائق قد لا يمكن استعادة محتواها بالطريقة نفسها.

عندما يتغير المكان 

في غزة القديمة، كانت الذاكرة مرتبطة بالمكان نفسه، قصر الباشا والجامع العمري وكنيسة القديس برفيريوس وسوق القيسارية وحمام السمرة والأزقة المحيطة بها، لم تكن هذه المواقع منفصلة عن حياة الناس، بل أماكن مر بها السكان وعاشوا بالقرب منها وتوارثوا قصصها.

ومع تضرر هذه المواقع، لا تختفي المباني وحدها، بل تتغير الطريقة التي يمكن بها للأجيال الجديدة أن تتعرف إلى المدينة التي سبقتها.

يقول مساعد وكيل وزارة السياحة والآثار الفلسطينية جهاد ياسين "الأولوية هي تثبيت المباني التي قد تنهار من دون تدعيم، في ظل نقص مواد الترميم وارتفاع كلفتها ومحدودية الموارد"

جرد آخر للحرب

في جرد الخسائر التي أصابت ذاكرة غزة، تحققت اليونسكو من تضرر 164 موقعاً للتراث الثقافي في قطاع غزة. يشمل هذا الرقم 14 موقعاً دينياً، و128 مبنى ذا أهمية تاريخية أو فنية، وثلاثة مستودعات للممتلكات الثقافية المنقولة، وتسعة معالم، ومتحفين، وثمانية مواقع أثرية. بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم تتغير غزة في شكل مبانيها فقط، ولم تتغير وظائف أحيائها وسكانها فقط. أصاب التغيير أيضاً الأماكن التي كانت تحمل ذاكرتها.

ويبقى السؤال الأخير: بعد كل ما تغير، وكل ما تهدم، وكل من غادر، وكل ما فقدته الأماكن من وظائف وذاكرة، ماذا بقي من المكان؟

ماذا بقي من المكان؟

في غزة بقيت بيوت قليلة لم تسقط بالكامل، وطرق مدمرة ما زالت تمر فيها السيارات، ومدارس تحولت إلى مأوى يحاول الأطفال العودة إليها، وأسواق تفتح أبوابها ولو لساعات، وآبار ومنشآت مياه تعمل بقدرة محدودة، وبقيت أحياء يقيم فيها الناس رغم أن كثيراً من ملامحها تغيرت.

يعمل يوسف في إصلاح طريق صلاح الدين، يقضي ساعات في الشارع الذي يستخدمه الناس للانتقال بين مناطق القطاع، ويرى حركة السيارات والمارة تعود إلى أجزاء من الطريق.

يقول يوسف "لا يبدو إصلاح طريق واحد حدثاً كبيراً أمام حجم ما دمرته الحرب، لكنه يكشف عن شيء مهم، بعد ثلاث سنوات من الحرب ما هو مهم ما يستطيع الناس استخدامه من جديد، هذه ليست عودة إلى الحياة التي كانت قبل الحرب، بقدر ما هي محاولات للحفاظ على الحياة التي بقيت".

تقدر التقييمات الدولية كمية الركام الناتج عن الحرب بنحو 68 مليون طن، فيما قدر التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 71.4 مليار دولار على مدى 10 سنوات.

لكن هذه الأرقام لا تعني فقط حجم ما يجب بناؤه، بل تكشف حجم ما يحتاج إليه المكان حتى يستعيد الحد الأدنى من قدرته على الحياة.

غزة التي بقيت ليست التي كانت، بعد ثلاث سنوات من الحرب، يمكن أن يبدو المكان قائماً، لكنه فقد كثيراً من وظائفه الأساس، وربما تكون الإجابة عن السؤال الذي حمله هذا التقرير منذ بدايته هي أن غزة بقيت، لكن ليس بالصورة التي عرفها سكانها.

غيرت ثلاث سنوات من الحرب صورة المكان، وأضعفت وظائف أحيائه وبدلت خريطته السكانية وأصابت الأماكن التي كانت تحمل ذاكرته بمقتل.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات