ملخص
هجمات مباغتة... هكذا تحاول تيغراي قلب موازين الصراع
اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا، قوى خارجية بتقديم دعم وتجهيز لتحالف المعارضة المشكل حديثاً، الذي يواجه الجيش الإثيوبي في جبهات عدة، ورأى أن ذلك يأتي في إطار محاولات التأثير في استقرار إثيوبيا.
وأضاف جولا في أول حديث له منذ بدء الاشتباكات أن التحديات الأمنية التي تواجهها بلاده حالياً ترتبط باستراتيجية أوسع نطاقاً تدعمها أطراف وصفها بـ"الأعداء التاريخيين" و"الأعداء المرحلييّن"، مشيراً إلى أن تلك الأطراف لا تملك القدرة على شن هجوم عسكري مباشر على إثيوبيا.
وقال جولا إن النظام الإريتري و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، وحدهما لا يشكلان تهديداً حقيقياً لإثيوبيا "ما لم يتلقيا دعماً عسكرياً من كل من مصر والسودان وأطراف دولية أخرى خارج المنطقة"، موضحاً أن هذا الدعم يشمل توفير الموارد المالية والتجهيزات العسكرية إضافة إلى الغطاء السياسي.
وتأتي اتهامات الرجل الأول في الجيش الإثيوبي في وقت دخلت فيه الحرب يومها الرابع، وتقدمت فيها قوات المعارضة نحو مدينة لاليبلا في إقليم أمهرا، في حين تمكنت قوات "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" من السيطرة على البلدات الست التي تربط حدود تيغراي بإقليم عفر.
قطع الطريق الدولي
ويرى مراقبون للأوضاع العسكرية أن توغل قوات "الجبهة الشعبية" في إقليم عفر يهدف بالأساس إلى تحقيق مكسبين، الأول تطهير الإقليم من وجود القوى المناوئة للجبهة، والثاني يتعلق بالسيطرة على طريق جيبوتي- أديس أبابا، وهو الطريق الرئيس لصادرات وواردات النفط وغيرها من المنتجات في البلاد.
وقالت فاليري براونينغ، العضو المؤسس لجمعية "تنمية الرعي" في إقليم عفر، في إفادة لقناة "بي بي سي أمهاريك"، إن كثيراً من الناس يفرون من المناطق المحاذية لتيغراي نحو الداخل العفري، وأضافت أنه يمكن سماع دوي إطلاق نار وانفجارات ليلاً، وتحدثت عن نزوح أعداد هائلة من الناس ومصادرة مركبات بما فيها سيارات الإسعاف.
نحو حرب طويلة
من جهتها، ذكرت كليونا رايلي من مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة (ACLED) في تقرير نشر أول من أمس الجمعة أنه على رغم أن الوضع لم يتدحرج بعد إلى حرب شاملة في شمال إثيوبيا، فإنه "لا توجد آلية فعّالة" لمنع تصاعد الصراع.
ووفقاً للتقرير ذاته، في ظل مشاركة الكثير من الجماعات والمصالح في الصراع الدائر في شمال إثيوبيا، فمن غير المرجح أن تهدأ الحرب أو تعود إلى القتال المحدود نسبياً الذي شهدته في الماضي، ما لم يتدخل المجتمع الدولي عبر آليات فعالة لفرض هدنة أو التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
استهداف المدنيين
من جهة أخرى، ذكر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن "غارات جوية شنها الجيش الإثيوبي، بما في ذلك ضربات نُفذت باستخدام طائرات مسيّرة، أصابت خمس مدارس في إقليم تيغراي منذ اندلاع المواجهات في الـ22 من سبتمبر (أيلول) الجاري، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى".
كذلك أدى هجوم بقذائف الهاون في بلدة كوبو بإقليم أمهرا يوم الـ23 من سبتمبر، نُسب أيضاً للقوات الإثيوبية، إلى مقتل مدنيين.
وأعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أمس السبت عن قلقه إزاء التداعيات المتزايدة لتجدد القتال في إثيوبيا على المدنيين، وحث جميع الأطراف على خفض التوتر فوراً والحيلولة دون العودة إلى حرب شاملة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الصدمة الأولى
بدوره يرى المحلل السياسي الإثيوبي بيهون غيدوان أن التطورات المتسارعة على جبهات القتال لا تكشف عن جوهر القوة الحقيقية للتحالف المشكل حديثاً، بقدر ما تكشف عن "عامل الصدمة الأولى" للجيش النظامي، الذي لم يطلق الرصاصة الأولى، بل تعاطى مع التطورات الخاطفة، مشيراً إلى أن القوى التي أعلنت عن نفسها في الـ21 من الشهر الجاري، كانت قد أعدت نفسها بصورة جيدة على مستوى التنسيق العملياتي، قبل الإعلان عن التحالف العسكري، ومن ثم هي من بادر بالهجوم لإثبات تأثيرها، بعد مضي نحو 48 ساعة على إعلان بيانها الأول.
ويرى غيداون أن المواجهات الحقيقية قد تبدأ بعد استيعاب الجيش الفيدرالي للصدمة الأولى والتخطيط لهجوم مضاد، ويعزي التقدم النسبي الذي حققته قوات دفاع تيغراي لجهة الجاهزية وعامل المفاجأة، إضافة إلى تعدد الجبهات في وقت متزامن، ويرجح المحلل الإثيوبي أن الجيش النظامي لم يكن يخطط للدخول في حرب مفتوحة، بل ظل ينفذ عمليات نوعية ومحدودة عبر استخدام المسيرات، ولم يكن مستعداً لخوض حرب برية.
ويتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة خططاً جديدة وبخاصة في إقليمي عفر وأمهرا، مشيراً إلى أن تقدم قوات تيغراي في جبهة عفر يمثل تهديداً وجودياً للدولة، وبخاصة في ما يتعلق بقطع الطريق الدولي، إذ تعتمد البلاد بصورة كلية على هذا الطريق الرابط بين ميناء جيبوتي والعاصمة أديس أبابا.
ثغرات في مسار التحالف
من ناحية أخرى، يلاحظ غيداون أن "عدم مشاركة جيش تحرير الأورومو (إحدى القوى الموقعة على بيان التحالف) في الاشتباكات الدائرة الآن، مؤشر مهم، وبخاصة أن الزحف نحو العاصمة لا يمكن أن يحصل من دون المرور على أوروميا وتلقي دعم من هذه المجموعة التي تسيطر على مناطق محدودة هي الأقرب جغرافياً إلى أديس أبابا".
ويرى أن هذا المؤشر يعد شديد الدلالة ومؤثر بصورة كبيرة في سير العمليات، وبخاصة بعد التصريحات التي أدلى بها المتحدث الرسمي لجيش تحرير أورومو، عن عدم اتفاقهم مع التحالف في ما يخص تنفيذ عمليات مشتركة في أوروميا.
ويقرأ غيداون هذا المؤشر على أنه عامل مهم في إحباط جزء بارز من خطط التحالف، وبخاصة إذا ما فعّلت الحكومة الإثيوبية مسار المفاوضات مرة أخرى مع جيش تحرير الأورومو.
الدول المجاورة
وفي تعليقه على تصريحات قائد الجيش الإثيوبي، يقول غيداون، إنها خطابات متوقعة، لا سيما وأن أديس أبابا ظلت تتهم كلاً من إريتريا مصر والسودان بالضلوع في دعم المعارضة المسلحة في إثيوبيا، ويضيف، الأمر الأكثر خطورة هو إمكانية مشاركة الجيش الإريتري في أي مواجهات مباشرة، موضحاً أن ثمة معلومات تشير إلى انتشار الجيش الإريتري وتمركز آليات عسكرية ثقيلة على طول الحدود الإريترية - الإثيوبية، الهدف منه إما التحسب لأي تطور من شأنه نقل الحرب إلى الداخل الإريتري، أو الاستعداد للمشاركة في الحرب داخل إقليم تيغراي كما حدث في عامي 2020- 2022.
ويتابع أن القوى المعارضة قد تستغل علاقات إثيوبيا المتوترة مع عدد من الدول المجاورة مما يجعل الأزمة أكثر تعقيداً من كونها مجرد خلاف داخلي.
من جهته، يرى السياسي الإثيوبي البارز ليدتو أيالو أن "ثمة تحولاً إيجابياً في مسار عمل المعارضة الإثيوبية المسلحة، إذ تشهد العلاقات بين القوى المتمردة انتقالاً من حال النظرية الصفرية إلى قاعدة التعاون والتآزر، فبعدما ظل كل طرف يعمل على إضعاف الآخر، نجحت القوى السبع المتحالفة على تجاوز خلافاتها الجوهرية، وتجنب حلها بالقوة، واتفقت على التنسيق لمواجهة الخصم المشترك".
ويضيف أيالو "على رغم أن تحقيق انتصارات عسكرية على الجيش الفيدرالي لا يوفر حلاً جذرياً للأزمات البنيوية التي تعانيها البلاد، فإن اتحاد القوى المعارضة تحت مظلة واحدة، وتنسيقها العسكري لخوض عمليات مشتركة، يوفران كثيراً من الوقت والخسائر المادية والبشرية".
ثلاثة سيناريوهات محتملة
ويرى السياسي الإثيوبي أن تحالف "القوى من أجل البقاء"، يوفر ثلاثة امتيازات مهمة، الأول أن اتحادها قد يجنب البلاد حرباً شاملة كون وحدتها قد تدفع النظام الحاكم إلى الجنوح للسلم وإطلاق مبادرات وطنية.
أما السيناريو الثاني في حال استمرار الحرب، فإن ذلك سيقلل من حجم الخسائر التي قد تتعرض لها القوى المتحدة، إذ من المتوقع أن يكون حجم الخسائر أقل من الحروب التي يخوضها كل طرف منفرد ضد الجيش. أما السيناريو الثالث فمن المحتمل أن يعمل التحالف على توسيع نطاق عملياته في الأقاليم السبعة، ومن ثم ينجح في هزيمة النظام مما يفتح فرصاً للسلام والانتقال الديمقراطي للبلاد.
ويقر أيالو بأن السيناريو الثالث محفوف بالأخطار، وتشوبه تحديات كبيرة لجهة تشابهه مع ما حدث عام 1991 عندما نجحت "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، في إسقاط نظام منجستو هيلي ماريام، وفرضت رؤيتها على الإثيوبيين، مؤكداً أن الإثيوبيين تعلموا جيداً من ذلك الدرس، وأن "الأمر يتطلب من النخبة السياسية الإثيوبية ممارسة دورها النقدي والرقابي، وعدم السماح بتكرار التجارب السابقة".