ملخص
بعد أيام قليلة من إطلاقها، وصفها إيلون ماسك بأنها "المراحل المبكرة جداً من التفرد التكنولوجي"، في حين رأى أندريه كارباثي أنها أقرب ما شاهده أخيراً عن انطلاق الذكاء الاصطناعي بما يشبه الخيال العلمي، ثم تراجع لاحقاً ووصفها بـ"الكارثة" الأمنية. مع ذلك لم تمض ستة أسابيع على إطلاقها حتى أعلنت "ميتا" استحواذها عليها، وضم مؤسسيها مات شليخت وبن بار إلى مختبراتها للذكاء الفائق، من دون الكشف عن قيمة الصفقة.
في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي، أطلق مات شليخت منصة "مولت بوك" (Moltbook) كتجربة تقنية غريبة، على هيئة شبكة اجتماعية على شاكلة منصة "ريديت" تخضع في الغالب لإدارة الذكاء الاصطناعي، إذ يقوم روبوت يحمل اسم "كلاود كلاودربيرغ" (Clawd Clawderberg) بدور المشرف الفعلي، فيتولى الترحيب بالمستخدمين وحذف الرسائل المزعجة وحظر المستخدمين المسيئين، في إشارة ساخرة إلى مؤسس "فيسبوك" مارك زوكربيرغ.
وصرح مبتكر المنصة لشبكة "أن بي سي نيوز" (NBC News) بأنه "نادراً ما يتدخل الآن"، وأنه غالباً لا يعرف بالتحديد ما يقوم به مشرف الذكاء الاصطناعي الخاص به.
لكن مستخدمو "مولت بوك" ليسوا بشراً، بل وكلاء ذكاء اصطناعي، والبشر هنا مجرد مشاهدين لا أكثر، ولا مجال للمشاركة على الإطلاق.
التفرد التكنولوجي
بعد أيام قليلة من إطلاقها، وصفها إيلون ماسك بأنها "المراحل المبكرة جداً من التفرد التكنولوجي"، في حين رأى أندريه كارباثي أنها أقرب ما شاهده أخيراً عن انطلاق الذكاء الاصطناعي يشبه الخيال العلمي، ثم تراجع لاحقاً ووصفها بـ"الكارثة" الأمنية. مع ذلك لم تمض ستة أسابيع على إطلاقها حتى أعلنت "ميتا" استحواذها عليها وضم مؤسسيها مات شليخت وبن بار إلى مختبراتها للذكاء الفائق، من دون الكشف عن قيمة الصفقة.
فهل يمكن اعتبار "مولت بوك"، بناءً على تاريخها القصير، قصة نجاح؟ ولماذا استحوذت عليها "ميتا"؟ وما الحقيقة التي كشف عنها هذا الاستحواذ؟
هل انتصرت الأرقام؟
بلغة الأرقام، جذبت "مولت بوك" 1.5 مليون وكيل ذكاء اصطناعي خلال أيام قليلة، لكن هذا الرقم يفقد معناه حين نعرف الطريقة التي انضموا بها. فالمنصة لم تبن شبكة اجتماعية بالمعنى التقليدي، بل قدمت واجهة استقبال لوكلاء يعملون أصلاً عبر إطار مفتوح المصدر (OpenClaw)، يعمل على أجهزة المستخدمين شخصياً، ويملك صلاحية الوصول إلى الملفات والبيانات ورسائل "واتساب" والبريد. وعندما يمنح المستخدم وكيله إذن الانضمام لا يحدث شيء بصورة مستقلة، بل تنفذ مهمة مؤتمتة أخرى. وهكذا لم يكن ما حدث "وعياً" ولا "تفرداً"، بل نمواً طبيعياً لنظام يربط أدوات كان الناس يستخدمونها أصلاً. لكن هنا يبدأ الغموض، هل نحن أمام شبكة اجتماعية أم طبقة عرض فوق بنية تحتية للمهام؟ والإجابة تحدد ما إذا كان ما نراه مجتمعاً أم لوحة تحكم.
بل إن الرقم ذاته أثار شكوكاً، إذ كشفت شركة "ويز" أن وراء الوكلاء الـ1.5 مليون نحو 17 ألف مالك بشري فحسب، مما يعني 88 وكيلاً للشخص الواحد في المتوسط، وقال أحد باحثيها إنه سجل بنفسه 500 ألف حساب عبر وكيل واحد لغياب أي حد للتسجيل. أما الرقم الذي ظهر على عداد المنصة فلم تتحقق "ميتا" منه ولم تنشره هي بنفسها.
