Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شوقي وحافظ ينعيان تولستوي والعرب يقرأون وصاياه

عبَّر الشاعران المصريان في قصيدتيهما عن أسى أمتهما لفقدان "معين الفقراء"

مشاعر جياشة من أحمد شوقي وحافظ إبراهيم تجاه ليو تولستوي (اندبندنت عربية)

ملخص

رثا الشاعرن أحمد شوقي وحافظ إبراهيم في قصيدتين أديب روسيا ومفكرها ليو تولستوي، وفيهما يعبران عن مشاعر ساورت ملايين العرب والمسلمين الذي كانوا قد تابعوا أحوال تولستوي في سنواته الأخيرة وخلافاته مع الكنيسة، حتى وإن كان كثر منهم لا يزالون، يجهلون في ذلك الزمن المبكر أهمية جانب لم يتعرفوا عليه إلا متأخرين من جوانب عبقرية تولستوي، أي الأديب الروائي، بل حتى المسرحي فيه

"تولستوي تجري آية العلم دمعها/ عليك ويبكي بائس وفقير. وشعب ضعيف الركن زال نصيره/ وما كل يوم للضعيف نصير. ويندب فلاحون أنت منارهم/ وأنت سراج غيبوه منير. تطوف كعيسى بالحنان وبالرضا/ عليهم وتغشى دورهم وتزور. ويأسى عليك الدين إذ لك لبه/ وللخادميه الناعمين قشور. تناول ناعيك البلاد كأنه/ يراع له في راحتيك صرير...".

بهذه الأبيات المنتزعة من قصيدة يربو عدد سطورها عن 80، استقبل الشاعر أحمد شوقي ذات يوم كئيب من عام 1910 نبأ رحيل الكاتب والمفكر الروسي الكبير ليو تولستوي. وهي قصيدة ما لبث حافظ إبراهيم، شاعر النيل الكبير، أن تلقاها للمناسبة نفسها ليصوغ انطلاقاً منها قصيدة هو الآخر حول الموضوع والمناسبة والراحل الكبير، من المؤكد أنها، على رغم تواضع كاتبها الواضح في سياق القصيدة نفسها، لا تقل روعة وصدقا في التعبير عن المشاعر عن قصيدة شوقي.

ويقول حافظ في مطلع قصيدته: "رثاك أمير الشعراء في الشرق وانبرى/ لمدحك من كتاب مصر كبير. ولست أبالي حين أرثيك بعده/ إذا قيل عني قد رثاه صغير. فقد كنت عوناً للضعيف وأنني/ ضعيف ومالي في الحياة نصير. ولست أبالي حين أبكيك للورى/ حوتك جنان أو حواك سعير. فإني أحب النابغين لعلمهم/ وأعشق روض الفكر وهو نصير. دعوت إلى عيسى فضجت كنائس/ وهز لها عرش وماد سرير. وقال أناس إنه قول ملحد/ وقال أناس إنه لبشير. ولولا حطام رد عنك كيادهم/ لضقت به ذرعاً وساء مصير، ولكن حماك العلم والرأي والحجى/ ومال إذا جد النزال وفير...".

الشاعران والأمة

والحقيقة أن القصيدتين جاءتا خلال أيام قليلة من إعلان موت أديب روسيا ومفكرها، تعبران عن مشاعر ساورت ملايين العرب والمسلمين الذي كانوا قد تابعوا أحوال تولستوي في سنواته الأخيرة وخلافاته مع الكنيسة، حتى وإن كان كثر منهم لا يزالون، يجهلون في ذلك الزمن المبكر أهمية جانب لم يتعرفوا عليه إلا متأخرين من جوانب عبقرية تولستوي، أي الأديب الروائي، بل حتى المسرحي فيه. وهو ما نلاحظه ليس فقط في القصيدتين اللتين لم يفُت شاعرينا أن يقاربا فيهما بين تولستوي وأبي العلاء المعري من دون أي ذكر واضح لأعمال روائية أساسية له مثل "الحرب والسلام" و"آنا كارنينا".

ومن المعروف أن القراء العرب، وكانوا حينها من صفوة القوم وكبار متعلميهم ومثقفيهم، عرفوا تولستوي خاصة من خلال مراسلاته مع الإمام محمد عبده أكثر من خلال أي نشاط آخر من نشاطاته. وهم على هذا النحو تابعوا في الصحافة العربية، سواء كانت يومية أو أسبوعية سياسية، وأدبية وفكرية دورية، فكر تولستوي وإيمانه العميق بتجديد الدين والكنيسة سعياً إلى إيجاد إيمان يرتبط بروح الضعفاء والبائسين كما فعل من قبله السيد المسيح، مما كانت الصحافة العربية، حتى من قبل رحيل تولستوي قد تناولته بوفرة وإسهاب. ومنها على سبيل المثال، شهرية "الزهور" التي كانت ذات نفس تقدمي واضح منفتح على العالم.

