ملخص
تحتل رواية "الرقم 44، الغريب الغامض" مكانة خاصة ومقلقة في أعمال مارك توين المتأخرة، فهي ليست رواية مغامرات ساخرة على الطريقة المعهودة لدى صاحب "مغامرات هاكلبيري فن"، بل نص فلسفي قاتم يقترب فيه توين من أسئلة الشر، والقدر، والإرادة الحرة، وطبيعة الواقع، بل ومن السؤال الأكثر جذرية: هل العالم الذي نعيش فيه حقيقي أصلاً؟
خلال الأعوام الأخيرة من حياته وتحديداً قبل رحيله عام 1910، عرف المقربون من مارك توين أن الكاتب الذي ملأ أدبه سخرية وفكاهة بما في ذلك كتاب تجواله السياحي الذي أوصله إلى الجنوب الأوروبي والشرق الأدنى، ولم يفته فيه أن يسخر حيناً من الشعوب التي يزورها، وأحياناً من رفاقه الأميركيين في تجواله البحري، وبخاصة من الفرنسيين الذين منذ كتب عن كون مدينتهم الجنوبية مارسيليا، تعتبر من أنشط مدن صناعة الصابون في أوروبا ليتساءل "لماذا تراهم لا يغتسلون؟"، نقل عنه قراؤه أسطورة القذارة الجسدية للفرنسيين، ها هو في آخر حياته منهمك في كتابة نص أخير تسرب أنه سيكون روحياً بالغ الجدية.
ولكن حين مات توين تبين أنه ترك وراءه ثلاثة نصوص تتسم بالسمات نفسها ويبدأ كل منها بعبارة تتشابه إلى حد ما مع ما يبتدئ به النصان الآخران. وهكذا بات لدى الورثة نص يبدأ بعبارة "كان ذلك عام 1702"، وآخر ينطلق من "كان ذلك قبل نحو 50 عاماً من الآن"، أما الثالث فيبدأ بجملة "حدث ذلك عام 1490".
ومع ذلك كان لكل نص عناوين خاصة به: "مدونات الشيطان الصغير" و"سكولهاوس هيل" وأخيراً "رقم 44، الغريب الغامض"، غير أن النصوص لم تكن هي نفسها على رغم أن ثمة فكرتين تهيمنان عليه: الأولى تتعلق بظهور "كائن ما فوق طبيعي في هذا العالم"، والثانية تخبرنا أن لكل شخصية من الشخصيات قريناً خاصاً بها.
أسئلة ميتافيزيقية
غير أن الأهم من ذلك كله هو أن النصوص الثلاثة معاً تبدو خارجة تماماً عن مألوف أدب صاحب "توم سوير" و"هاكلبري فن"، وتبتعد تماماً عن لغته المتهكمة وأسلوبه الفكه. كان مارك توين هنا من التغير والغرابة إلى درجة أن ناشره المعتاد استغل فرصة غيابه إذ مات الكاتب وهو بالكاد أنجز النصوص الثلاثة، ليمتنع عن نشرها مستبدلاً بالنص الأخير نصاً شديد الاختلاف إنما ينطلق من الأسئلة والأفكار الميتافيزيقية نفسها، كما سنرى.. ناهيك بأنه يحمل توقيع الناشر بوصفه "مؤلفاً غامضاً للكتاب" وقد بدل الجملة الافتتاحية بعبارة "حدث ذلك عام 1590" بدلاً من "عام 1490"، مما يعني نسف الفكرة المتوخاة برمتها.
ولنضف إلى هذا أن الناشر وقد تبنى الكتاب ضمنياً أقدم أيضاً على حذف كل الصفحات والفقرات التي سيتبين حين ينشر الكتاب الأصلي بعد عقود طويلة، أن توين هاجم فيها وبصورة راديكالية كل ما يتعلق بالكنيسة وبالسلطة السياسية. ولعل الغريب في الأمر أن الكنيسة والسلطة المستهدفين كانتا تينك المهيمنتين على الولايات المتحدة زمن الكاتب وكتابه، حتى وإن كان قد استخدم للوصول إلى ذلك تورية تعود إلى التاريخ القديم المتعلق بولادة المطبعة كناية عن ولادة النهضة الإنسانية الحقيقية.
ولعل الناشر في إصداره النسخة الأولى من الكتاب عام 1916 وقد نسف أفكاره تماماً، رحم الكاتب الراحل بجعل خصومه عاجزين عن رجمه واتهامه بالمروق والزندقة، إذ جعل ذلك النص وصيته الفكرية والسياسية التي أراد منها أصلاً أن تزيل القناع الذي غطى به "حقيقته" طوال حياته. وكل هذا سينكشف لاحقاً حين يعاد عند بدايات الألفية الجديدة، صدور النص الأصلي الذي وضعه توين وأفكاره التي كان يريد التعبير عنها، وبصورة تدفع إلى إعادة قراءة أدبه قراءة جديدة، فماذا في هذه الرواية؟
عالمنا بين الوهم والحقيقة
إذاً، انطلاقاً من هنا، تحتل رواية "الرقم 44، الغريب الغامض" مكانة خاصة ومقلقة في أعمال مارك توين المتأخرة، فهي ليست رواية مغامرات ساخرة على الطريقة المعهودة لدى صاحب "مغامرات هاكلبيري فن"، بل نص فلسفي قاتم يقترب فيه توين من أسئلة الشر، والقدر، والإرادة الحرة، وطبيعة الواقع، بل ومن السؤال الأكثر جذرية: هل العالم الذي نعيش فيه حقيقي أصلاً؟
وتقول لنا سيرة توين إن عمله على ذلك المشروع الذي انتهى بكتابته "الغريب الغامض"، بصورة متقطعة بين عامي 1897 و1908، كتب خلالها الصيغ الثلاث الرئيسة المختلفة، أما صيغة "الرقم 44" فهي الأخيرة والأكثر اكتمالاً، وتدور أحداثها في النمسا عام 1490، في أجواء القرون الوسطى وبدايات الطباعة.
