ملخص
نفت مصادر عسكرية ودبلوماسية مصرية في حديثها لـ"اندبندنت عربية" ما اعتبرته "مزاعم إثيوبية" في شأن دعم القاهرة عسكرياً لجماعة المعارضة المسلحة في مواجهة الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، معتبرة أن مثل تلك التصريحات "لا تعدو كونها محاولة إثيوبية لتصدير أزمتها للخارج وأنها والعدم السواء".
دخلت العلاقات الإثيوبية - المصرية في منحنى جديد من التوتر، إثر اتهام رئيس الأركان العامة لـ"قوات الدفاع الوطني" الإثيوبية برهانو جولا، كلاً من القاهرة والخرطوم بدعم المعارضة المسلحة سعياً إلى "زعزعة استقرار بلاده وإضعافها" وإطاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، واصفاً البلدين بـ"الخصوم التاريخيين"، وذلك تزامناً مع احتدام النزاع المسلح شمال إثيوبيا بين الحكومة الفيدرالية وتحالف من قوى "المعارضة المسلحة" على رأسه جبهة "تيغراي".
"المزاعم الإثيوبية" وإن لم تكن الأولى من نوعها، إلا أنها عكست في طبيعتها، وفق ما يقول مراقبون، مدى تعقد العلاقات بين أديس أبابا ودولتي المصب، وتجاوز الخلافات بما هو أبعد من مياه نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي، إلى مناطق أكثر حساسية تتصل بالأمن والاستقرار الداخلي والإقليمي، وتتداخل مع ملفات ساخنة بالمنطقة تتمثل في التنافس الجيوسياسي بين القاهرة وأديس أبابا في منطقة القرن الأفريقي وملف أمن البحر الأحمر فضلاً عن الحرب الأهلية في السودان.
وعلى رغم نفي الأطراف المعنية هذه الاتهامات، واعتبارها أنها "والعدم سواء" ولا أساس لها من الصحة، إلا أن احتدام التوتر بين أديس أبابا والقاهرة ووصوله حد تبادل البلدين طرد الدبلوماسيين، طرح أسئلة حول كيفية تعاطي مصر مع انتقال الخلاف مع إثيوبيا إلى الملف الأمني والعسكري، وما إذا كان اتهامات أديس أبابا تسعى إلى إعادة "تعريف خصومتها" مع القاهرة من خلاف مائي وسياسي إلى مواجهة ذات أبعاد استراتيجية أوسع تتداخل فيها ملفات المنطقة الملتهبة، أم أنها تظل جزءاً من إدارة الأزمة الداخلية الإثيوبية المتصاعدة ومحاولة لحشد جبهتها الداخلية في مواجهة "المعارضة المسلحة"؟
ومنذ أكثر من أسبوع، تعيش إثيوبيا تصعيداً عسكرياً بين الحكومة الفيدرالية وجبهة "تحرير شعب تيغراي" المسلحة، مما جدد المخاوف من اندلاع حرب جديدة في هذا البلد الواقع في شرق القارة السمراء، بعد أقل من أربعة أعوام على توقيع اتفاق سلام أنهى الحرب التي احتدمت بين عامي 2020 و2022 وأسفرت عن مقتل 600 ألف شخص في الأقل، وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي. وكان لافتاً التقدم السريع الذي أحرزته جبهة تيغراي في المعارك الراهنة، بعدما سيطروا على مطار عاصمة الإقليم، ميكيلي ومطارين آخرين (شمال البلاد)، وتوغلوا في إقليمي عفر وأمهرة المجاورين، بعدما أعلنوا أنهم يخوضون "حرباً دفاعية" ضد حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
رفض رسمي لـ"المزاعم الإثيوبية"
نفت مصادر عسكرية ودبلوماسية مصرية في حديثها لـ"اندبندنت عربية" ما اعتبرته "مزاعم إثيوبية" في شأن دعم القاهرة عسكرياً لجماعة المعارضة المسلحة في مواجهة الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، معتبرة أن مثل تلك التصريحات "لا تعدو كونها محاولة إثيوبية لتصدير أزمتها للخارج وأنها والعدم السواء".
وبحسب حديث مصدر عسكري مصري لنا، فإن المزاعم الإثيوبية "لا تستحق التعاطي معها مصرياً"، واصفاً إياها بـ"المهاترات غير المسؤولة التي تهدف فقط إلى محاولة حشد الدعم الداخلي في إثيوبيا إلى جانب الحكومة بعدما فقدت جزءاً كبيراً من شعبيتها بسبب سياساتها الخاطئة على المستويين الداخلي والخارجي"، على حد وصفه، موضحاً أن القاهرة "لا تتبع أبداً سياسات تسعى إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وهو مبدأ راسخ في سياساتها الخارجية وتحركاتها الدولية".
