Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صراع داخل البرلمان الليبي حول مقعد الرئيس

86 نائباً يجتمعون خارج مجلس النواب وعقيلة صالح يواجه شبح الإبعاد من منصبه بعد 12 عاماً

مجلس النواب الليبي (أ ف ب)

ملخص

الخلاف على رئاسة مجلس النواب الليبي تجاوز النصاب واللائحة إلى السؤال الأهم، من يملك قرار البرلمان في المرحلة المقبلة؟ إذ إن الرئاسة تعني موقعاً مؤثراً في تشكيل الحكومة الموحدة والقوانين الانتخابية والمناصب السيادية والتفاوض مع مجلس الدولة والبعثة الأممية.

12 عاماً مرت تبدلت خلالها الحكومات والمجالس والأجسام السياسية بأطيافها ومسمياتها المختلفة، وتعاقب المبعوثون الدوليون وتغيرت خرائط القوة في ليبيا، بينما بقي عقيلة صالح في مكانه على رأس مجلس النواب، لكن المقعد الذي نجا من كل عواصف الانقسام منذ 2014 يواجه اليوم واحداً من أصعب اختباراته، بعدما خرج خلاف من دهاليز البرلمان إلى العلن، طالب أصحابه بداية بتعديل اللائحة الداخلية قبل أن يتطور إلى حراك يرفع صراحة شعار انتخاب رئاسة جديدة.

وللمرة الأولى لا يواجه صالح ضغطاً من خصوم مجلس النواب في غرب البلاد، بل من داخله ومن نواب ينتمون في جانب كبير منهم إلى المعسكر السياسي نفسه في الشرق، ليصبح السؤال أبعد من مصير رئيس البرلمان، هل بدأت إعادة ترتيب مراكز القوة في شرق ليبيا، ومن سيمسك بقرار المؤسسة التشريعية في التسوية السياسية المقبلة؟

بداية التصعيد

بدأ التصعيد في الـ21 من سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما أعلن 86 عضواً في مجلس النواب أنهم استكملوا النصاب اللازم لعقد جلسة في بنغازي لمناقشة إصلاح المجلس وتعديل لائحته الداخلية، بعد أشهر من المطالبة بذلك، لكنهم مُنعوا من دخول مقر المجلس، معلنين استمرار حراكهم وعزمهم على الاجتماع في أي مدينة ليبية تسمح بذلك.

لكن رئاسة البرلمان قدمت رواية مضادة، فقد نفى المتحدث باسم المجلس عبدالله بليحق، وجود جلسة رسمية أصلاً، وقال إنه "لم تصدر دعوة من رئاسة المجلس إلى الانعقاد، وبالتالي لا توجد جلسة ليتم عرقلتها"، ووصف الإجراءات الأمنية حول المقر بأنها "إجراءات روتينية لا علاقة لها بعمل النواب".

وبين الروايتين ظهر جوهر الأزمة، لم يعد الخلاف حول بند في جدول الأعمال، بل حول من يمتلك سلطة إدارة البرلمان نفسه.

النائب عصام الجهاني، أحد أبرز وجوه التحرك المطالب بتغيير رئاسة البرلمان، قال إن "86 نائباً يطالبون بعملية إصلاح داخلية تشمل تعديل اللائحة ومداورة السلطة وانتخاب رئاسة جديدة، واتهم رئاسة المجلس باستخدام الحرس الرئاسي لمنع النواب من الاجتماع"، وهي اتهامات تنفيها رئاسة المجلس، التي تتمسك بأن الدعوة إلى الجلسات الرسمية تخضع لإجراءاتها.

وبذلك تحولت اللائحة من وثيقة تنظيمية إلى مفتاح للمعركة، فتعديل القواعد المنظمة للدورة الرئاسية وآلية انتخاب هيئة الرئاسة قد يفتح الباب أمام إعادة طرح المنصب الذي يحتفظ به صالح منذ انتخاب مجلس النواب عام 2014 للتصويت الداخلي.

حفتر يدخل المشهد

نقطة التحول في أزمة رئاسة البرلمان، جاءت في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، عندما استقبل القائد العام للجيش الليبي في بنغازي المشير خليفة حفتر مجموعة من أعضاء مجلس النواب، وبحسب مصادر متطابقة كانت الأزمة الداخلية في البرلمان على رأس الملفات التي نوقشت في الاجتماع.

بعد الاجتماع، أعلن الجهاني أن "المجتمعين توافقوا على دعم توحيد البرلمان وإجراء إصلاحات داخله، في مقدمها تعديل اللائحة الداخلية واختيار رئاسة جديدة للمجلس، إلى جانب الاستمرار في دعم اتفاق لجنة (4+4) والتعديل الدستوري".

أما البيان الصادر عن القيادة العامة للجيش الليبي فكان أكثر حذراً إذ تحدث عن دعم توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام والمسار السياسي، من دون إعلان صريح بتأييد إقالة صالح أو تسمية بديل له، ولذلك لا يمكن اعتبار لقاء حفتر بأعضاء البرلمان قراراً بإزاحة رئيس البرلمان، لكنه منح التحرك النيابي وزناً سياسياً لم يكن يملكه قبل الاجتماع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكرت مصادر برلمانية أن اللقاء حضره النواب الـ86 المعترضين على إدارة صالح، وأن تعديل النظام الداخلي واحتمال انتخاب هيئة رئاسة جديدة كانا في صلب الاجتماع.