إذاً تبدأ الحكاية في مطبعة، حيث يظهر فتى غريب يدعى "الرقم 44"، أي إنه لا يحمل اسماً بالمعنى المعتاد، بل رقماً طويلاً: "44، السلسلة الجديدة 864962". يدخل هذا الغريب عالم المطبعة بوصفه عاملاً متواضعاً، لكنه سرعان ما يكشف عن قدرات خارقة للطبيعة. يستطيع أن يغير الأشياء والأشخاص، وأن ينتقل بين الأزمنة والأمكنة، وأن يجعل الواقع نفسه يبدو قابلاً للتشكيل، ومن هنا تتحول الحكاية تدريجاً من قصة عن فتى غريب إلى تجربة في طبيعة الواقع والوعي.
ليس شيطاناً تقليدياً
واللافت أن "44" لا يظهر بوصفه الشيطان التقليدي الذي يأتي لإغواء البشر، إنه أقرب إلى كائن فوق بشري يكشف للبشر هشاشتهم وأوهامهم، ولذلك يرتبط بالشخصية القديمة التي تظهر في الصيغ السابقة من المشروع، وهي "الشيطان الشاب" (Young Satan)، لكن توين يدفع الفكرة في النسخة الأخيرة إلى منطقة أكثر فلسفية وتجريدية، فالشر في الرواية ليس مجرد نتيجة لأفعال أفراد أشرار، بل يبدو كامناً في نظام الوجود نفسه. البشر يتقاتلون ويضطهد بعضهم بعضاً، وتبدو الأخلاق والدين والمؤسسات الاجتماعية عاجزة عن تقديم تفسير مقنع لمعاناة الإنسان. وهنا يظهر التشاؤم المتأخر عند توين بوضوح شديد: العالم الذي كان الأدب الأميركي في القرن الـ19 يراه مجالاً للتقدم والإمكانات يصبح عنده عالماً تحكمه المصادفة والوهم والعنف.
ومن أهم أفكار الرواية كذلك نقد الإيمان بالتقدم، فاختيار عام 1490 ليس اعتباطياً، إنها لحظة تاريخية تقع عند عتبة الحداثة والطباعة وانتشار المعرفة. ومع ذلك لا يؤدي ازدياد المعرفة إلى تحرير الإنسان بالضرورة، وهنا تكمن المفارقة: التكنولوجيا والمعرفة يمكن أن تتقدما، فيما يظل الإنسان أسير غرائزه وأوهامه.
ولهذا يمكن قراءة "الرقم 44" بوصفها رواية عن أزمة الحداثة قبل أن تكون رواية فانتازيا. إنها تستعيد الماضي لكي تتحدث عن حاضر توين ومستقبل الإنسان، وقد لاحظت دراسات حديثة أن الرواية تستخدم أوروبا الإقطاعية لتأمل عالم الرأسمالية الأميركية في زمن توين وما يحمله من أوهام حول الجدارة والتقدم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تشكيك الحدود القصوى
أما نهايتها فتدفع التشكيك إلى أقصى حدوده، إذ ينكشف "44" بوصفه جزءاً من وعي الشخصية الرئيسة، أو في الأقل بوصفه مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بعالمه الذهني. وهنا يصبح السؤال: هل كان الغريب كائناً حقيقياً أم صورة من صور العقل؟ وبذلك تنتقل الرواية من الفانتازيا إلى نوع من الوجودية المبكرة، إذ لا يعود العالم حقيقة مستقلة ومطمئنة، بل احتمالاً ذهنياً قابلاً للانهيار.
والحال أن أهمية هذه الرواية تزداد بفعل تاريخ نشرها المضطرب، فقد نشر باين بعد وفاة توين نسخة بعنوان "الغريب الغامض" عام 1916، لكنه جمعها من مخطوطات مختلفة وعدل النص وحذف أجزاء منه، ولذلك أثبتت الدراسات اللاحقة أن تلك النسخة لا تمثل بدقة النص الذي تركه توين. وقد أعادت جامعة كاليفورنيا نشر المخطوطات كما كتبها توين، وأصبحت نسخة "الرقم 44" هي النص المعتمد لدراسة هذا العمل المتأخر.
ومن هنا تأتي قيمة "الرقم 44": إنها تكشف مارك توين آخر، أكثر قتامة وفلسفية وتمرداً من مارك توين الساخر المعروف، فالضحك هنا لم يعد وسيلة للسخرية من المجتمع فحسب، بل يصبح سلاحاً ضد فكرة أن العالم عقلاني وعادل وقابل للفهم. وربما لهذا تبدو الرواية، على رغم بعدها عن شهرته التقليدية، واحدة من أكثر نصوص مارك توين اقتراباً من أسئلة القرن الـ20: العدم، والعبث، وهشاشة الواقع، ووحدة الإنسان أمام كون لا يقدم له تفسيراً جاهزاً.