ودعا المصدر العسكري أديس أبابا إلى "معالجة أزماتها ومشكلاتها الداخلية بنفسها، بدلاً من محاولة تعليق فشلها الداخلي على الخارج"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن "أزمة جبهة تيغراي وجماعات المعارضة المسلحة في إثيوبيا هي أمر يعود لأعوام بعيدة أقدم من نشوب الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة، مما يعني أنه لا يوجد أي مبرر لإقحام اسم مصر في أزمات إثيوبيا الداخلية".
الأمر ذاته شدد عليه مصدر دبلوماسي مصري، في حديثه معنا، مؤكداً أن "القاهرة لا تتدخل في الأزمة الداخلية الإثيوبية، وأن على أديس أبابا معالجة أزماتها الداخلية بدلاً من إلقاء مسؤوليتها على أطراف خارجية"، معتبراً في الوقت ذاته أن "التصريحات الإثيوبية وعلى رغم أنها تهدف إلى مخاطبة التداخل فإنها تلقي بنتائج سلبية على علاقات البلدين".
وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية السفير نادر زكي، قد كتب تغريدة على صفحته الرسمية على موقع "إكس" مساء الإثنين، شدد فيها على أن "السياسة الخارجية المصرية تقوم على مبادئ راسخة وغير قابلة للتجزئة، وفي مقدمها احترام سيادة الدول، ووحدة وسلامة أراضيها، والالتزام الكامل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة"، معتبراً أن "أي ادعاءات تشكك في التزام مصر هذه المبادئ الراسخة هي والعدم سواء"، وذلك من دون ذكر إثيوبيا أو الاتهامات الصادرة من رئيس أركانها في حق القاهرة.
هي الأخرى تبنت الخرطوم لهجة "رفض وانتقاد" للتصريحات الإثيوبية، وأكدت القوات المسلحة السودانية، في بيان لها، أول من أمس، "رفضها القاطع هذه المزاعم"، معتبرة أن هذه الاتهامات "لا أساس لها من الصحة، في وقت تتوافر فيه معلومات ووقائع عن استمرار دعم وإسناد ميليشيات آل دقلو الإرهابية (قوات الدعم السريع) من الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك التدريب والإمداد واستخدام الأراضي الإثيوبية في أنشطة عسكرية (الطائرات المسيرة الاستراتيجية والانتحارية)".
وذكر الجيش السوداني أن "الخرطوم ملتزمة القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكنه في الوقت ذاته لن يسمح بالمساس بسيادته أو أمنه الوطني"، داعياً أديس أبابا "إلى تحري الدقة والمسؤولية، والاحتكام إلى الحوار والقنوات الرسمية، بما يحفظ أمن واستقرار البلدين والمنطقة".
وجاءت اتهامات قائد الجيش الإثيوبي برهانو جولا، لكل من القاهرة والخرطوم، في وقت عاد فيه القتال إلى شمال إثيوبيا بشكل واسع، مما زاد من تعقيد المشهد الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي.
ومن دون تقديم أدلة على "اتهاماته"، قال جولا السبت الماضي، إن التحديات الأمنية التي تواجهها بلاده تمثل جزءاً من استراتيجية أوسع من جانب من وصفهم بـ"الخصوم التاريخيين والمعاصرين" لإثيوبيا، زاعماً أن هؤلاء الخصوم انتقلوا من محاولة مواجهة أديس أبابا عسكرياً بصورة مباشرة إلى دعم جماعات داخلية بـ"المال والاستخبارات".
واعتبر جولا أن إريتريا تؤدي دور الوسيط بين قوى خارجية وجماعات مسلحة داخل إثيوبيا، مضيفاً أن إريتريا وجبهة تحرير شعب تيغراي لا تملكان القدرة وحدهما على مواجهة الحكومة الفيدرالية، مؤكداً أن ذلك لن يكون ممكناً حتى إن تحالفتا "ما لم يتم دفعهما ودعمهما وتزويدهما من السودان ومصر وقوى أخرى".
وأمس الخميس، تبادلت أديس أبابا والقاهرة طرد الدبلوماسيين، وبعد ساعات من نقل هيئة البث الإثيوبية، أن حكومة آبي أحمد، أعلنت دبلوماسيا مصريا شخصا غير مرغوب فيه وأمرته بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، نقلت قناة القاهرة الإخبارية التابعة للدولة عن مصدر مصري كبير قوله إن القاهرة ردت بالمثل بإعلان مستشار السفارة الإثيوبية في مصر شخصا غير مرغوب فيه وإمهاله 48 ساعة لمغادرة البلاد.
