ملخص
تأتي تصريحات وزير الخزانة الأميركي في وقت تصعد فيه واشنطن حملة "العزلة الاقتصادية" ضد طهران، بينما تحاول إيران استخدام إعادة فتح مضيق هرمز كورقة تفاوضية في مقابل تخفيف الضغوط الأميركية.
حذر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت من أن الاقتصاد الإيراني قد يصل إلى مرحلة لا يبقى فيها لدى طهران "شيء لتتاجر به" خلال نحو أسبوعين، بأحدث تصعيد في الخطاب الأميركي في شأن تأثير العقوبات والحصار في أحد أهم مصادر إيرادات البلاد. وقال بيسنت، في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" إن نحو 15 مليون برميل فقط من النفط الإيراني لا تزال في البحر ومخصصة للتسليم، وهذه الكميات قد تمثل آخر شحنات النفط التي تستطيع إيران إرسالها إلى الصين في ظل القيود الأميركية المتزايدة.
أضاف وزير الخزانة الأميركي أن إيران "في الأرجح، خلال الأسبوعين المقبلين، ستسلم آخر شحناتها النفطية إلى الصين، وبعد ذلك لن يكون لديها شيء"، معتبراً أن تراجع الإيرادات النفطية يزيد الضغوط على طهران ويدفعها إلى البحث عن اتفاق مع واشنطن.
وتأتي تصريحات بيسنت بعد أسابيع من تقديرات أميركية سابقة تحدثت عن كميات أكبر من النفط الإيراني المتبقية لدى الصين، ففي السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري، قال بيسنت إن نحو 30 مليون برميل من الخام الإيراني لم تكن الصين قد اشترتها بعد، وهذه الكمية ستنفد قريباً في ظل القيود الجديدة.
حملة اقتصادية لتجفيف مصادر الدخل
تشكل صادرات النفط محوراً رئيساً في حملة الضغط الأميركية الجديدة التي أطلقتها وزارة الخزانة تحت اسم "عملية المنبوذ الاقتصادي"، في الـ24 من أغسطس (آب) الماضي.
وقالت وزارة الخزانة إن العملية تهدف إلى قطع "شرايين الحياة الاقتصادية" المتبقية للنظام الإيراني، من خلال استهداف شبكات تهريب النفط والوسطاء والقنوات المالية التي تستخدمها طهران لتجاوز العقوبات والحصول على الإيرادات.
ومنذ إطلاق العملية، وسعت واشنطن نطاق العقوبات ليشمل قطاعات وشبكات مرتبطة بالنظام الإيراني، بما في ذلك مؤسسات مالية وشركات طيران وبنية تحتية للأصول الرقمية.
وفي الـ28 من أغسطس الماضي، استهدفت وزارة الخزانة الأميركية وصول إيران إلى النظام المصرفي الأميركي عبر إجراءات ضد بنك "مصر" في الإمارات، وفرضت عقوبات على مدير فرع بنك "ملي" الإيراني في دبي رضا محمد تائدي، ضمن إجراءات استهدفت شبكات مالية وصرافة تساعد إيران على تحويل الأموال والوصول إلى النظام المالي الدولي عبر ما يُعرف بـ"بنك الظل".
وفي سبتمبر الجاري، فرضت واشنطن عقوبات على بنك "في تي بي" الروسي، متهمة إياه بالمساعدة في عمليات مرتبطة بالتحايل على العقوبات الإيرانية، واستهدفت شبكات مالية وأصولاً رقمية قالت إنها تساعد طهران على تجاوز القيود.
الضغط يمتد إلى الطيران والقطاع المالي
لم تقتصر الحملة على النفط والبنوك، ففي الثامن من سبتمبر الجاري، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على عشرات الجهات المرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، وقالت إن الإجراءات تستهدف الوسطاء والشركات التي تساعد شركات الطيران الإيرانية على العمل والحصول على الطائرات والتكنولوجيا والخدمات.
وتقول واشنطن إن الهدف هو جعل التعامل مع إيران أكثر كلفة ومخاطرة بالنسبة إلى الشركات والبنوك الأجنبية، خصوصاً من خلال العقوبات الثانوية التي يمكن أن تهدد وصول المؤسسات الأجنبية إلى النظام المالي الأميركي.
وكان بيسنت قد قال عند إطلاق العملية إن إيران تواجه خيارين "العزلة العالمية الكاملة" أو العودة إلى مسار يسمح لها بإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي.
هرمز يتحول إلى ورقة تفاوضية
أصبح مضيق هرمز محوراً رئيساً في المواجهة الاقتصادية والعسكرية، وكان المضيق يشهد قبل اندلاع الحرب مرور كميات ضخمة من النفط والغاز، فيما أدت الهجمات والتهديدات التي استهدفت الملاحة إلى اضطرابات كبيرة في حركة السفن، لكن تقديرات التدفقات تغيرت خلال الأسابيع الأخيرة.
وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن متوسط تدفقات النفط عبر المضيق يقترب من 13 مليون برميل يومياً، مضيفاً أن أكثر من 20 مليون برميل عبرت المضيق في أحد أيام الأسبوع الماضي، وهو مستوى يتجاوز التدفقات التي كانت سائدة قبل الحرب.
ويعكس ذلك تحسناً في حركة الملاحة مقارنة بالمراحل الأكثر اضطراباً من الصراع، مع استخدام مسارات قريبة من السواحل العمانية وعمليات مرافقة للسفن وإجراءات أخرى لتقليل الأخطار.
وقال بيسنت إن المضيق "مفتوح"، وحركة النفط عادت إلى مستويات مرتفعة، في محاولة لإظهار أن طهران لم تعد قادرة على استخدام الممر المائي بالطريقة نفسها كورقة ضغط على الأسواق العالمية.
إيران تعرض هدنة مقابل تخفيف الضغوط
في المقابل، طرحت إيران أخيراً خطة لوقف إطلاق النار لمدة سبعة أيام وإعادة فتح مضيق هرمز، مقابل تخفيف الضغوط الأميركية والإفراج عن نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة ورفع الحصار.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض المقترح، قائلاً إنه غير مقبول، فيما واصلت طهران الإشارة إلى استعدادها للتفاوض على حل سياسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويأتي ذلك بعدما قال ترمب في الأمم المتحدة إن واشنطن تسعى إلى عزل إيران اقتصادياً، فيما أشار إلى أن إمكانية التوصل إلى اتفاق لا تزال قائمة في حال تغيرت الظروف السياسية والتفاوضية.
اقتصاد إيران أمام اختبار صعب
تراهن إدارة ترمب على أن الجمع بين العقوبات المالية والقيود على صادرات النفط والضغط على البنوك والشركات الأجنبية سيقلص قدرة إيران على تمويل تجارتها الخارجية والحفاظ على تدفق العملة الصعبة.
لكن تقدير بيسنت بأن إيران لن يبقى لديها "شيء" لتتاجر به خلال أسبوعين يظل توقعاً من مسؤول أميركي، وليس قياساً مستقلاً لحجم الاقتصاد الإيراني أو لجميع مصادر دخله، فإيران لا تعتمد على النفط وحده، وقدرتها على استخدام الوسطاء والشبكات التجارية والمالية غير المباشرة ظلت إحدى وسائل التكيف مع العقوبات على مدى أعوام.
إلا أن تشديد القيود على المصارف وشركات الشحن والتأمين والمشترين المحتملين للنفط يرفع كلفة هذه العمليات ويقلص الخيارات المتاحة أمام طهران.
وقال بيسنت إن إيران أصبحت "معزولة عن العالم"، وهدفه هو ضمان التزام طهران بأي اتفاق مستقبلي مع واشنطن، في إشارة إلى انهيار مذكرة التفاهم السابقة، وأضاف أن أي اتفاق جديد، إذا قرر ترمب إبرامه، يجب أن يضمن التزام إيران بشروطه، قائلاً إن الضغوط الحالية تهدف إلى دفع طهران إلى تقديم تنازلات أكبر.
وبينما تواصل واشنطن تشديد الخناق الاقتصادي، يبقى النفط ومضيق هرمز في قلب المواجهة، إذ تحاول الولايات المتحدة تقليص قدرة إيران على استخدام صادرات الطاقة والتجارة الخارجية للحصول على العملة الصعبة، في حين تسعى طهران إلى الاحتفاظ بالمضيق كورقة تفاوضية رئيسة في أي تسوية مقبلة. وتُظهر التطورات الأخيرة أن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل تحول بصورة متزايدة إلى معركة على قدرة إيران على الوصول إلى الأسواق والتمويل والتجارة الدولية.