Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأخطار الحقيقية للكيماويات الأبدية

التخلص من هذه الملوثات السامة بالغ الصعوبة لأنها لا تتحلل طبيعياً في البيئة

حمض بيرفلورو الأوكتانويك المعروف اختصاراً بـ"بي أف أو أي" استُخدم سابقاً في تصنيع المقالي غير اللاصقة (غيتي)

ملخص

تكشف تجربة المجتمعات الملوثة بمركبات "بي أف أي أس" أن ارتفاع مستويات هذه "الكيماويات الأبدية" في الدم يرتبط بأخطار صحية عدة، فيما يصعب التخلص منها بعد انتشارها في البيئة. ويؤكد استمرار التلوث أن الوقاية والحد من التعرض أكثر إلحاحاً من انتظار اكتمال الأدلة العلمية.

عندما خضع سكان يقيمون قرب مصنع للمواد الكيماوية في بلدة ثورنتون-كليفليز في مقاطعة لانكشير شمال غربي إنجلترا، لتحاليل دم أخيراً، تبين أن لدى كثير منهم مستويات مرتفعة في الدم من مواد تعرف اختصاراً بـ"بي أف أي أس" Pfas (المعروفة بـ"الكيماويات الأبدية"). فكيف ينعكس ذلك على صحتهم؟

عكفت على دراسة هذا السؤال طوال ما يزيد على عقد من الزمن، فيما أخذ عدد المواقع الملوثة المكتشفة حول العالم يتزايد باطراد. والمستويات المسجلة لدى السكان في ثورنتون-كليفليز أعلى من المستويات المسجلة عادة لدى عامة السكان، غير أنها تقع ضمن النطاق نفسه المرصود في بعض المجتمعات الأخرى المعرضة لمواد "بي أف أي أس". ومع ذلك، تبقى بعيدة كل البعد عن أعلى المستويات التي رأيتها في السويد وأماكن أخرى.

يكفي تحليل الدم للكشف عما إذا كان المرء قد تعرض لمواد "بي أف أي أس". ويعطي نمط تركيز هذه المواد المختلفة في الدم أحياناً مؤشرات إلى المصدر الرئيس للتعرض، كذلك يمكن مقارنة مستوياتها لدى الفرد بالمستويات الموجودة لدى مجموعات سكانية أخرى. غير أن هذه النتائج لا تكشف ما إذا كان الشخص سيصاب بمرض ما.

أما بعض مواد "بي أف أي أس" التي حظيت بقدر أكبر من البحث العلمي، فتتوافر اليوم أدلة كثيرة على آثارها في البشر. ومن أبرز ما كشفت عنه هذه الدراسات وجود صلات بين هذه الملوثات وتغيرات في دهون الدم، مثل الكوليسترول، وضعف الاستجابة المناعية للقاحات لدى الأطفال، وانخفاض وزن المواليد. وقد ارتبط التعرض لحمض بيرفلورو الأوكتانويك، المعروف اختصاراً بـ"بي أف أو أي" PFOA، وهو أحد مركبات "بي أف أي أس" الموجودة في ثورنتون-كليفليز، بارتفاع خطر الإصابة بسرطاني الكلى والخصيتين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عند مستويات التعرض المماثلة لتلك المسجلة حالياً في المملكة المتحدة، تظل الزيادة في الأخطار الصحية المذكورة محدودة بالنسبة إلى الفرد، ولا تظهر بوضوح إلا عند مقارنة مجموعات سكانية كبيرة تختلف في مستويات تعرضها لهذه المواد.

دروس من بلدة سويدية

ومن بين المجتمعات التي درستها عن كثب بلدة رونبي في جنوب السويد. ففي عام 2013، رُصدت مستويات مرتفعة جداً من "بي أف أي أس" في مياه الشرب، بعدما تلوثت برغوة إطفاء تسربت من مطار عسكري. وكان آلاف الأشخاص قد استهلكوا هذه المياه على مدى أعوام طويلة. وأكدت تحاليل دم أجريت لهم لاحقاً تعرضهم لمستويات مرتفعة من هذه المواد. وأفضى هذا الاكتشاف أيضاً إلى مسار قضائي طويل للمطالبة بتعويضات، وصل في نهاية المطاف إلى المحكمة العليا السويدية.

وقد أتاحت لنا بلدة رونبي فرصة نادرة لمتابعة مستويات "بي أف أي أس" في أجسام السكان ورصد التغيرات التي تطرأ على صحتهم بمرور الوقت. فبعد إزالة مصدر التلوث، يمكننا قياس مدى انخفاض مستويات هذه المواد في أجسامهم. كذلك تسمح لنا هذه الحالة بدراسة مجموعة واسعة من الآثار الصحية لدى السكان الذين تعرضوا لها. ولكن مثل هذه الدراسات تظل عاجزة عن الإجابة عن الأسئلة كافة.

أما تحديد ما إذا كان التعرض للكيماويات الأبدية قد أضر بصحة شخص بعينه، فمسألة أشد تعقيداً بكثير. وعلى رغم هذه الصعوبات، خلصت المحكمة العليا السويدية إلى أن الارتفاع الكبير في مستويات مركبات "بي أف أي أس" في الدم، مقترناً بالآثار الصحية المرصودة، يشكل ضرراً لحق بالشخص.

وللزمن أهميته هنا أيضاً، فالمستوى الذي تكشفه تحاليل اليوم من هذه الكيماويات الأبدية العصية على التحلل يعكس تعرضاً ربما بدأ قبل أعوام طويلة، وربما لا يزال مستمراً حتى الآن. وقد دفع هذا الواقع الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان في المستطاع تسريع عملية تخلص الجسم من هذه المواد.

في دراسة محدودة شملت سكان رونبي الذين تعرضوا لمستويات مرتفعة من مواد "بي أف أي أس"، ساعد أحد أنواع أدوية الكوليسترول أجسامهم على التخلص من بعض هذه المواد بوتيرة أسرع.

هذه النتيجة مثيرة للاهتمام طبعاً، ولكنها لا تزال في طور التجربة. وليس هذا علاجاً يُوصى به عادة في حالات التعرض الأقل حدة، كتلك المستويات المسجلة في ثورنتون-كليفليز. وفي الوقت الراهن، تظل الخطوة الأولى الحد من التعرض لهذه المواد أو وقفه تماماً.

ويصعب جداً التخلص من ملوثات "بي أف أي أس" لأنها لا تتحلل طبيعياً في البيئة. أضف إلى ذلك أن كثيراً منها شديد الحركة في المياه، مما يعني أنها تستطيع الانتقال بسهولة عبر التربة إلى المياه الجوفية، والانتشار لمسافات شاسعة في النظم البيئية المائية. وما أن تصل إلى التربة أو المياه الجوفية أو المياه السطحية، حتى تبقى موجودة فيها فترة طويلة جداً.

كذلك، تبقى إزالة هذه الملوثات ومعالجتها باهظة التكلفة إلى حد استثنائي. وقد قدرت "المفوضية الأوروبية" أن معالجة المياه الملوثة بمركبات "بي أف أي أس" في أوروبا وحدها ربما تتجاوز كلفتها تريليون يورو بحلول عام 2050.

ولم تعد المشكلة تقتصر على عدد قليل من ملوثات "بي أف أي أس" المعروفة. فمع حظر بعض المركبات الأقدم أو فرض قيود عليها، اتجهت الشركات إلى استبدالها بمواد كيماوية مشابهة. وتبقى كثير من هذه البدائل في البيئة لفترات طويلة جداً أيضاً، في حين أن معرفتنا بمدى ضررها أو بكيفية انتشارها لا تزال محدودة جداً. لذا، تنظر أوروبا الآن في إخضاع مواد "بي أف أي أس" كلها لقيود باعتبارها مجموعة واحدة، بدلاً من فرض القيود على كل مادة كيماوية منها على حدة.

بيد أن عدم تحلل هذه المواد وبقاؤها في البيئة يغيران طبيعة المشكلة. فإذا استمرت الانبعاثات ريثما ننتظر اكتمال الأدلة العلمية، لن يتوقف التلوث، وقد يظل موجوداً بعد عقود، حين تكون الصورة العلمية قد اتضحت بدرجة أكبر بكثير.

إنه الدرس القاسي المستفاد من تجارب مجتمعات مثل رونبي، وربما ثورنتون-كليفليز الآن أيضاً. وينبغي ألا نحول تحليل الدم للكشف عن "بي أف أي أس" إلى وسيلة للتنبؤ بالمرض. ولكن عدم اليقين بشأن ما يمكن أن يكشفه تحليل الدم عن صحة شخص بعينه لا يعني أن ثمة شكاً في ضرورة وقف التعرض المستمر لهذه المواد ومساءلة الجهات المسؤولة عنه.

 

ماتياس أوبرغ، محاضر بارز في علم السموم في "معهد كارولينسكا" في السويد.

يُعاد نشر المقال من موقع "ذا كونفرسيشن" The Conversation بموجب ترخيص "كرييتف كومنز"، رابط المقال الأصلي.

اقرأ المزيد

المزيد من علوم