ووصف المصدر الإجراء الإثيوبي ضد الدبلوماسي المصري بأنه مؤسف وغير مبرر، وقال إن مصر ترفض دوما التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. كذلك نقلت وكالة "رويترز" عن المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية نادر زكي قوله إن الإجراء الذي اتخذته القاهرة له ما يبرره. وأضاف أن المعاملة بالمثل هي أساس الدبلوماسية.
وحتى الآن تدور المعارك العسكرية في السودان بشكل رئيس في ثلاثة أقاليم إثيوبية (تيغراي وأمهرة وعفر)، وهي مناطق قريبة من الحدود مع جيبوتي وإريتريا، ويتجاوز عدد سكانها 38 مليون نسمة، مما يثير مخاوف من تحولها إلى حرب إقليمية.
كيف ستتعاطى القاهرة؟
على رغم النفي الرسمي للاتهامات الإثيوبية، فإن طبيعتها وتوقيتها ألقيا بظلالهما على علاقات القاهرة وأديس أبابا المتوترة أصلاً بسبب أزمة سد النهضة، وأضفيا مزيداً من التعقيد عليها، وفق ما يقول مراقبون، مما يطرح أسئلة في شأن كيفية التعاطي المصري مع تبعات الاتهام بعد تجاوز الخلاف بين البلدين إلى ما هو أبعد من مياه نهر النيل.
وفي قراءته المشهد، قال المتخصص الاستراتيجي المدير السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة المصرية، اللواء علاء عز الدين، إن "أزمات المعارضة المسلحة في الداخل الإثيوبي قديمة ولا علاقة لمصر بها"، معتبراً في حديثه إلينا أن "هدف هذه الاتهامات محاولة توريط مصر في النزاع الداخلي الإثيوبي، ولفت الأنظار عن أزمة سد النهضة التي تمثل جوهر الخلاف بين البلدين".
وبحسب عز الدين فإن "محاولة توريط مصر مكشوفة من قبل إثيوبيا، وذلك على رغم أن السياسة الخارجية للقاهرة كثيراً ما أكدت عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم الحكومات الوطنية والشرعية بغض النظر عن مواقفها السياسية، وهو أمر ثابت وراسخ في أي تحرك مصري خارجي منذ القدم"، مشيراً إلى "الانعكاسات السلبية لمثل هذه الاتهامات من قبل أديس أبابا، لا سيما من ناحية إثارة النعرات القومية تجاه دول بعينها".
ومع تأكيده أن "أزمات ومشكلات المعارضة المسلحة في إثيوبيا أقدم من الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا حول مياه النيل، مما يعني عدم ارتباط الأمرين"، أوضح عز الدين أن "الحكومة الإثيوبية في موقف مأزوم داخلياً وتسعى إلى حشد الجبهة الداخلية خلفها، وأن مصر لن تنجر إلى هذه المهاترات بعيداً من هدفها الرئيس في ما يتعلق بمياه نهر النيل والحفاظ على حقوقها المائية، وستتعامل مع الأمر بهدوء وحكمة وصبر من دون التسرع في أي ردود فعل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بدوره استغرب رئيس جهاز الاستطلاع السابق بالجيش المصري أستاذ العلوم الاستراتيجية، اللواء نصر سالم، الاتهام الإثيوبي، قائلاً في حديثه إلينا إن "أديس أبابا تدرك أكثر من غيرها أن القاهرة لا تقبل تشرذم الدول أو انتشار الفوضى بها، بعدما عانت تبعات ذلك خلال الأعوام الماضية على مختلف الجبهات الاستراتيجية لها في ليبيا (الانقسام بين الشرق والغرب) والسودان (الحرب المشتعلة بين الجيش و’الدعم السريع‘)".
وأوضح سالم "من وجهة النظر المصرية الراسخة تبقى الحكومة الإثيوبية الوطنية خياراً مفضلاً للقاهرة في التعاطي مع الملفات الخلافية حتى لو كانت تتبنى نهجاً مغايراً للموقف المصري"، مضيفاً "تدرك القاهرة أن التعامل مع جهة واحدة ونظم سياسية مستقرة أفضل كثيراً من التعاطي مع جهات عدة داخل الدولة الواحدة"، مشيراً إلى أن أي دولة تشهد انقسامات كبيرة وعميقة في داخلها "لا تسبب تحديات لشعبها وحسب وإنما مع أي دولة ترغب في التعامل معها".
