ملخص
بعد انتشار نبأ وفاته ساد الحزن على رحيله وسائل التواصل الاجتماعي في السودان، وتبادل الكتاب والمثقفون ومحبوه التعازي فيما بينهم وذكر مآثره.
فُجع السودانيون بخبر وفاة المفكر والكاتب وعالم الاجتماع البارز حيدر إبراهيم في العاصمة المصرية القاهرة أمس الجمعة خاتماً رحلة دامت أكثر من نصف قرن، انشغل خلالها بقضايا الفكر والتنوير والديمقراطية، إضافة إلى التنوع والهوية وعلاقة الإنسان بالمجتمع.
يعد إبراهيم الملقب بـ"أيقونة التنوير" أحد أبرز الأصوات الفكرية والأكاديمية السودانية، ولا تخفى إسهاماته الأكاديمية من خلال مركز الدراسات السودانية الذي أفنى فيه زهرة شبابه باحثاً ومفكراً، وكرس جانباً من مشروعه لنقد الإسلام السياسي، والبحث في قضايا التنوير وحقوق الإنسان، فضلاً عن حضوره المستمر في الحياة الثقافية السودانية.
مقاومة الاستبداد
ظل حيدر إبراهيم مهموماً بالتحديث والإنسان والوطن، وجعل مشروعه الفكري متسقاً مع متطلبات الحريات ومقاومة صور الأنظمة الاستبدادية التي حكمت السودان، وبرع في التأليف والبحث، وأسس خلال عام 1992 مركز الدراسات السودانية في القاهرة، الذي أصبح منصة للبحث والنشر والحوار حول قضايا السودان.
ومن خلال هذا المركز أصدر إبراهيم الكتب والدراسات، إضافة إلى مجلة "كتابات سودانية"، التي تولى رئاسة تحريرها، وارتبط اسمه كذلك بمشاريع بحثية تناولت التنمية والمجتمع والتحولات السياسية والثقافية، إلى جانب مؤلفات في علم الاجتماع والفكر السياسي والديني.
ترسيخ الوعي
بعد انتشار نبأ وفاته ساد الحزن على رحيله وسائل التواصل الاجتماعي في السودان، وتبادل الكتاب والمثقفون ومحبوه التعازي فيما بينهم وذكر مآثره.
وقال رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، "ببالغ الحزن، أنعى المفكر وعالم الاجتماع السوداني، الذي رحل بعد حياة مشاها في دروب البحث والفكر والكتابة، وكان صوتاً نقدياً شجاعاً، سائل الأفكار السائدة وجابه الاستبداد، وجعل من كتبه ومقالاته ومركز الدراسات السودانية الذي أسسه فضاءً للمعرفة والحوار حول قضايا السودان". وأضاف "كان صديقاً لحزب المؤتمر السوداني، وكاتباً راتباً في صحيفته (أخبار الوطن)، جمعتنا به حوارات حول أزمات الوطن المتراكمة وسبل الخروج منها"، موضحاً أنه "على رغم غيابه الجسدي، سيبقى بيننا وبعدنا بإرثه المعرفي وانحيازه لقضايا شعبه، وسيذكر كلما جرى الحديث عن الفكر والثقافة وحركة التنوير في السودان".
ونعته نقابة الصحافيين السودانيين في بيان أشار إلى أنه "كان أحد أبرز عقول السودان الوضاءة المتقدة، أفنى عمره في خدمة البلاد، محللاً وناقداً ومفكراً منشغلاً بقضايا الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني، وتخصص في علم الاجتماع الديني والفلسفة، وكان له إسهام كبير في مشروع التنوير السوداني".
وأفادت النقابة بأن "الراحل اشتغل بجهد نقدي عميق على نقد الإسلام السياسي، وكان مهموماً بقضايا الديمقراطية والمجتمع المدني، مدافعاً عن الحرية وحقوق الإنسان، وكان عقلاً متقداً، لا يهادن في قول الحق، ولا يساوم على مبادئه".
وأشارت إلى أنه "برحيل المفكر السوداني، تفقد البلاد أحد رجالاتها المخلصين، وعقولها النيرة التي أنارت دروب المعرفة والتنوير، وتمثل وفاته خسارة فادحة للسودان وللسودانيين، ولكل المؤمنين بالديمقراطية والعاملين في المجتمع المدني".
مسيرة حافلة
تلقى حيدر إبراهيم الذي وُلد في 1943، بمدينة "القرير" تعليمه الأولي والثانوي شمال السودان، وتخرج في كلية أم درمان، واستكمل الدراسات العليا في جامعة القاهرة، ثم حاز الدكتوراه من جامعة فرانكفورت، وعمل أستاذاً وباحثاً في السودان وألمانيا، وبعدد من الجامعات، إضافة إلى مشاركته في مشاريع بحثية عربية ودولية.
صدرت له مؤلفات عدة، منها "أزمنة الريح"، و"القلق والحرية"، و"سقوط المشروع الحضاري"، و"أزمة الإسلام السياسي: الجبهة القومية في السودان نموذجاً"، و"الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان" و"مراجعات الإسلاميين السودانيين: كسب السلطة وخسارة الدين".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تولى الراحل تنسيق الدراسات والنشر بالمجلس القومي للثقافة العربية في الرباط بالمغرب، والأمانة العامة للجمعية العربية لعلم الاجتماع، وكذلك ارتبط اسمه بمشاريع بحثية تناولت التنمية والمجتمع والتحولات السياسية والثقافية.
نال إبراهيم جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية عام 2018 في حقل الدراسات الإنسانية والمستقبلية، واختارته جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي شخصية عام 2021 الثقافية.
مشروع معرفي
واعتبر المخرج السينمائي وجدي كامل أن "حيدر إبراهيم لم يكن مجرد مفكر أو كاتب، وإنما كان صاحب مشروع ظل يرى في المعرفة فعلاً من أفعال الحياة، وفي الثقافة وسيلة لمقاومة الركود، وفي التفكير النقدي ضرورة لا يستقيم من دونها أمر المجتمع". وأشار إلى أنه "ترك إلى جانب مؤلفاته، سيرة ذاتية وثق فيها جانباً من رحلته في هذه الدنيا، فعلمنا، من خلال تجربته نفسها، كيف يمكن للمثقف أن ينظر إلى حياته وأفكاره ومواقفه بعين نقدية، وأن يراجع ما عاشه وما اختاره وما اختلف حوله".
ولفت كامل إلى أن "الراحل استطاع أن يجعل من القاهرة موقعاً لإنتاج معرفة سودانية، ويصل ما ينتجه المركز إلى السودانيين في أماكن مختلفة، على رغم عودة المركز مرتين إلى داخل البلاد". وتابع "تجاوز مشروعه الفكري تخصصه الأكاديمي في علم الاجتماع، واشتغل على المجتمع السوداني، والدين والسياسة، والإسلام السياسي، والديمقراطية، والمجتمع المدني، والاستبداد، وكذلك قضايا التنوير والتحرر، ولم يكن موقفه من السلطة موقف الكاتب الذي يكتفي بالمراقبة من بعيد، فقد دفع ثمن مواقفه وكتاباته".
وختم بالقول، "لقد منعت السلطات السودانية عدداً من كتاباته، وتعرض مركز الدراسات السودانية نفسه لضغوط، وأغلق فرعه في الخرطوم عام 2012، ومع ذلك لم يتراجع".