ملخص
شهدت منطقة الساحل الأفريقي تراجعاً وانحساراً لافتاً في النفوذ الميداني والعسكري للأمم المتحدة وبعثات حفظ السلام، مثل بعثة "مينوسما" في مالي والمكاتب الحقوقية في بوركينا فاسو، جراء موجات الانقلابات العسكرية والخطاب السيادي للحكومات الانتقالية في باماكو وواغادوغو ونيامي.
قبل أعوام شكلت الرايات الزرقاء للأمم المتحدة جزءاً من المشهد الأمني والسياسي في الساحل الأفريقي، الذي يشهد فوضى غير مسبوقة، حيث كان انتشار جنود بعثات حفظ السلام، لكن موجة الانقلابات العسكرية التي عرفتها دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو، أدت إلى انحسار النفوذ الأممي بصورة كبيرة،
واضطرت الأمم المتحدة إلى غلق بعثتها لحفظ السلام في مالي، والمعروفة اختصاراً بـ "مينوسما"، بعد أكثر من عقد من الحضور، وذلك بناء على طلب من السلطات الانتقالية في باماكو، وفي بوركينا فاسو أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان غلق المكتب، بعد أن علقت السلطات نشاطه منذ شهور، وسط سجالات بين الحكومة المنبثقة عن انقلاب عسكري، والأمم المتحدة.
تغير جذري
يأتي تراجع دور الأمم المتحدة في الساحل الأفريقي في وقت تتصاعد المخاوف الإنسانية في المنطقة، نظراً إلى تفاقم الفوضى الأمنية في ظل الهجمات التي تشنها الجماعات المتشددة، وهو ما تسبب في موجات نزوح ولجوء غير مسبوقة، ولا تقدم الأمم المتحدة إحصاءات واضحة حول عدد قواتها التي بقيت في الساحل الأفريقي، في إطار بعثاتها، فيما يكتنف الغموض مستقبل وجود مكاتبها للدعم الإنساني.
يقول الباحث المتخصص في الشؤون الأمنية لمنطقة الساحل الأفريقي حسين لنصاري لـ "اندبندنت عربية"، إن "دور الأمم المتحدة في الساحل، وخصوصاً في مالي، تغير جذرياً بعد انسحاب بعثات حفظ السلام، لكنه لم ينته، والفرق الأساس هو أن الأمم المتحدة انتقلت من دور أمني وسياسي ميداني مباشر إلى دور أكثر تركيزاً على المساعدات الإنسانية والتنمية وحقوق الإنسان والتنسيق الدولي ودعم المؤسسات"، مضيفاً أن "خروج قوات حفظ السلام لا يعني خروج الأمم المتحدة من مالي، فهناك منظومة الأمم المتحدة ووكالاتها وبرامجها، إضافة إلى مكتب الأمم المتحدة لغرب أفريقيا والساحل، أما في بوركينا فاسو والنيجر فالصورة مختلفة قليلاً، فلم يكن في بوركينا فاسو أو النيجر بعثة أممية لحفظ السلام، مماثلة لتلك التي انسحبت من مالي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويستدرك لنصاري "لكن هناك تراجعاً أو تضييقاً في المجال الذي تستطيع فيه المنظمات الدولية العمل، بسبب الوضع الأمني والسياسي، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، وفي الوقت نفسه فالحاجة الإنسانية آخذة في الارتفاع، فوفق المعطيات الأممية لعام 2026، يحتاج نحو 24.3 مليون شخص إلى مساعدات وحماية في منطقة الساحل، التي تشمل بوركينا فاسو ومالي والنيجر، بينما أدى نقص التمويل إلى تقليص عدد الأشخاص الذين يمكن للجهات الإنسانية الوصول إليهم".
واستنتج لنصاري أن "انحسار الدور الأممي لا يعني أن الأمم المتحدة اختفت من الساحل، وإنما يعني أن الأمم المتحدة فقدت جزءاً كبيراً من أدواتها الميدانية والأمنية، بينما بقيت الحاجة إلى أدواتها الإنسانية والسياسية والتنموية قائمة، بل ازدادت في بعض المجالات، والتحدي الآن هو إيجاد صيغة تحترم سيادة دول تحالف الساحل الثلاث، وتستجيب في الوقت نفسه لحجم الحاجات الإنسانية والأمنية الموجودة على الأرض".
دور إنساني وإنمائي
وزاد الخطاب السيادي، الذي تتبناه الحكومات العسكرية في الساحل الأفريقي، الضغوط على الأمم المتحدة، ولا سيما أن هذه الحكومات تتهم الجهات الدولية بالتدخل في سيادتها وشؤونها الداخلية، في وقت يسعى المنتظم الأممي إلى تأدية دور الوساطة لحل النزاعات في المنطقة، ويعتقد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، علي السيد، أن "الأمم المتحدة لم تخرج نهائياً من منطقة الساحل، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من دورها، ولا سيما الأمني والعسكري المباشر، فيما بقي دورها الإنساني والإنمائي، بل إن الحاجة إليه تعاظمت في ظل موجات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات، والمفارقة أن الدور الأممي يتراجع في ظل حاجات السكان، نظراً إلى وجود ملايين النازحين الذين تركوا منازلهم بسبب الحروب".
وأردف السيد أن "انسحاب القوات الأممية لحفظ السلام، مثل البعثة التي كانت تنشط في مالي، لا يعني نهاية حضور الأمم المتحدة، إذ لا تزال وكالات وبرامج المنظمة تعمل في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لكن المشكلة تكمن في أن هذه الدول تعاني أزمات متراكمة، أمنياً وسياسياً ومناخياً، ولذلك فالحاجة إلى المساعدات الإنسانية تزايدت بعد انسحاب القوات الأممية"، متابعاً أن "تراجع الدور الأمني للأمم المتحدة لا يعني أن الأزمات الأمنية في الساحل الأفريقي انتهت، بل على العكس أصبح العبء يقع على عاتق السلطات المحلية وشركائها الروس، فبعد الانقلابات العسكرية حدثت إعادة صياغة للعلاقات الخارجية في الساحل، من خلال مراجعة العلاقة مع القوى الغربية وفي مقدمها فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، وسط تأكيد ضرورة المحافظة على السيادة الوطنية، وحرية اختيار الشركاء، مع تزايد التعاون مع روسيا".
وأوضح السيد أن "دول الساحل الأفريقي لجأت إلى التخلي عن المؤسسات الدولية في وقت حساس، وهناك تظهر قيمة الأمم المتحدة التي تدير وساطات ومنصات للحوار في المنطقة، مع تنسيق المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين"، مشيراً إلى أنه "عندما انحسر نفوذ الأمم المتحدة هنا، انتقل دورها إلى الحكومات المركزية التي وجدت نفسها أمام وضع صعب، ولا سيما مع تقلص مساحة الوساطات الدولية الرامية إلى حلحلة الأوضاع في الساحل الأفريقي".