Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان لم يدخل المسار الصحيح بعد

كان "حزب الله" على مشارف الهزيمة على يد إسرائيل وكل ما كان ينقص هو مشاركة بيروت في إنهاء الصراع

حطمت قوات الدفاع الإسرائيلية قدرات "حزب الله" بحلول ربيع هذا العام بحيث لم يعد يشكل تهديداً حيوياً لإسرائيل (أ ف ب)

ملخص

واشنطن تعتقد أن الدولة اللبنانية انتقلت إلى موقع الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، وأنها قبلت بالشراكة مع إسرائيل، لقد غير لبنان سياساته تجاه "حزب الله"، لكنه لم يلتزم بعد بالكامل إنهاء وجود الحزب.

في واشنطن، تؤكد التصريحات الرسمية والإعلامية في شأن لبنان أن بلد الرز يسير على الطريق الصحيح، وأن "الاتفاق الإطاري" بين إسرائيل ولبنان كان ناجحاً، وأن قدرات "حزب الله" تراجعت إلى الحد الأدنى، وأن غالبية اللبنانيين راضون عن مسار الأحداث وعن السياسة الأميركية، لكن نظرة أكثر تدقيقاً إلى الأحداث المتطورة تعطي فهماً مختلفاً للوضع، فلنستعرض الواقع المحيط بمختلف تصورات الأطراف، إذ توجد رؤيتان رئيستان للسياسة الأميركية تجاه لبنان.

ترى الرؤية الأولى أن الميليشيات الخمينية أضعفت على يد إسرائيل إلى درجة لم تعد معها قادرة على استعادة قوتها، ومن ثم بات بإمكان الدولة اللبنانية المضي قدماً في نزع سلاح "حزب الله" من جهة، وتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل من جهة أخرى.

أما الرؤية الثانية في واشنطن، التي تصف نفسها بأنها واقعية، فهي أكثر تشاؤماً حيال قدرة لبنان على تحقيق هذه الأهداف. وهي ترى أنه، على رغم صحة القول إن إسرائيل دمرت الميليشيات استراتيجياً، فإنها لم تقتلعها كقوة تهديد داخل الجمهورية اللبنانية، كذلك ترى أن "الاتفاق الإطاري" هو الحد الأقصى الذي يمكن تحقيقه مع لبنان، وليس الحد الأدنى الذي يمكن أن يشكل أساساً للانتقال إلى وضع أكثر تقدماً يؤدي إلى معاهدة لبنانية - إسرائيلية كاملة، فلنقيم الأمور نقطة نقطة.

لقد أدت الهجمات المضادة الإسرائيلية على "حزب الله"، منذ ما بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بالتأكيد إلى تدمير معظم ترسانة الميليشيات الاستراتيجية، والقضاء على أكثر من نصف قيادتها العسكرية، وتفكيك جزء كبير من بنيتها التحتية، وفي نهاية المطاف إلى مقتل أمين عام "حزب الله" وعدد من أعضاء قيادته السياسية، وقد أدت حرب الأيام الـ12 عام 2025 إلى إنهاء قدرة الميليشيات، في الوقت الراهن، على تكرار سيناريو السابع من أكتوبر شمالياً عبر جنوب لبنان، فيما أتاحت حرب 2026 لإسرائيل استهداف القوة الخمينية في مختلف أنحاء لبنان.

وبحلول ربيع هذا العام كانت قوات الدفاع الإسرائيلية قد حطمت قدرات "حزب الله" بحيث لم يعد يشكل تهديداً حيوياً لإسرائيل، وكانت إدارة ترمب قد دعمت حكومة نتنياهو على طول الخط، لوجيستياً واستخباراتياً. وقد غيرت الحربان اللتان أعقبتا السابع من أكتوبر ميزان القوى الاستراتيجي في لبنان. وكان "حزب الله" على مشارف الهزيمة على يد إسرائيل، وكل ما كان ينقص هو مشاركة لبنانية في إنهاء الصراع. وكان لا بد من أن تعترف الحكومة اللبنانية بالهزيمة الكاملة لـ"حزب الله" على يد الجيش الإسرائيلي وأن تضفي عليها طابعاً رسمياً، إلا أن الحكومة اللبنانية لم تتصرف كحليف للولايات المتحدة وإسرائيل، بل تعرضت لضغوط للدخول في محادثات ثلاثية مع إسرائيل برعاية أميركية.

منذ عام 1990 تعاونت الحكومات اللبنانية المتعاقبة مع "حزب الله" وسمحت له بالعمل على أنه "مقاومة"، كما يسمى، مانحة إياه شرعية الحكومة اللبنانية المعترف بها دولياً. وعام 2005 انسحبت قوات بشار الأسد من لبنان بعد نجاح انتفاضة الأرز، لكن "حزب الله" لم ينزع سلاحه على يد الحكومة المناهضة للبعث والموالية للغرب، وبعد ثلاثة أعوام فحسب، في السابع من مايو (أيار) 2008، قادت الميليشيات الخمينية انقلاباً ضد مجلس الوزراء وسيطرت على البلاد.

ومن الناحية العملية واصلت الحكومات اللبنانية وقيادة الجيش اللبناني دعم "حزب الله" منذ عام 2008، من دون أي تغيير في السياسة، وهو ما يفسر النفوذ العميق الذي تمتعت به الجماعة المسلحة المدعومة من إيران داخل مؤسسات الجمهورية اللبنانية طوال العقدين الماضيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعندما بدأت الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع النظام، لم تنحز مؤسسات الدولة اللبنانية بالكامل وبصورة علنية إلى "التحالف"، أولاً، لأن المحور المؤيد لـ"حزب الله" عارض أي انحياز إلى القوى الغربية، وثانياً، لأن السلطة الحاكمة في بيروت لم تكن قادرة على التخلي عن مفهوم "التضامن ضد إسرائيل"، وعلى رغم أن السلطة الحاكمة حرصت على "إدانة الحرب بصورة عامة"، فإنها لم تؤيد الحملة الأميركية على النظام.