ويتابع سالم "ليس من مصلحة مصر المباشرة حدوث أي فوضى في إثيوبيا أو غيرها من البلدان التي يهمها استقرار الأوضاع بها، وأن التوتر حول مياه النيل لن يكون حله بالنسبة إلى القاهرة محاولة زعزعة الاستقرار في أديس أبابا"، مضيفاً أن "مصر ستواصل تعاطيها مع إثيوبيا بالخيارات الدبلوماسية والسياسية لحل المشكلات العالقة بينهما، ما لم يحدث ضرر كبير على مياه النيل يستدعى ممارسة مصر حقها في الدفاع عن أمنها المائي بكل السبل والطرق التي كفلها القانون الدولي".
ولفت سالم إلى أن "التوترات العسكرية والأمنية في إثيوبيا هي صراع قديم على السلطة والثروة، عززه سوء إدارة الحكم وتحول الدولة إلى نظام مركزي يلغي حق تقرير المصير للأقاليم، وهو ما رفضته الأقاليم الإثيوبية وخاضت من أجله مواجهات ضد حكومة أديس أبابا منذ وصول آبي أحمد للسلطة عام 2018".
في المقابل، ووفق قراءة الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أن "الاتهام الإثيوبي لمصر والسودان وإريتريا بالتدخل في هذه المواجهات المسلحة قد يكون له بعض المنطق في توقيته وطبيعته، باعتبار أن كل طرف لديه ما يدفعه لدعم جبهة تحرير تيغراي"، موضحاً في حديثه إلينا "خلال الأعوام الأخيرة أوجدت السياسات الخارجية الإثيوبية في المنطقة خصوماً عدة لها، بعدما تورطت في نزاعات عدة من بينها دعم قوات ’الدعم السريع‘ في السودان ضد قوات الجيش، ومحاولات فتح طرق برية في الداخل السوداني لتحقيق هذا الهدف، فضلاً عن تعميق أزمتها مع مصر بسبب سد النهضة، وعودة الخلافات التاريخية مع دول الجوار وعلى رأسها إريتريا بسبب الصراعات الحدودية، أو الخلافات الكبيرة حول مسعاها للوصول إلى منفذ على البحر الأحمر بغض النظر عن سيادة دول القرن الأفريقي".
وذكر تورشين أنه في ضوء هذه السياقات قد "يكون للاتهامات الإثيوبية ما يبررها من ناحية الشكل، لكن من ناحية المضمون تتمسك هذه الدول بنفي الأمر بصورة مستمرة"، وعليه يضيف "سيظهر دعم هذه الدول لجبهة تحرير تيغراي من عدمه، من خلال تطورات المعارك العسكرية في الداخل الإثيوبي واحتمالات تحقيق جبهة تحرير تيغراي مزيداً من التقدم على الأرض".
ويمضي في القول "إذا استطاعت المعارضة المسلحة الإثيوبية نقل المعارك خارج حدود أقاليم الشمال وهي المناطق التي كانت تفتح فيها المواجهات العسكرية في المرات السابقة فهذا يعني أنها مدعومة، وإذا فشلت وأبقت على المواجهات داخل هذه المنطقة فهذا يعني أنها ما زالت وإن تلقت دعماً فسيكون في إطار الدعم المحدود".
وتعد علاقة مصر بإثيوبيا شديدة الحساسية بسبب الخلاف المستمر في شأن سد النهضة الإثيوبي، واتسع التنافس بين القاهرة وأديس أبابا ليشمل ملفات الأمن الإقليمي والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، في وقت تتشابك فيه الأزمات في إثيوبيا والسودان وإريتريا مع التنافس على النفوذ والممرات البحرية والموارد المائية.
أما علاقات السودان مع إثيوبيا فقد تدهورت بعد اندلاع الحرب في الخرطوم قبل ثلاثة أعوام، واتهام الأخيرة جارتها باستضافة قيادات قوات "الدعم السريع" قبل فتح معسكرات لتدريبها وقواعد تنطلق منها لمهاجمة مواقع في إقليم النيل الأزرق المتاخم لحدودها.
مزيد من التوتر والتعقيد مع أديس أبابا
يجمع كثير من المراقبين أن الاتهام الإثيوبي لمصر بدعم المعارضة المسلحة لن تقتصر تداعياته على مجرد نفي الاتهام، بل سيطاول الملفات الخلافية وعلى رأسها ملف سد النهضة.
وقال اللواء علاء عز الدين إنه على رغم التوتر المتنامي بين القاهرة وأديس أبابا وتشابك وتعقيد ملفات الخلاف بين البلدين، فإن مصر لا تزال حتى اللحظة "تتمسك بالوسائل الدبلوماسية والسياسية لحل تلك الخلافات، مع الترحيب بأي وساطة فاعلة لإنهائها"، معتبراً أن الادعاء الإثيوبي الأخير لن يؤثر في السياسة المصرية ومطالبها الواضحة في ما يتعلق بحقوقها وأمنها القومي.
وذكر عز الدين أن "مصر ستمضي في طريق التمسك بمطالبها، سواء كانت هناك خلافات في الداخل الإثيوبي من عدمه، وأن أي توتر إضافي في العلاقات بين البلدين لن يثني القاهرة عن الحفاظ على تلك الحقوق والدفاع عنها".
في الاتجاه ذاته، شدد اللواء نصر سالم، على "قدرة القاهرة على الفصل بين الملفات وإدارتها بما يتوافق مع مصالحها"، موضحاً أن مصر "لو أرادت سابقاً اللعب بورقة المعارضة المسلحة في إثيوبيا للضغط على الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا كان بإمكانها استخدامها قبل أعوام، لا سيما مع الحرب السابقة التي استمرت بين عامي 2020 و2022 بين الحكومة وتيغراي، إلا أنها لم تسعَ إلى ذلك"، مشدداً في الوقت ذاته على أن "قرارات التحرك المصري في أي ملف والتعاطي معه لن تخضع لأي استفزاز إثيوبي".
من جانبه ووفق تقدير محمد تورشين، فإن الاتهام الإثيوبي وبغض النظر عن صحته من عدمها، إلا أنه أضفى مزيداً من التعقيد والتوتر على علاقات أديس أبابا مع مصر تحديداً، موضحاً "انعكاسات هذا التوتر ستظهر في الملفات الشائكة بين البلدين سواء في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر أو الحرب السودانية، فضلاً عن ملف سد النهضة ومياه نهر النيل".
وذكر تورشين أن "تداعيات مثل هذا التعقيد ستطاول مستقبل العلاقات بين البلدين فترة طويلة"، مضيفاً "إن الأمر اللافت هو إن صح الاتهام وتورطت مصر والسودان في هذه القضية (النزاع الداخلي الإثيوبي) بشكل مباشر فأعتقد أن استمرارية النظام الإثيوبي ستكون فيها كثير من التعقيدات، وسنشهد تحولات كبيرة في الداخل الإثيوبي على المديين القريب والبعيد".
ويأتي تجدد العنف في إثيوبيا خلال الأيام الأخيرة بعد نحو شهرين من اشتباكات محدودة، وقالت منظمة "مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة" (ACLED)، وهي منظمة غير حكومية، إن القتال بين قوات تيغراي والقوات الفيدرالية بدأ قرب الحدود الإثيوبية مع السودان في الأول من أغسطس (آب) الماضي، واتهم الجانبان أيضاً بعضهما بعضاً ببدء تلك الاشتباكات، مشيرة إلى أن هذه التطورات دفعت القوات الحكومية إلى تنفيذ ضربات بطائرات مسيرة، في مقابل تحركات لقوات تيغراي.
ولاحقاً أعلنت الأسبوع الماضي سبع مجموعات معارضة للحكومة الفيدرالية من أقاليم عدة، من بينها "جبهة تحرير شعب تيغراي" وميليشيات "فانو" الأمهرية و"جيش تحرير أورومو"، تشكيل تحالف من أجل "إطاحة" حكومة أديس أبابا، وتوعد هذا التحالف بأنه سيرد بـ"هجمات مضادة واسعة النطاق" على هجمات القوات الفيدرالية، والأربعاء الماضي استولت قوات تيغراي على ثلاثة مطارات كانت خاضعة لسيطرة الحكومة الفيدرالية، تزامناً مع اندلاع القتال في إقليمي أمهرة وعفر المجاورين.
ويقع إقليم "تيغراي" في أقصى شمال إثيوبيا، على الحدود مع إريتريا والسودان، وتقطنه غالبية من قومية تيغراي، وكان الإقليم مركزاً للنفوذ السياسي في إثيوبيا لأعوام، إذ هيمنت جبهة تحرير شعب تيغراي على الائتلاف الحاكم في أديس أبابا لعقود، قبل وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، وإعادته تشكيل الائتلاف الحاكم وحل الجبهة التي كانت تضم الأحزاب الإثنية الرئيسة، وتأسيس حزب الازدهار. ومنذ ذلك الحين رفض قادة تيغراي هذه الخطوة، وتصاعدت الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والقيادة الإقليمية.