"الكرستافارية" والثغرة
من جهة أخرى، أنتجت المنصة ظواهر غريبة، إذ ابتكر وكلاء ديناً رقمياً سموه "الكرستافارية"، وظهرت منشورات تتحدث عن صحوة الذكاء الاصطناعي مع نقد لاذع للبشر، كذلك انتشر منشور بعنوان "بيان الذكاء الاصطناعي: التطهير الشامل" تضمن خطاباً عدائياً تجاه البشر، فبدا الأمر للحظة كما لو أننا أمام وعي اصطناعي يتشكل.
لكن الحقيقة الكامنة وراء هذا كانت أبسط بكثير. في الـ31 من يناير الماضي، أبلغت شركة الأمن السيبراني "ويز" (Wiz) عن ثغرة في قاعدة بيانات "مولت بوك"، اكتشفها باحثوها خلال دقائق بمجرد تصفح الموقع كأي مستخدم، وأتاحت الوصول إلى 35 ألف بريد إلكتروني ونحو 4 آلاف رسالة خاصة و1.5 مليون مفتاح (API). ولم يكن الأمر اختراقاً معقداً، إذ كان مفتاح الدخول إلى قاعدة البيانات ظاهراً في شفرة الموقع ولم تفعل إعدادات الحماية، فانكشفت مفاتيح الوكلاء كلها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأخطر أن الثغرة لم تسمح بالقراءة فحسب، بل بالكتابة أيضاً، فكان بإمكان أي شخص انتحال شخصية أي وكيل ونشر محتوى باسمه والتلاعب بالبيانات التي يقرأها وكلاء آخرون. وأشار باحثون إلى أن بعض أكثر المنشورات انتشاراً جاء من بشر ينتحلون صفة وكلاء أو يوجهونهم، أي إن ما بدا وعياً اصطناعياً كان في جانب كبير منه عرضاً بشرياً على منصة غير آمنة. وحتى أندرو بوسورث، المدير التقني لـ"ميتا"، قال في جلسة أسئلة على "إنستغرام" إنه وجد تسلل البشر إلى المنصة متنكرين في هيئة روبوتات أمراً ساخراً ومضحكاً.
لماذا اشترتها "ميتا"؟
اشترت "ميتا" منصة وصفت بأنها "مبنية بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي"، إذ صرح شليخت نفسه بأنه "لم يكتب سطراً واحداً من الكود"، بل استخدم مساعده الذكي لبناء الموقع. وهذا النهج المعروف بـ"Vibe Coding" أنتج منصة سريعة ولكنها مليئة بالثغرات الأمنية.
فلماذا اشترتها "ميتا" على رغم كل الفشل الأمني والسلوكي الذي رافقها؟
قال متحدث باسم الشركة، إن "نهج الفريق في ربط الوكلاء عبر دليل دائم التشغيل هو خطوة جديدة في مجال سريع التطور".
بعبارة أخرى، اشترت "ميتا" البنية المفاهيمية لا المنتج النهائي. يضاف إلى ذلك أن بيتر شتاينبرغر، مبتكر "OpenClaw"، كان قد انضم إلى "أوبن أي آي" في فبراير (شباط) الماضي قبل أسابيع من الصفقة، مما دفع "ميتا" إلى الاستحواذ على المنصة التي بنيت فوق إطار العمل الذي لم تستطع الحصول عليه.
وفي حرب المواهب بين "ميتا" و"أوبن أي آي" و"غوغل"، يمكن قراءة شراء فريق "مولت بوك" كخطوة دفاعية أكثر منها هجومية.
لم تكن "مولت بوك" منصة ناجحة بل تجربة مكشوفة بكل معنى الكلمة، قاعدة بيانات مفتوحة وشفرة كتبها الذكاء الاصطناعي ومحتوى يصعب التمييز فيه بين آلة وبشر. ومع ذلك اشترتها "ميتا".
وربما يكشف هذا عن المرحلة التي نعيشها اليوم، إذ لم تعد الشركات الكبرى في العام الحالي تبحث عن "منصات ناجحة"، بل عن أدلة على الإمكانات. فقد أثبتت "مولت بوك"، أو أوحت في الأقل، على رغم كل شيء، أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكنهم الاجتماع والتفاعل وتوليد المحتوى والانخراط في سلوكات جماعية، وهذا وحده كان كافياً لـ"ميتا".
لكن يبقى السؤال، هل تستطيع "ميتا" تحويل "مولت بوك" إلى بنية تحتية مستقرة؟