وهكذا، من قبل رحيل تولستوي في الـ20 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1910 تخبرنا المجلة أن تولستوي قد أنجز في التاسع من سبتمبر (أيلول) عامه الـ82.

المفكر الزاهد

وتزيد المجلة المصرية الواسعة الانتشار حينها، أن ما زاد "في شهرة هذا الرجل الكبير، تطبيق أفعاله على أقواله هو الذي زهد في هذه الدنيا، وتنازل عن جميع ممتلكاته مكتفياً ببقعة أرض يستثمرها بنفسه. وكان يرى أن إصلاح العالم لا يتم إلا بالعمل، فكان يخيط ثيابه وحذاءه، ويقضي أيامه في الإرشاد ومساعدة المعوقين. وقد أنشأ في مزرعته المعروفة باسم "ياسنايا بوليانا" مدرسة "كان يعلم فيها بنفسه بضع ساعات يومياً".

ولم يفُت المجلة طبعاً أن تذكر أن لتولستوي "حكايات وحوادث شهيرة تتناقلها الصحف وتدل كلها على شرف عواطفه وميوله وسمو حكمته وفلسفته"، مؤكدة أنه بذلك كله قد "اكتسب احترام الجميع ونال أرفع منزلة بين المفكرين المصلحين في حياته وبعد حياته".

ولسوف تذكر المجلة لاحقاً كيف أن روسيا كلها قد لبست ثوب الحداد حين بلغ الناس خبر موته، كما تنبه لاحقاً إلى أن للكاتب من بين تآليفه الشهيرة كتباً نقلت إلى كل لغات أوروبا وعرب منها الكثير "حضرة الفاضل سليم افندي قمين". وإذ أضافت المجلة أن تولستوي كان في عام 1862 قد تزوج بصوفيا أندرفنا، ابنة الدكتور برس، وجد فيها أكبر تعزية في حياته وأحسن مساعد في أعماله، فكانت تعاونه في جمع مذكراته وترتيبها وتنسخ مسودات تأليفه" وفي المدة الأخيرة كان يملي عليها أفكاره فتدونها. وقد رزق منها 13 ولداً بقي منهم حين رحيله تسعة على قيد الحياة. وقد "رباهم على مبادئ جان جاك روسو وتضلعوا جميعهم في العلوم واللغات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وصايا تولستوي الخمس

وختمت مجلة "الزهور" حديثها عن تولستوي بالإشارة إلى أن مبادئه الدينية تنحصر في خمس وصايا هي الآتية:

أولاً، أحب الله من كل نفسك وأحب قريبك كذلك. لا تهن أحداً واجتهد بأن لا تحرض أحداً على فعل الشر لأن الشر يتولد من الشر.

ثانياً، لا تغازل النساء، ولا تهجر المرأة التي اتحدت بها، لأن هجر النساء وتغييرهن يحدث فساداً في العالم.

ثالثاً، لا تحلف بشيء ولا تعد بشيء لأن الإنسان بكليته تحت سلطة الله، والناس لا يجنحون إلى الأقسام إلا وهم مدفوعين إليها بالأعمال والنيات الشريرة.

رابعاً، لا تقاوم الشر بالشر، واحتمل الإهانة واعمل أكثر مما يطلب منك الناس. لا تحاكم أحداً ولا تدفع نفسك إلى المحاكمة. والإنسان إذا مال إلى الانتقام فإنه يعلم الناس أن يحذوا حذوه وينسجوا على منواله.

خامساً، لا تفرق بين مواطنيك والغرباء، لأن جميع الناس من مصدر واحد.

وتنقل "الزهور" أخيراً عن تولستوي أنه يرى أن "أقدس واجب على الإنسان تفرضه عليه الإنسانية الحقيقية هو سعيه إلى إزالة عدم المساواة الموجودة بين الناس"، و"بإزالتها تزول المصائب والويلات وتتلاشى الشرور والشهوات... أما أأمن طريق يوصلك إلى ذلك فهو العمل".

وتختم المجلة بأن تولستوي قد خاطب ابن المدينة المتنعم في رخاء العيش المتناهي في بذخ الحياة قائلاً له: "قم واخرج من خدرك وطف في المدينة وقف إلى جانب أولئك الذين يطعمون الجوعى ويكسون العُراة، لا تخف، وانتظم في سلكهم، وسر معهم كتفاً إلى كتف، واعمل بيديك الرخصتين الضعيفتين أول عمل تصادفه. ولا تأنف من فقير بائس، بل ارفق به وألبسه وأطعمه، ثم اشتغل في الزراعة والأعمال الأخرى، فلا شك أنك ترى نفسك أسعد حالاً مما كنت عليه، وتجد انقلاباً في عواطفك يساعدك على السير في طريق العمل والطهارة".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة