Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا يجري في إثيوبيا؟ حرب متعددة الجبهات

تعطيل الاتصالات بتيغراي يترافق مع سعي الحكومة الفيدرالية إلى "تأمين المركز" في ظل معلومات عن التحضير لعمليات أمنية في أديس أبابا

عناصر من قوات تيغراي في دورية بأحد شوارع ميكيلي بإقليم تيغراي، في 24 سبتمبر الحالي (رويترز)

ملخص

يبدو أن إثيوبيا تستعد للدخول في حرب طويلة بين المركز في أديس أبابا وتحالف ميليشيات الأقاليم ضدها وأبرزها "جبهة تحرير شعب تيغراي".

أثار قرار الحكومة الفيدرالية الإثيوبية تعطيل خدمات الاتصالات والإنترنت في عموم إقليم تيغراي الشمالي بشكل كامل، صباح أمس الجمعة، مخاوف التيغراويين من احتمال أن يعزز ذلك احتمالات شن حرب شاملة، كما حدث أثناء حرب عامي 2020 و2022، لا سيما وأن تعليق خدمات الاتصال تزامن مع الاشتباكات الأخيرة التي اندلعت الأربعاء الماضي بين الجيش النظامي والميليشيات الموالية له من جهة، وقوات "جبهة تحرير شعب تيغراي"، في كل من إقليمي تيغراي وعفر.

وقال ناشطون تيغراويون على مواقع التواصل الاجتماعي، إن تعليق الاتصالات وخدمات الإنترنت تم من دون إعلان رسمي من الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، وتزامن مع نشر عناصر تابعة لـ"جبهة تحرير شعب تيغراي" مقاطع فيديو على الإنترنت، تظهر تقدم قواتهم في جبهات القتال. كما أظهرت مقاطع الفيديو عديداً من الوثائق التابعة للجيش النظامي وميليشيات "سلام تيغراي" الموالية للجيش الإثيوبي، بعد سيطرة قوات الجبهة على معسكرات تابعة للميليشيات داخل إقليم عفر.

وأكدت خدمة "نت بلوكس" الدولية لمراقبة الإنترنت "انقطاع خدمة الإنترنت على مستوى إقليم تيغراي"، مشيرة إلى أنها سجلت انقطاعاً شبه كلي لشبكة الإنترنت في الإقليم منذ صباح الجمعة. وقالت إن مؤشراتها سجلت الإحداثيات الخاصة بانقطاع خدمة الإنترنت في شمال البلاد، بالتزامن مع تقارير عن انقطاع شامل للاتصالات في تيغراي.
وبحسب مراقبين للأوضاع الميدانية، أعاد قرار قطع الاتصالات داخل الإقليم إلى ذاكرة التيغراويين ما يسمونه "حرب الإبادة" التي جرت من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 وحتى نوفمبر 2022، مما دفعهم إلى تكديس المؤن والمستلزمات الأساسية تحسباً لحرب شاملة.

وقالت إذاعة محلية في العاصمة التيغراوية ميكيلي، إن المواطنين تهافتوا على الأسواق المحلية لتوفير الحاجات الأساسية التي تعينهم على البقاء أحياء في حال اندلاع الحرب، وتعرض الإقليم للحصار.

تدابير احترازية في العاصمة

من جهة أخرى فرضت شرطة أديس أبابا حظراً غير محدد المدة على الدراجات النارية لأسباب وصفتها بـ"الأمنية" وسط تصاعد حدة القتال في شمال البلاد. وبدأ سريان الحظر أمس الجمعة، وفقاً لإشعار صادر عن مفوضية شرطة أديس أبابا. ويستثني هذا التوجيه دراجات الشرطة النارية إضافة إلى الدراجات الخاصة بذوي الاحتياجات.
ويبدو أن ثمة مخاوف أمنية لدى الأجهزة الأمنية الإثيوبية من لجوء القوى المعارضة إلى سياسة الاغتيالات الخاطفة في العاصمة مع بدء العمليات العسكرية.
وتحدثت مصادر إثيوبية عن معلومات استخباراتية أشارت إلى خطط وضعها تحالف قوى المعارضة المشكَّل حديثاً، لاستهداف مسؤولين كبار في الجيش والشرطة، وبخاصة أثناء احتفالات البلاد بعيدي "الصليب" و"ريتشا" الأسبوع المقبل.

 

قوات تيغراي تبرر توغلها في عفر

من جهته قال العميد ولدي جرجس شريفو، قائد الوحدة 33 في قوات تيغراي، في حوار مع إذاعة "بي بي سي" البريطانية الناطقة باللغة التيغرانية، إن توغل قواته في إقليم عفر، جاء ضمن خطة لتمشيط المناطق الحدودية بين تيغراي وعفر من ميليشيات تيغراوية موالية للجيش النظامي، مشيراً إلى أن "تلك القوات ظلت تعبث بالأمن والاستقرار وتنفذ عمليات عسكرية تستهدف مقدرات التيغراويين".

وأوضح شريفو أن قواته ستنسحب من إقليم عفر "حال إنهاء مهماتها الدفاعية، والتأكد من أن المعسكرات التي أقامها الجيش الإثيوبي للمتمردين، لم تعد تشكل خطراً على حياة التيغراويين ومقدراتهم".

وأكد أن "قيادة التيغراي لا تستهدف العفريين"، موضحاً أنها لم تخض أي حرب ضد القوات التابعة لإقليمهم، لكنه أشار إلى "مواجهات وقعت في بعض المناطق داخل عفر، مع الجيش النظامي الإثيوبي"، موضحاً أن "الجيش النظامي أخلى مواقعه المتقدمة قرب الحدود المشتركة بين إقليمي تيغراي وعفر وانسحب نتيجة تعرضه لخسائر كبيرة".

وأضاف العميد شريفو، "لم نمس قوات عفر الخاصة أو ميليشيا عفر، ولا الأهالي أو الإدارة". وأوضح أن "هدف العملية العسكرية هو تطهير المنطقة من المسلحين" الذين وصفهم بأنهم "معادون للسلام ومعادون لشعب تيغراي".

وقال إن "هدف هذه العناصر هو الإطاحة بجبهة تحرير شعب تيغراي وقادة الجيش الداعمين لها من القيادة العليا بالقوة". وأضاف أن "هؤلاء المسلحين ينشطون غالباً على طول حدود تيغراي-عفر، واشتبكوا مراراً مع قوات تيغراي".

وكشف شريفو في حواره أن اشتباكات أول من أمس الخميس، وقعت في مناطق ميغالي وتونسا وميلكي وفارو وأرورو وكالا وكساد دابا وأراغورين. وأوضح أن العملية بدأت صباحاً واستمرت نحو خمس ساعات في مواقع متفرقة، لكن لم يتبادل أي من الطرفين القتال لأكثر من نصف ساعة إجمالاً.

وأكد عدم وقوع إصابات كبيرة في صفوف قواته، مضيفاً أن قوات المتمردين "تفرقت وفرّت" وأصبحت الآن تحت سيطرة قوات الأمن الإقليمية في عفر. وأفاد بأن "معظم المناطق تخضع حالياً لسيطرة قوات تيغراي، بينما تُركت بعض المناطق لقوات أمن عفر للقيام بمهامها".

 

بيان الجيش

بدوره وفي أول بيان له منذ الحرب الثانية، أعلن الجيش الإثيوبي أنه صد هجمات قوات تيغراي وألحق بها خسائر فادحة.

وقال قائد المنطقة الشمالية الشرقية، الفريق أسيفا تشيكول، إن 272 مقاتلاً من تيغراي قُتلوا وأُصيب 260 آخرون. في حين لم يتم التحقق من الرقم من جهة مستقلة.

ويدعي الطرفان، الجيش النظامي وقوات التيغراي، أن كلاً منهما يؤدي مهمات دفاعية لصد هجوم الطرف الآخر.

توسيع رقعة المواجهات

من ناحية ثانية توسعت رقعة المواجهات، إذ أفادت وسائل إعلام محلية بوقوع اشتباكات عنيفة بين الجيش الفيدرالي وقوات "فانو" الأمهرية أمس الجمعة، بخاصة في منطقة وولو الشمالية في إقليم أمهرة، شملت مواقع مدرجة على قائمة "اليونيسكو" للتراث العالمي، بالقرب من مدينة لاليبيلا التاريخية، التي تشتهر بكنائسها المنحوتة في الصخر.
وأعلنت السفارة الأميركية في إثيوبيا، أنها تتابع الاشتباكات العنيفة التي تجري قرب مدينة لاليبيلا، وأشارت إلى أن الرحلات الجوية إلى المنطقة باتت معلقة.

ونصحت السفارة الرعايا الأميركيين بعدم التوجه إلى إقليم أمهرة لأي سبب من الأسباب، موضحة أن الإقليم ككل أضحى مصنفاً في سجلاتها كمنطقة خطرة.
ونقل مصدر دبلوماسي عن مصادر محلية قولها إن "قتالاً يدور حول مدينة لاليبلا ولكن ليس داخلها بعد"، في حين ذكر أحد السكان لوكالة "رويترز" أن الناس يهرعون لسحب الأموال والخروج من المدينة قبل توسع القتال داخلها.

فصل جديد

في موازاة ذلك، رأى الباحث في شؤون القرن الأفريقي عبدالرحمن أبو هاشم، أن "ثمة تحولاً جوهرياً في الاشتباكات الحالية التي تختلف كلياً عن الحروب السابقة التي خاضها الجيش الإثيوبي، كما هي الحال بالنسبة إلى حرب تيغراي في 2020. إذ كانت المواجهة آنذاك ثنائية بين المركز والقوى الموالية له من جهة، وجبهة تحرير شعب تيغراي من جهة أخرى، أما الاشتباكات الحالية فهي أقرب ما تكون إلى حرب متعددة الجبهات،  تقودها كتلة معارضة مسلحة عابرة للأقاليم، لكنها تنسق مع بعضها بعضاً لمواجهة الخصم المشترك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أبو هاشم أن "المواجهات تجري في مناطق جغرافية واسعة، وفي أوقات متزامنة مما يصعّب المهمة على الجيش النظامي". ويضيف أن "تحالف القوى الإثيوبية من أجل البقاء"، الذي تشكل أخيراً من سبع مجموعات مسلحة، كان قد تعهد التنسيق العسكري والسياسي لإسقاط حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إلا أن "المفارقة هي أن هذا التحالف كان نتاج حالة إعادة التموضع الذي أعقب اتفاق بريتوريا"، الذي وقِّع في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 في جنوب أفريقيا لإنهاء الحرب بين الحكومة الإثيوبية و"جبهة تحرير شعب تيغراي".

تفكيك التحالفات

واعتبر أن الاتفاق الذي حقق "سلاماً هشاً" بين أديس أبابا والجبهة، "أدى إلى تفكيك التحالف الذي بناه آبي أحمد لخوض الحرب في تيغراي، إذ كانت قوات الفانو والجيش الإريتري إلى جانب الجيش النظامي، قبل أن ينفرط عقد التحالف نتيجة تبدل مواقف الحكومة الفيدرالية بعد توقيع الاتفاقية، بذريعة الحفاظ على بنود السلام الذي تم توقيعه مع الجبهة".

ورجح أبو هاشم أن "قرار تعطيل الاتصالات وشبكة الإنترنت في إقليم تيغراي يؤشر إلى الانتقال إلى حرب مفتوحة"، مشيراً إلى أن "للقرار كلفة إنسانية فورية وعالية، إذ أدى إلى توقف خدمات تحويل الأموال عبر الهاتف، ودفع المواطنين التيغراويين إلى التهافت على السلع وسحب النقد، خشية عودة الأوضاع إلى ظروف حرب 2020 و2022، حين قُطعت الاتصالات وقُيّد الوصول إلى الغذاء والمال والدواء، فدُفع مئات الآلاف إلى ظروف أشبه بالمجاعة". 

 

تأمين المركز

ويقرأ أبو هاشم التدابير الاحترازية التي اتخذتها الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، ومن بينها "حظر استخدام الدرجات النارية، إنها تندرج في إطار مكافحة الجريمة وضبط الأمن"، مؤكداً أن "ثمة سوابق مماثلة، إذ سبق ونُفِّذ حظر مؤقت للدراجات النارية خلال قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير (شباط) الماضي لدعم العمليات الأمنية". 

ويستطرد، "إن التدابير الحالية، تتجاوز المخاوف السابقة"، مشيراً إلى أن "فرض حظر بلا سقف زمني، في اليوم الثالث من الحرب، يصعب فصله عن الهاجس الأمني المتعلق بحالة الحرب، بخاصة وأن البلاد مقبلة على موسم أعياد دينية وقومية، مثل عيدَي الصليب وريتشا"، مشيراً إلى أن "الدراجات النارية تعد أداة مثالية في مدينة مزدحمة مثل أديس أبابا، لتنفيذ عمليات خاطفة"، موضحاً أن "لأديس أبابا ذاكرة مع استهداف التجمعات الكبرى، مثل الهجوم بقنبلة يدوية على تجمّع مؤيد لآبي أحمد في ساحة المسقل عام 2018".

وبشأن المعلومات المتداولة حول خطط لاستهداف قيادات عسكرية وأمنية خلال الاحتفالات، قال أبو هاشم، "حتى اللحظة ليست ثمة ما يؤكد صحتها من مصدر مستقل. لكن مجرد تداول الأمر يكشف أمرين، الأول أن الحكومة تنظر إلى التحالف الجديد باعتباره تهديداً قد يتجاوز الجبهات الطرفية إلى قلب العاصمة، لا سيما مع وجود جيش تحرير أورومو في المحيط الجغرافي لأديس أبابا. والثاني أن الحرب تُخاض أيضاً على مستوى الإدراك والرسائل: فإظهار القبضة الأمنية في العاصمة رسالة طمأنة للداخل وردع للخصوم في آن واحد".

ويختم بالقول إن "القرار يعكس انتقال الدولة إلى منطق 'تأمين المركز' بالتوازي مع القتال في الأطراف. وهذا مؤشر إلى أن صنّاع القرار في أديس أبابا لا يتوقعون حرباً قصيرة".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات