ملخص
تشير بيانات "رابطة المهاجرين العائدين من أوروبا" إلى رصد نحو 6500 حالة مغادرة من الإقليم خلال العام الماضي، بينهم 1500 من منطقة رابرين وحدها، وكذلك رصدت الرابطة مصرع شابين مع فقدان اثنين آخرين، فيما كشف رئيسها بكر علي عن مغادرة نحو 30500 بين عامي 2023 و2025، مشيراً إلى مصرع 37 مهاجراً بين عامي 2023 و2024.
على وقع روايات متباينة تحدثت عن احتجاز مهاجرين شباب أكراد، وأخرى زعمت العثور على جثامين في البحر أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، عاشت عائلات في إقليم كردستان العراق لحظات صعبة في انتظار ورود إجابات حاسمة عن مصير أبنائها، في وقت يكشف خيار المجازفة ودفع أموال طائلة، لاجتياز طريق البحر من ليبيا نحو أوروبا، عن دوافع شريحة من الشباب الكردي للمخاطرة بحياتهم، على رغم فرض دول الاتحاد الأوروبي ضوابط مشددة في منح طلبات اللجوء.
هذا الطريق لا يكشف عن نهايات الرحلة وما يرافقها من قسوة ومجازفة، في مسار القوارب التي تغادر السواحل الليبية، بقدر ما يكشف عما يدفع الشباب الكردي للمغامرة هرباً من أعباء أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وافتقاد آلاف الخريجين سنوياً إلى فرص عمل، في حين قد يغرّ بعضهم بامتيازات وحياة أفضل، حظي بها أقرانهم في دول المهجر.
مصير مبهم
لأيام عدة علقت هواجس عائلات المهاجرين بين احتمالين، إما أنهم محتجزون في ليبيا أو أنهم قضوا في البحر المتوسط خلال رحلة نحو إيطاليا، وحتى أواخر سبتمبر الماضي، بدت الصورة مبهمة حول مصيرهم، في ضوء تبيان المعلومات الواردة، وفي إحدى الروايات يكشف الناشط الكردي في شؤون الهجرة، رنج بشدري، عن فقدان خمسة شبان في ليبيا منذ نحو ستة أشهر، مشيراً إلى أنهم اُحتجزوا بعد وصولهم في مارس (آذار) الماضي، وصودرت هواتفهم وجوازات سفرهم قبل انقطاع الاتصال بهم.
وفي حال أخرى، قالت وسائل إعلام محلية إن الاتصال انقطع مع 10 شبان أكراد من منطقة رابرين في السليمانية منذ الخامس من أغسطس (آب) الماضي، تزامناً مع تداول معلومات عن غرق قارب قبالة السواحل الإيطالية ومقتل 18 مهاجراً، بينهم نحو 11 كردياً.
ولم تؤكد المصادر الرسمية وقوع حادثة غرق لمهاجرين أكراد، فبحسب ممثلة حكومة إقليم كردستان في إيطاليا، ريزان صالح، فإن اتصالات جرت مع الجهات الإيطالية بالتنسيق مع السفارة العراقية، داعية العائلات ووسائل الإعلام إلى الاعتماد على المعلومات الرسمية، وعدم الانجرار وراء الشائعات، في وقت نقلت فيه صفحة "صوت الكرد - إيطاليا" عن الشرطة الإيطالية أن السلطات عثرت في الـ 24 من سبتمبر الماضي على 17 مهاجراً غير نظامي من أصول كردية في إقليم صقلية، بعد وصولهم عبر البحر، قبل توقيفهم ونقلهم إلى مراكز إيواء.
جثامين بلا ملامح
وفي الـ 26 من سبتمبر الماضي، أعلن القائم بالأعمال لدى السفارة العراقية في ليبيا، أحمد الصحاف، أن السفارة تتحرى عن مصير 18 مهاجراً عراقياً، بينهم أكراد، عقب تداول معلومات عن احتمال غرقهم في البحر المتوسط، مؤكداً أن السلطات الليبية المتخصصة لم تؤكد حتى ذلك التاريخ غرقهم أو وفاتهم، ومبيناً أن السفارة تتابع الملف منذ نحو شهر.
وزاد تداول صور جثامين في البحر من قلق العائلات، لكن تحديد هويات أصحابها لم يحسم، وقال والد أحد المهاجرين إن إحدى الجثث تحمل وشماً يشبه وشم ابنه، لكنه أشار إلى اختلاف في بعض الملامح والجسد، مما صعب تحديد هوياتهم.
وفي حين قال الناشط بشدري إن بحوزته صوراً التقطتها طائرة مراقبة في الـ 14 من أغسطس الماضي لجثامين في البحر، فقد أشار إلى وجود وشم بعبارة كردية على إحدى الجثامين، ورأى أن عدم ظهور أسماء الشبان في سجلات السجون الليبية يعزز، من وجهة نظره، احتمال غرقهم.
أما رئيس "رابطة المهاجرين العائدين من أوروبا"، بكر علي، فقد نفى في تصريحات وجود معلومات رسمية تؤكد غرق 18 مهاجراً كردياً، لكنه قال إن الاتصال انقطع مع 21 شخصاً، وإن لدى الرابطة معلومات عن وجود أسماء مهاجرين في سجن تاجوراء في منطقة الرخبة الليبية، وبحسب إفادته، ينقسم المفقودون إلى ثلاث مجموعات، 10 انقطع الاتصال بهم في مارس الماضي، و14 في وقت سابق من أغسطس الماضي، وثلاثة في الـ 27 من الشهر نفسه، مع التشديد على ضرورة عدم تداول معلومات غير موثقة.
احتجاز وابتزاز
وتسجل حالات الاحتجاز سابقة في مسار المهاجرين الأكراد عبر ليبيا، فخلال العام الماضي تحدثت تقارير عن اعتقال 42 شاباً كردياً على الساحل الليبي، فيما أعلنت حكومة إقليم كردستان في سبتمبر من العام نفسه إعادة 33 شاباً كانوا محتجزين هناك، بعد أن أمضى بعضهم أكثر من شهر في ظروف وصفت بالصعبة، وفي مطلع العام الحالي أعلن النائب الكردي مثنى أمين أن الحكومة العراقية تعتزم إرسال طائرتين لإعادة 160 مهاجراً كردياً من ليبيا، فيما قال عدد من العائدين إن مسلحين دهموا الفندق الذي كانوا يقيمون فيه في طرابلس، وصادروا هواتفهم واقتادوهم إلى السجن، حيث احتُجز بعضهم بصورة انفرادية لنحو أسبوعين قبل نقلهم إلى قاعة مكتظة.
ولا تقتصر الكلفة على دفع أموال للمهربين في مقابل الرحلة، وقد ذكر شاب يدعى إسماعيل أن أفراد مجموعته دفعوا نحو 1500 دولار لكل شخص للعبور إلى إيطاليا، ونقل موقع "شارس بريس" الكردي المستقل، عن عائلات 10 مهاجرين من رابرين، أن جماعة مسلحة احتجزت أبناءهم لنحو أسبوعين وطالبت بفدية بلغت 3500 دولار عن كل شاب، قبل الإفراج عنهم، مع ترك خيار العودة لكردستان أو مواصلة الرحلة البحرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جهتها، تفيد "رابطة المهاجرين العائدين من أوروبا"، باعتقال قرابة 350 مهاجراً كردياً في ليبيا وتونس العام الماضي، قبل الإفراج عنهم وإعادة بعضهم للإقليم بمساعدة السفارة العراقية، ودائرة العلاقات الخارجية في حكومة الإقليم، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه كان "نحو 80 شاباً في سجون ليبيا وتونس، بينما بقي قرابة 300 آخرين في انتظار العبور إلى إيطاليا"، ووفقاً للرابطة فإن "نحو 148 ألف شخص من الإقليم هاجروا إلى أوروبا خلال العقد الأخير".
مجازفات باهظة
مع تشدد الرقابة على بعض المسارات وطرق التهريب، برزت ليبيا وتونس كطريقين يستخدمهما مهاجرون من الإقليم للوصول إلى أوروبا، وتشير تقديرات صادرة عن "منظمة شباب رابرين" الناشطة في السليمانية إلى أن نحو 300 شاب كانوا يغادرون المنطقة شهرياً خلال العام الماضي، بينما بلغت الكلفة الإجمالية التي يدفعها الشاب، وفقاً لتقديراتها، نحو 25 ألف دولار لغاية الوصول إلى أوروبا، فيما قالت حكومة رابرين المحلية في وقت سابق، إنها رصدت محاولة 1500 شاب، بينهم مراهقون، المغادرة خلال العام الماضي، وعزت الدوافع إلى البطالة وتراجع الثقة بالمستقبل.
وتكشف أرقام أخرى عن صورة أكثر قتامة، إذ تشير بيانات "رابطة المهاجرين العائدين من أوروبا" خلال العام الماضي إلى رصد نحو 6500 حالة مغادرة من الإقليم، بينهم 1500 من منطقة رابرين وحدها، وكذلك رصدت مصرع شابين مع فقدان اثنين آخرين، وفي مارس من العام الماضي كشف رئيسها بكر علي عن مغادرة نحو 30500 بين عامي 2023 و2025، مشيراً إلى مصرع 37 مهاجراً بين عامي 2023 و2024.
انسداد الأفق
ويبقى تراجع فرص العمل أحد أبرز الأسباب التي تدفع الشباب والخريجين في الإقليم نحو الهجرة، مع استمرار الازمات الاقتصادية والغلاء المعيشي، في ظل ارتفاع معدل البطالة الذي وصل عام 2024 إلى 15 في المئة، وفقاً لمسح اجتماعي واقتصادي رسمي للأسرة، صادر عن "هيئة الإحصاء".
ويتفاوت المعدل بين المحافظات الكردية، ففي دهوك تجاوز المعدل الـ 17 في المئة، وفي أربيل كان 14 في المئة، وأقل منها بقليل في السليمانية، بينما تظهر الأرقام هوة واسعة على مستوى الجنس، إذ بلغت البطالة بين النساء 27 في المئة، مقابل 10 في المئة بين الرجال، وكذلك أظهر مسح مستقل لـ "القوى العاملة" في الإقليم لعام 2021 ارتفاع بطالة الشباب بين 15 و24 سنة إلى 37.2 في المئة.
ويرى الباحث الاجتماعي ريناس بكر أن سوق العمل "تعجز عن استيعاب أعداد كبيرة من الخريجين، بينما تتراجع فرص التعيين الحكومي من دون توسع مواز في القطاعات الإنتاجية"، مضيفاً أن "الهجرة تحولت لدى شريحة من الشباب من خيار موقت إلى مشروع حياة، حين لا يجد الشاب وظيفة أو مساراً واضحاً لبناء مستقبله"، مستدركاً أن "الأسباب لا تقتصر على البطالة، بل تشمل عوامل تتعلق بالفساد وضعف الثقة بالمستقبل السياسي والإداري"، ليتوافق هذا الرأي مع دراسة منسوبة إلى مؤسسة "كونراد أديناور"، التي عزت دوافع هجرة الشباب إلى "النظام الحزبي، وفقدان الثقة بالإصلاح السياسي والاقتصادي".
تشديد القيود الأوروبية
ولا تنتهي الأخطار بمجرد الوصول إلى أوروبا، حيث يواجه المهاجرون إجراءات لجوء أكثر تشدداً، وتظهر بيانات عام 2024 صدور آلاف القرارات السلبية بحق طالبي اللجوء العراقيين، بينها 8800 قرار في ألمانيا، على رغم أنها لا تعني بالضرورة ترحيل كل حال لجوء، مع إمكان الطعن في قرار الرفض، وقد سبق أن نفت الوكيلة البرلمانية لوزير الداخلية الألماني، دانييلا لودفيغ، تقارير تحدثت عن وجود خطة لترحيل نحو 20 ألف لاجئ عراقي، بينهم أكراد، مؤكدة أن قرارات الترحيل تصدر لكل حالة على حدة، مشيرة إلى قبول طلبات عدد كبير من الإيزيديين العراقيين، مع إقرارها بتراجع طلبات الهجرة غير النظامية.
ومع توجه أوروبي نحو تشديد سياسات الهجرة، ناقش اجتماع عقده وزراء الداخلية الأوروبيين في ميونيخ في الـ 26 من سبتمبر الماضي مقترحات لتعزيز حماية الحدود الخارجية، وتوسيع دور "الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل" (فرونتكس) في عمليات الإعادة، وتسريع إجراءات اللجوء وإعادة المرفوضة طلباتهم، إضافة إلى تعزيز التعاون مع دول المصدر لاستقبال العائدين، مما يشكل تحدياً إضافياً في رحلة الشباب الكردي المهاجر.
ويبقى خيار الهجرة المحفوف بالأخطار، بالنسبة إلى شريحة من الشباب الكردي نحو حياة أكثر استقرار في أوروبا، محكوماً بمجمل تداعيات الواقع السياسي والاقتصادي السائد، في وقت تقطعت السبل السالكة، نتيجة مسارات خاضعة لأنشطة شبكات التهريب والاستغلال، والتي قد تودي بهم إلى الاحتجاز أو الفقد أو الموت، أو الوصول في آخر المطاف إلى احدى الدول الأوروبية، ثم مواجهة احتمال الترحيل، في ضوء تزايد القيود وتشريع قوانين أكثر تشدداً في ملف اللجوء.