بينما تحدثت مصادر أخرى عن مشاركة نحو 70 نائباً فقط، مما يجعل حجم الكتلة التي ستتحول فعلاً من الاعتراض السياسي إلى التصويت ضد الرئاسة الحالية أمراً يحتاج إلى اختبار داخل جلسة رسمية.

صالح يلتزم الصمت

في المقابل، لم يصدر عن رئيس البرلمان عقيلة صالح حتى الآن موقف معلن يرد مباشرة على ما قاله الجهاني وزملاؤه بشأن اختيار رئاسة جديدة، ولم يعلن استعداده للتنحي أو فتح باب انتخاب هيئة رئاسة أخرى.

ويبدو أن صالح اختار الرد بطريقة أخرى حيث يتصرف سياسياً باعتباره لا يزال ممسكاً بصلاحيات رئاسة المجلس، فقد واصل لقاءاته وتحركاته السياسية، وتمسك بدور البرلمان في رسم المرحلة المقبلة، لا سيما تشكيل حكومة موحدة وإقرار الإطار القانوني للانتخابات.

وأكد في أحدث تصريح له أن "إنهاء الانقسام يتطلب حكومة واحدة تبسط سلطتها على كامل البلاد وتشرف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية"، محذراً من أن "استمرار الانقسام يستنزف مؤسسات الدولة ويهدد الأمن والسيادة"، متجاهلاً تماماً ما يدور داخل مجلسه والأزمة التي تهدد منصبه.

تهديد لوحدة البرلمان

الإعلامي الليبي فرج حمزة يرى أن "المعضلة الكبرى التي تعترض رغبة جزء كبير من أعضاء البرلمان في تغيير الرئيس تتعلق بالطريق القانوني إلى التغيير".

وأضاف حمزة "إذا استطاع النواب المطالبون برئاسة جديدة عقد جلسة مكتملة النصاب وفق إجراءات لا يمكن الطعن فيها، فإن انتخاب قيادة أخرى سيغير ميزان القوى داخل البرلمان ويضع صالح أمام واقع مؤسسي جديد، لكن إذا عقدت الجلسة خارج الإطار الذي تعترف به الرئاسة الحالية، أو اختلف الطرفان على النصاب والدعوة والتصويت، فقد تنتج الأزمة النتيجة التي عرفتها ليبيا مراراً بدل حل مؤسسة منقسمة، إنشاء شرعيتين داخل المؤسسة نفسها".

وأوضح الإعلامي الليبي أن "هذا الاحتمال ستكون تداعياته أكبر من الخلاف على كرسي الرئيس، فوجود رئاستين متنازعتين قد يطرح سؤالاً بخصوص الجهة التي توقع القوانين، ومن يمثل البرلمان أمام الأمم المتحدة، ومن يتفاوض مع مجلس الدولة، ومن يملك مخاطبة المفوضية العليا للانتخابات، وأي رئاسة ستعترف بها المؤسسات المحلية والعواصم الخارجية، وقد ينعكس ذلك مباشرة على اتفاق "4+4" نفسه، وبالتالي الاتفاق الذي يفترض أن يقود إلى توحيد السلطة قد يصبح جزءاً من معركة تهدد بانقسام المؤسسة التي يفترض أن تنفذه".

اختبار وجودي

أما الباحث الأكاديمي محمد العنيزي فيرى أن "المعركة الدائرة تحت قبة البرلمان في بنغازي لا تختصر في سؤال هل يبقى عقيلة صالح أم يرحل؟ الأكثر أهمية هو ما إذا كان مجلس النواب قادراً، بعد أكثر من 12 عاماً على انتخابه، على إدارة خلاف داخلي حول قيادته وفق قواعد يقبل بها أعضاؤه، أم إن النزاع سينتقل من خلاف على الرئيس إلى خلاف على شرعية البرلمان نفسه؟".

وتابع العنيزي "إذا تغيرت الرئاسة بتوافق واسع، ستكون النتيجة إعادة توزيع واضحة لموازين النفوذ داخل الشرق، وقد يظهر وفد سياسي جديد على طاولات التفاوض حول الحكومة والانتخابات والمناصب السيادية، فبعد 12 عاماً، لم يعد مقعد عقيلة صالح مجرد كرسي رئاسة في قاعة البرلمان، حوله تراكمت شبكة من القوانين والتفاهمات والتحالفات والعلاقات الإقليمية والدولية، وأصبح صاحبه طرفاً ثابتاً في معظم التسويات التي مرت على ليبيا منذ 2014".

وتوقع الباحث أن "المعركة الحالية، سواء انتهت ببقائه أو بتغيير الرئاسة، ستترك أثراً يتجاوز جدران مجلس النواب، فالذي يعاد تحديده اليوم ليس فقط اسم الرجل الذي سيجلس على رأس البرلمان، بل موقع المؤسسة التشريعية نفسها في خريطة السلطة التي يجري رسمها لليبيا المقبلة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير