ملخص
الجزائر ليست طرفاً هامشياً في ملف الترشيح المشترك الذي تقوده تونس بالتنسيق مع مصر وتركيا إلى "سجل ذاكرة العالم" التابع لليونسكو، ضمن دورة 2026-2027، فهي الأرض التي شهدت لحظة تشكّل "المقدمة" نفسها، حين اعتزل ابن خلدون في قلعة بني سلامة وكتب مسودتها الأولى عام 1377، فضلاً عن ارتباطه بمدينتي تلمسان وبسكرة اللتين تنقّل بينهما، وبإمارة بجاية حيث تولى الحجابة، مما يمنح الجزائر سنداً تاريخياً مباشراً لحضورها في هذا الملف، لا بوصفها مجرد شريك في الترشيح، بل بوصفها الفضاء الذي وُلد فيه النص الفكري الأهم في مسيرة ابن خلدون.
عادت "مقدمة" المؤرخ وعالم الاجتماع عبدالرحمن ابن خلدون إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعد ما يقارب ستة قرون على رحيل صاحبها، فالكتاب الذي حاول مؤلفه، في القرن الـ14، أن يفكك قوانين نشوء الدول وصعود الحضارات وأسباب تماسكها وانهيارها، غير أن هذا النص المؤسس في علم الاجتماع والتاريخ لم يعد اليوم مجرد إرث فكري تتداوله المكتبات، بل بات موضع تنافس دبلوماسي وثقافي بين دول تسعى إلى تثبيت حضوره ضمن الذاكرة الإنسانية العالمية، وفي مقدمتها الجزائر التي تحتل مكانة محورية في هذا المسعى.
الجزائر ليست طرفاً هامشياً في ملف الترشيح المشترك الذي تقوده تونس بالتنسيق مع مصر وتركيا إلى "سجل ذاكرة العالم" التابع للـ"يونسكو"، ضمن دورة 2026-2027، فهي الأرض التي شهدت لحظة تشكّل "المقدمة" نفسها، حين اعتزل ابن خلدون في قلعة بني سلامة وكتب مسودتها الأولى عام 1377، فضلاً عن ارتباطه بمدينتي تلمسان وبسكرة اللتين تنقّل بينهما، وبإمارة بجاية حيث تولى الحجابة، مما يمنح الجزائر سنداً تاريخياً مباشراً لحضورها في هذا الملف، لا بوصفها مجرد شريك في الترشيح، بل بوصفها الفضاء الذي وُلد فيه النص الفكري الأهم في مسيرة ابن خلدون.
ترشيح مشترك
وأوضحت المندوبية الدائمة لتونس في اليونسكو، أن تقديم هذا الترشيح "يأتي إيماناً بالقيمة التاريخية والعلمية التي تمثلها ’المقدمة‘، باعتبارها من أبرز المؤلفات الفكرية المرتبطة بتاريخ المنطقة، وبالنظر إلى ارتباط مسيرة ابن خلدون بتونس وعدد من البلدان التي أسهمت في حفظ مخطوطات مؤلفه وانتشارها".
وأوضحت المندوبية أن تنسيق هذه الخطوة "مع الدول الشقيقة بدأ قبل عام، وأن ملف الترشيح الآن بصدد التقييم من قبل لجان الخبراء المعتمدين لدى المنظمة".
ومن المقرر أن يتم الإعلان عن لائحة التراث الثقافي الذي سيجري إلحاقه بسجل "ذاكرة العالم" في ربيع 2027، في مناسبة اجتماع المجلس التنفيذي لمنظمة "اليونسكو".
وأوضح المؤرخ عبدالحميد الأرقش، رئيس اللجنة العلمية المقترحة لجائزة ابن خلدون ومنسق اللجنة الدولية لدعم تسجيل "المقدمة" في سجل "ذاكرة العالم"، خلفيات هذا الملف، مشدداً على أن الفكرة انطلقت من تونس التي تولت بنفسها تنسيق إعداد ملف الترشح، وأن انضمام دول أخرى إليه لا يعني بأي حال تراجعاً عن ارتباط تونس بابن خلدون وبمؤلفه.
وأشار الأرقش إلى أن اللجنة، التي تأسست بصورة تطوعية مطلع عام 2024 وضمّت باحثين أكاديميين، أطلقت نداءً يدعو إلى إدراج "المقدمة" في سجل "ذاكرة العالم"، انطلاقاً مما يحمله هذا الإنجاز الفكري من أبعاد إنسانية وعالمية، حسب ما أوردته وكالة تونس أفريقيا للأنباء.
أما عن مشاركة الجزائر ومصر وتركيا في الملف، فأوضح الأرقش أن لوائح "اليونسكو" تسمح لأي دولة بالانضمام إلى ملفات الترشيح من هذا النوع، سواء كانت تملك مخطوطات أصلية للعمل المعني، أو كانت قد أسهمت في حفظ فكره وذاكرته وتريد التقدم بملف لهذا الغرض.
وأطلقت منظمة "اليونسكو" برنامج "ذاكرة العالم"، عام 1992، ويهدف إلى حماية التراث الوثائقي العالمي من الضياع، وتيسير إتاحته للجمهور، وتعزيز الوعي بأهميته، أما السجل الدولي فيضم مواد وثائقية تستوفي معايير أبرزها الأهمية العالمية والقيمة التاريخية الاستثنائية.
ذاكرة إنسانية مشتركة
ويقول توفيق عبيدي، الباحث الجزائري في علم الاجتماع بجامعة قالمة، إن الحديث عن ابن خلدون في الجزائر لا يتعلق فقط بشخصية تاريخية مرت بالمكان ثم غادرته، بل بمفكر ارتبطت إحدى أهم مراحل تشكل مشروعه الفكري بالمجال الجزائري.
وأوضح عبيدي لـ"اندبندنت عربية" أن مشاركة الجزائر في الترشيح المشترك لمقدمة ابن خلدون ضمن سجل ذاكرة العالم التابع للـ"يونسكو" تحمل دلالة تتجاوز الاعتراف الرمزي، فهي تضع الجزائر في قلب النقاش حول أحد أهم المنجزات الفكرية في تاريخ الحضارة العربية والإسلامية.
وأضاف أن "العلاقة الجزائرية بابن خلدون تكتسب أهميتها من مساره في بلاد المغرب الأوسط، لا سيما إقامته في قلعة بني سلامة قرب فرندة بولاية تيارت، حيث وجد في العزلة النسبية للمكان فرصة للابتعاد عن صراعات السلطة والاشتغال بالتأليف والتفكير، حيث ارتبطت القلعة التي أقام بها نحو أربعة أعوام بمرحلة حاسمة من مشروعه العلمي، وببلورة الأفكار التي تظهر في ما بعد في "المقدمة"، وارتبط مساره السياسي والعلمي بمدن جزائرية أخرى في مقدمتها بجاية وتلمسان.
وتابع المتحدث "يمكن للجزائر أن تقدم علاقتها بابن خلدون باعتبارها جزءاً من الجغرافيا التي احتضنت إنتاج المعرفة الخلدونية، وهذه نقطة أساسية في فهم قيمة ابن خلدون بالنسبة إلى الذاكرة الجزائرية، فالمكان هنا أصبح جزءاً من تاريخ تشكل فكرة علمية عن المجتمع والعمران والدولة، وعليه تكمن أهمية ابن خلدون في محاولته للبحث عن القوانين والآليات الاجتماعية التي تفسر قيام الدول وتحولها، والعلاقة بين العصبية والسلطة، وبين أنماط العيش والعمران، وهذا جعل حضوره في الجزائر فرصة لإعادة اكتشاف جانب من تاريخ التفكير الاجتماعي في المنطقة".
وقال عبيدي إن "أهمية هذا الترشيح المشترك تظهر في جانب آخر كذلك، فبدل أن تتحول الصلة بابن خلدون إلى منافسة بين الدول أو الشعوب على انتسابه بين من يستند على مكان نشأته أو إقامته وإنتاجه الفكري أو استحضار مرحلة من مراحل ترحاله وتراثه، يمكن أن يقدم ملف ذاكرة العالم نموذجاً مختلفاً، إذ يقدم ابن خلدون المغاربي في جذوره ومساره، العربي والإسلامي في مجاله الحضاري، والإنساني في القيمة المعرفية التي تركها".
وتابع عبيدي "هنا يمكن للجزائر أن تضطلع بدور مهم في إعادة صياغة هذا الخطاب الجامع، فهي لا تحتاج إلى امتلاك ابن خلدون حتى تثبت علاقتها به، بل يكفي أن تجعل من مختلف المحطات الجزائرية في حياته شواهد على إسهام المجال الجزائري في تاريخ إنتاج هذا الفكر".
وذكر المتحدث أنه "إذا تم اعتماد إدراج المقدمة في سجل ذاكرة العالم، يمكن لهذه الخطوة أن تفتح الباب أمام تصور جديد للتراث الذي لا تتناقص قيمته عندما تتقاسمه الشعوب بل تكبر وتتسع أكثر، وفي هذه الرؤية لا تتخلى الجزائر عن حقها في الاعتراف والاعتزاز بابن خلدون الذي كان هنا وأسهم في إنتاج فكر تجاوز حدود الزمان والمكان، وهكذا يصبح دور الجزائر في هذا الملف أبعد من المشاركة الإجرائية، فهي فرصة لتحويل الجغرافيا الجزائرية التي احتضنت جزءاً من المشروع الفكري لابن خلدون إلى جسر بين الذاكرة الوطنية والذاكرة الإنسانية المشتركة".
قيمة استثنائية
وتكشف الببليوغرافيا التي أعدتها "اليونسكو" حول ابن خلدون ومؤلفاته عن اتساع رقعة الاهتمام العالمي بفكره، من خلال ترجمات ودراسات متنوعة صدرت بلغات مختلفة، من بينها نسخ مترجمة كاملة أو مختارة من "المقدمة" إلى الإنجليزية والفرنسية، إضافة إلى أبحاث أكاديمية تناولت إسهاماته في التاريخ وعلم الاجتماع والسياسة.
ويجعل هذا الحضور المعرفي الواسع من ترشيح "المقدمة" إلى "ذاكرة العالم" أمراً يتجاوز البعد الرمزي للاحتفاء بشخصية تاريخية، إذ يتصل الرهان كذلك بصون المخطوطات المرتبطة بواحد من أكثر الأعمال تأثيراً في دراسة المجتمع والتاريخ، وبتسليط الضوء على مسار تنقّل الأفكار والمعارف عبر الفضاءين المغاربي والمتوسطي.
وترتبط الدول الأربع المرشِّحة للملف بمحطات أساسية في حياة ابن خلدون ومسار تكوين فكره، ففي تونس، مسقط رأسه عام 1332، تلقى تعليمه الأول، ومنها انطلقت مسيرته السياسية والعلمية، وفي الجزائر، تنقّل بين تلمسان وبسكرة، ومارس العمل السياسي والتدريس، قبل أن يعتزل في قلعة بني سلامة عام 1377، حيث وضع المسودة الأولى "للمقدمة".
أما مصر، فكانت محطة إقامته الأخيرة، وصل إلى القاهرة عام 1382، ودرّس في الأزهر وتولى قضاء المالكية، وواصل فيها تنقيح "المقدمة" و"كتاب العبر" حتى وفاته عام 1406. بينما ارتبطت "تركيا" بتاريخ تلقي الكتاب وترجمته إلى التركية العثمانية، بدءاً من القرن الـ18.
وكانت "المقدمة" في الأصل مقدمة لكتاب "العبر"، لكنها تحولت لاحقاً إلى مؤلف مستقل، يتناول في ستة أبواب قضايا العمران والاجتماع والدولة والمدن والاقتصاد والعلوم والتعليم، مؤسساً لما سماه ابن خلدون "علم العمران"، وقدم فيها منهجاً نقدياً لكتابة التاريخ، داعياً إلى إخضاع الأخبار للرواية والتمحيص ومقارنتها بواقع المجتمعات، ورفض الأرقام والروايات التي تتعارض مع منطق السكان والموارد والقدرة الاقتصادية والعسكرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكمن القيمة الاستثنائية "للمقدمة" في أنها تجاوزت كونها تمهيداً لكتاب تاريخي، لتصبح "مشروعاً فكرياً متكاملاً لفهم المجتمع والدولة والعمران البشري"، فقد انتقل ابن خلدون من سرد الأحداث إلى البحث في أسبابها والقوانين التي تحكم نشوء الدول وازدهارها وانهيارها، متناولاً مفاهيم مثل العصبية والعمران والاقتصاد وأنماط العيش وعلاقة السلطة بالمجتمع.
ولهذا اكتسبت "المقدمة" مكانة تتجاوز حدود عصرها، إذ يرى فيها باحثون ضمن "التاريخ العام لأفريقيا"، الصادر عن "اليونسكو"، عملاً قائماً بذاته، أسهم في إرساء مبادئ دراسة التاريخ على أساس نقد المصادر والبحث في القوانين الاجتماعية، وفي وضع إرهاصات مبكرة لما سيعرف لاحقاً بعلم الاجتماع.
منعطف مصيري
من جانبه، يرى الباحث والمؤرخ المصري أحمد العدوي أن هجرة ابن خلدون إلى مصر، واستقراره فيها، مثلا منعطفاً مَصيرياً في مسيرته بوصفه عالماً، إذ فتحت تلك الهجرة أمامه آفاقاً لم يكن يحلم بها عندما استقل السفينة التي حملته على متنها من القيروان إلى الإسكندرية.
وقال العدوي في تصريح لـ"اندبندنت عربية" إن سمعة ابن خلدون سبقته إلى مصر، قبل أن تطأ أقدامه أرضها، وبالمثل، ما انفك ابن خلدون يسأل أصحابه، الذين عادوا من مصر إلى بلاد المغرب، عن مصر، قبل أن يرحل إليها. فكأنه رآها بعين الخيال قبل أن يراها رأي العين.
وأضاف المؤرخ المصري "طابت لابن خلدون الحياة في مصر، ووجَد في بيئتها العلمية المزدهرة -في ظل حكم المماليك- موطئاً لقدمه، إذ شاءت تصاريف القدر أن يتولى الملك الظاهر برقوق السلطنة قبيل وصول ابن خلدون إلى القاهرة، حيث استطاع ابن خلدون بفضل شهرته في بلاد المغرب، واتصاله بحكامه، وتاريخه في خدمتهم، فضلاً عما وهبه من حضور آسر، وعلم غزير، ونسب عريق، وأدب وافر، أن ينسج شبكة واسعة من الصلات والعلاقات مع أعيان الدولة، وبطانة السلطان، وقد مهدت له هذه الصِّلات الطريق ليتقلَّد، أرفع المناصب العِلمية والقَضائية في الدولة المملوكية".
وأوضح العدوي الذي يشغل منصب أستاذ مساعد بكلية الإلهيات في جامعة 18 آذار بتركيا، أنه "على رغم بعض المنازعات والخصومات، فإن ابن خلدون اكتسَب من الهيبة والنفوذ ما وفَّر له أسباب الاستقرار المادي والمعنوي في القاهرة، وهو ما انعكس على تفرغه لمشروعه العلمي، فما انفك عاكفاً على تنقيح ’المقدمة‘ وتهذيبها، والزيادة فيها، حتى لقي ربه، إذ وجد ابن خلدون في المماليك، تطبيقاً حيّاً على نظريته في حيوية البدو، والعَصبية، ودورات الدُّول بين الصعود والهرم، فضلاً عن ذلك، وجد في مكتبات القاهرة موارد جديدة أعانته على تنقيح تاريخ المشرق. ومن ثم، ظل يتوسَّع في أفكار المقدمة، ويطورها، طيلة أعوام إقامته بالقاهرة".
وأشار إلى أنه على رغم "إعجاب بعض المعاصرين بابن خلدون بوصفه مؤرخاً وتأثرهم به، يبدو أن عبقرية ابن خلدون لم تقدر حق مقدارها خلال حياته، بل ظل الأمر كذلك لقرون بعد وفاته، حتى أعاد المؤرخ العثماني مصطفى نعيما اكتشافه في القرن الـ18، ولا عجب في ذلك، إذ إن مكتبات تركيا خاصةً، تحتفظ بعدد كبير من مخطوطات المقدمة، وأهمها نسخة مكتبة عاطف أفندي، وعليها قيد بخط ابن خلدون نفسه، يشهد فيه على صحتها ودقتها".
وخلص إلى القول "إجمالاً لم تكن مصر مجرد محطة عابرة في حياة ابن خلدون، وإنما كانت الفضاء الذي بلغ فيه أوج نضجه العلمي، وأنهى فيها مشروعه العلمي الأكبر، ووري الثرى في تُرابها، وخلد فيها اسمه بوصفه أحد أعظم المُؤرخين والمُفكِّرين في تراث الإنسانية".