إلا أنه بدءاً من العام الجاري تحركت رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة باتجاه الظهور بمظهر أكثر ميلاً إلى الغرب، والمطالبة بما وصفته بـ"جمع السلاح" من "حزب الله"، وهي عبارة تختلف عن "نزع سلاح" الميليشيات، وقد أدت ضغوط إدارة ترمب، إلى جانب العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة ضد القوات "الخمينية"، في نهاية المطاف إلى دفع المؤسستين إلى قبول سياسة رسمية جديدة في شأن "ملف السلاح"، وكذلك في شأن معاهدة سلام محتملة مع إسرائيل.

لكن الأهداف الحقيقية للدولة كانت تتمثل في الحفاظ على وضع قائم جديد، إلى أن تحدد التطورات الإقليمية والدولية الجديدة الاتجاه الذي ينبغي اتخاذه. وبعبارة أخرى، إذا هزمت الولايات المتحدة وإسرائيل النظام وفككتا "حزب الله" بالكامل فإن الدولة المركزية ستقوم بجمع أسلحة الميليشيات، وربما تنضم إلى اتفاق سلام. وكانت تلك الرسالة موجهة إلى واشنطن، التي افترضت أن الدولة اللبنانية قد تجاوزت الخط الفاصل وأصبحت تتعاون مع الإدارة الأميركية.

لكن الدولة المركزية وجهت أيضاً رسالة إلى طهران، ومن ثم إلى "حزب الله"، مفادها أن "الجمهورية اللبنانية" لن تهاجم الميليشيات، أو في الأقل لن تبادر إلى شن هجوم عسكري عليها.

وهنا يمكن التذكير بموقف لبناني مماثل عام 1516، خلال معركة مرج دابق بين العثمانيين والمماليك، عندما أرسل الأمير اللبناني وفدين إلى المعسكرين، ملتزماً بأن يكون حليفاً لكليهما.

دفعت واشنطن الحكومة اللبنانية إلى بدء المفاوضات مع إسرائيل في الربيع الماضي. والمثير للاهتمام أن القوات الإسرائيلية كانت تقاتل "حزب الله" في الجنوب وتقترب من محافظة جبل لبنان، التي تضم المسيحيين والدروز، وتربط الجنوب بالعاصمة بيروت، وهو ما كان من شأنه أن يسمح بتحول استراتيجي يؤدي إلى انهيار "حزب الله".

وباستخدام نفوذ "الوسطاء"، حث نظام إيران واشنطن، عبر مبعوثين، على الضغط على إسرائيل لوقف هجومها المتجه شمالاً، وذلك من خلال دعوة قوية وحازمة من الرئيس ترمب إلى رئيس الوزراء نتنياهو لوقف جميع العمليات في لبنان.

وكان الطلب الأميركي هو بدء اتفاق والتوصل إليه في واشنطن، فتوقفت إسرائيل، ووصل وفدان لبناني وإسرائيلي إلى الولايات المتحدة، وبعد أشهر من المحادثات جرى توقيع "اتفاق إطاري" لتكريس الوضع القائم.

ورفض الرئيس اللبناني الظهور مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، وهو ما عُد إشارة إلى إيران بأن الجمهورية اللبنانية لن تتخلى عن "حزب الله" لإسرائيل. ومع ذلك، رأت الولايات المتحدة أن الصورة المشتركة، أو ما يعرف بـ"Photo Op"، تشكل دليلاً كافياً على أن لبنان "يسير في الطريق الصحيح".

لكن الدولة اللبنانية لم تندمج بالكامل، لا في اتفاق شبيه باتفاق كامب ديفيد، ولا في صفقة من نوع اتفاقات أبراهام، لقد كان الأمر وضعاً قائماً آخر، إلى حين التوصل إلى حل نهائي.

عملياً، إذا فازت المعارضة في انتخابات التجديد النصفي، حسبت طهران أن إدارة ترمب ستتوقف أو تتباطأ في تحركها ضد طهران، أما إذا حافظ الجمهوريون على مجلسي الكونغرس فقد يتمكن ترمب من ضمان تحقيق انتصار حقيقي على الخمينيين.

وسيتأثر لبنان بأي من الخيارين، فإذا شنت حملة أميركية جديدة في مطلع عام 2027 ضد النظام الإيراني، فمن المرجح أن تتحرك إسرائيل ضد "حزب الله" في لبنان، وفي هذه الحال قد تسير الدولة اللبنانية خلف الحلفاء، وربما بدعم عربي، لإنهاء هذه الميليشيات.

أما إذا أعيقت إدارة ترمب من جانب غالبية جديدة في الكونغرس عن استئناف الحرب ضد النظام، فقد يفلت "حزب الله" من التفكيك، ما لم تمض إسرائيل قدماً من دون مشاركة أميركية مباشرة.

وفي الواقع فإن هذه المعادلة مبسطة أكثر من اللازم، إذ توجد سيناريوهات فرعية عدة يمكن أن تنطبق على الوضع.

الخلاصة هي أن واشنطن تعتقد أن الدولة اللبنانية انتقلت إلى موقع الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، وأنها قبلت بالشراكة مع إسرائيل. لقد غير لبنان سياساته تجاه "حزب الله"، لكنه لم يلتزم بعد بالكامل إنهاء وجود الحزب.

مزيد من التقييم سيأتي خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

 

اقرأ المزيد

المزيد من آراء