Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

50 عاما على رحيله: هل لا يزال ماو تسي تونغ مهما للصينيين؟

لم يختف اسم الزعيم الراحل ولم يتراجع الحزب الشيوعي عن مكانته التاريخية لكن الاحتفالات اتسمت بنوع من التواضع المتعمد

خمسة عقود مضت ولا يزال الحديث عن ماو وإرثه شائعاً ذائعاً في أرجاء بلد المليار والـ400 مليون نسمة (رويترز)

ملخص

على رغم أن ماو وشي لديهما إرادة قوية للسلطة، فإن بنيتهما الشخصية تعد مختلفة تماماً، فقد استندت سلطة ماو تسي تونغ بالكامل تقريباً على "الحكم الكاريزمي"، أما شي جينبينغ فيولي اهتماماً أكبر للسيطرة واستراتيجية الحكم من أعلى إلى أسفل.

في التاسع من سبتمبر (أيلول) من عام 1976، أي منذ خمسة عقود، توفي في بكين الزعيم الصيني الكبير ماو تسي تونغ، الرجل الذي جرى الاختلاف من حوله، بالقدر نفسه الذي جرى الاتفاق عليه.

خمسة عقود مضت ولا يزال الحديث عن ماو وإرثه شائعاً ذائعاً في أرجاء بلد المليار والـ400 مليون نسمة، مما يعكس الدور الذي لعبه في قيادة البلاد، وما خلفه فيها من بعده.

في هذه المناسبة أحيا الحزب الشيوعي الصيني ذكرى وفاته بطريقة تعكس كثيراً من خلال ضبط النفس بقدر ما تعكسه من خلال المراسم، ولم يختف اسم ماو ولم يتراجع الحزب عن مكانته التاريخية، غير أنه كان من الملاحظ أن الاحتفالات اتسمت بنوع من التواضع المتعمد.

لا يعني ذلك أن بكين تجاهلت هذا التاريخ، فقد نشرت صحيفة الحزب، الشعب اليومية، مقالات تكريمية في ذلك اليوم، واصفة ماو بأنه "وطني وبطل الصين الحديثة"، بينما أكدت قناة "سي سي تي في" الحكومية دوره التاريخي في الثورة وتأسيس جمهورية الصين الشعبية، فيما مدد متحف ماو التذكاري في بكين ساعات الزيارة وتشكلت طوابير طويلة من الزوار لتقديم احترامهم.

هل كان الاحتفال بذكرى ماو الخمسينية فرصة للتصالح مع تاريخ ماو الطويل المليء بالنجاحات وأيضاً الإخفاقات؟ وهل يمكن اعتبار هذه المناسبة فرصة يراجع فيها الحزب الشيوعي الصيني مسيرته التاريخية، لا سيما في ظل هذه الأوقات التي تشهد مواجهات صينية – أميركية، تكاد تصل حد الصراع المسلح؟

كثير من الأسئلة في واقع الأمر لا تواجه الصينيين فحسب، بل بقية دول آسيا وشعوبها، وبخاصة في ظل صعود الصين الإقليمي وتوجهاتها الأيديولوجية، التي لا ينكر أحد أن ماوتسي تونغ قد أرسى جذورها، وها هو اليوم الرئيس شي جينبينغ يمضي في طريقها، حتى إن البعض تساءل "هل يكون بينغ هو الخليفة الطبيعي لإرث ماو، خصوصاً أنه يعيد تشكيل الصين في مداراتها العالمية مرة أخرى؟".

ماو اليساري ابن الفلاح الميسور

ولد ماو في الـ26 من ديسمبر (كانون الأول) عام 1893، لأب فلاح ميسور الحال، ومع اشتداد عوده كان يتشرب القومية الصينية ومعاداة الإمبريالية. وتبنى ماو الماركسية اللينينية أثناء عمله في جامعة بكين، وأصبح عضواً مؤسساً في الحزب الشيوعي الصيني، الذي قاد انتفاضة حصاد التاريخ عام 1917.

ساعد ماو في تأسيس الجيش الأحمر الشيوعي الصيني خلال الحرب الأهلية الصينية بين الكومينتانغ والحزب الشيوعي الصيني، وقاد محاولات إنشاء الدولة السوفياتية الصينية، ليتبوأ في نهاية المطاف رئاسة الحزب الشيوعي الصيني.

وأعلن ماو تأسيس جمهورية الصين الشعبية في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1949، وهي دولة حزب واحد يسيطر عليها ويتحكم بها الحزب الشيوعي الصيني. وعزز سيطرته على الدولة من خلال حملاته ضد ملاك الأراضي، وقمع معارضي الثورة، وقاد حملات مكافحة الفساد (1951-1952).

 

ولعل من أكثر النقاط المثيرة للجدل في تاريخ ماو، ما عرف باسم "الثورة الثقافية" التي بدأها عام 1966 وهي برنامج كان هدفه التخلص من عناصر الثورة المضادة، واستمرت 10 أعوام، اتسمت فيها بصراع طبقي عنيف، ومدى واسع في المجتمع الصيني وظهور شخصية ماو.

تعرض عشرات الملايين من الأشخاص للاضطهاد خلال هذه الثورة، وتراوح العدد التقديري للوفيات بين مئات الآلاف والملايين. وفي كل الأحوال، يعد ماو شخصية مثيرة للجدل، وهو معروف أيضاً باسم المفكر السياسي والمنظر الاستراتيجي العسكري والشاعر والمفكر، صاحب البصيرة.

دخلت الصين خلال عهد ماو في الحرب الكورية، وحدث الانقسام الصيني السوفياتي، وحرب فيتنام، وصعود الخمير الحمر. على أنه وبمقدار ما يوجه له من اتهامات في الداخل، إلا أنه يعد رجل الصين الأول الذي اتبع منهج الانفتاح على العالم الخارجي، فقد استقبل ماو الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في بكين عام 1972، ما أشار إلى بداية سياسة انفتاح الصين نحو العالم.

ينسب له مؤيدوه الفضل في طرد الإمبريالية من الصين، وبناء الأمة الصينية، لتصبح قوة عالمية، وتعزيز مكانة المرأة، وتطوير التعليم والرعاية الصحية، وزيادة متوسط العمر المتوقع للصينيين العاديين.

لكن على الجانب الآخر، فإن معارضيه يرون أنه كان مستبداً وشمولياً، ودانوا قيامه بالقمع الجماعي وتدمير الآثار والمواقع الدينية والثقافية، ويرون أنه مسؤول عن مقتل ما بين 30-80 مليون إنسان بسبب الجوع والاضطهاد والسجن والإعدام الجماعي.

ماوتسي وحديث جدلي لا ينقطع

لم يتغير موقف الحزب الرسمي من ماو منذ صدور القرار التاريخي عام 1981، في شأن تاريخ الحزب، الذي حسم المسألة: إنجازاته تفوق أخطاءه. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا التصور جزءاً لا يتجزأ من نسيج الدولة، بدءاً من صورته فوق بوابة تيانانمن، مروراً بصورته على العملة، وصولاً إلى إدراج فكر ماوتسي تونغ في دستور الحزب.

والمعروف أن القيادة الصينية الحالية عززت هذا المنطق بما يسميه المسؤولون "مبدأ عدم النفي المزدوج": أي إنه لا يمكن استخدام حقبة ما بعد الإصلاح لنفي حقبة ما قبل الإصلاح، ولا يمكن استخدام حقبة ما قبل الإصلاح لنفي حقبة ما بعد الإصلاح، ولا يزال ماو أحد المصادر الأساسية لشرعية الحزب، ولهذا السبب تحديداً ينظر إلى التشكيك في آرائه على أنه تحد لأسس الحزب نفسه.

في التاسع من سبتمبر الجاري تذكر الصينيون ما حدث قبل خمسة عقود، ففي التوقيت ذاته، وبالتحديد عند الساعة الرابعة مساءً، أعلنت مكبرات الصوت العامة على أعمدة الشوارع وجدران وحدات العمل الشيوعية، النبأ الحزين، في جميع أنحاء الصين: توفي الرفيق ماوتسي تونغ خلال الليل، لقد كان القائد العظيم المحبوب لحزبنا وجيشنا وشعبنا من جميع المجموعات العرقية في بلادنا، والقائد العظيم للبروليتاريا العالمية والشعوب المضطهدة.

 

في ذلك النهار، وبالنسبة إلى 930 مليون صيني، كان موت "الشمس الحمراء في قلوبنا"، كما وصفته أغنية دعائية، بمثابة صدمة وقفزة نحو المجهول، فقد بنى الحزب الشيوعي الصيني عبادة شخصية حوله بصورة شبه كاملة، لكنها كانت أيضاً لحظة تحرر، بالنظر إلى المعاناة الهائلة التي سببتها سياساته، من الحملات الضارية ضد اليمينيين إلى فوضى الثورة الثقافية، ناهيك بعشرات الملايين من الضحايا الذين سقطوا جراء "القفزة الكبرى إلى الأمام".

ولعله من المثير أنه لا يزال كثير من المتقاعدين يتجمعون في الحدائق لغناء الأغاني الثورية التي تمجد ماو، في مزج واضح بين الحنين إلى الماضي والحماسة الوطنية.

والملاحظ أن الصينيين يحتفلون بعيد ميلاد ماو عادة، وليس بذكرى وفاته، وغالباً ما تؤدي هذه المناسبات أدواراً سياسية مختلفة تماماً. يتيح عيد الميلاد فرصة للاحتفال بتأسيس مشروع ما، وفي هذه الحال - الحزب والدولة - اللذان أسهم ماو في بنائهما. أما ذكرى الوفاة، على النقيض من ذلك، فمن المرجح أن تستحضر ذكريات الثورة الثقافية، ومجاعة القفزة الكبرى إلى الأمام، وعمليات التطهير السياسي التي تلتها.

نبي الشيوعية الصينية ونقطة تحول

هل كان يوم وفاة ماوتسي تونغ نقطة تحول في سيرة ومسيرة الصين المعاصرة؟ الثابت أن الأمر كذلك بالفعل، فقد كان عام 1976 نقطة تحول في تاريخ الصين المعاصرة، إذ شهد سلسلة مذهلة من الأحداث الاستثنائية. بدأ العام بوفاة رئيس الوزراء شوان لاي العتيد، السياسي الذي مثل، محلياً ودولياً، الوجه المؤسسي والمعتدل للصين، في مقابل اندفاع وتجاوزات الحملات السياسية لماو.

في النهاية، نأى ماو عن شوان لاي، كما فعل مع جميع أقرب معاونيه، لكن في ربيع عام 1976، رغب الشعب في تكريم شوان لاي، خلال مهرجان تشينغ مينغ، وهو مهرجان لإحياء ذكرى الموتى.

لم يتقبل ماو، الذي مارس سلطته من خلال من اصطلح على تسميته "عصابة الأربعة"، بقيادة زوجته جيانغ تشينغ، وعضوبة تشانغ تشون تشياو، المسؤول الكبير في قيادة الحزب، وباو ون بوان، الصحافي والمنظر السياسي، عطفاً على وانغ هونغ ون، نائب رئيس الحزب الشيوعي.

اعتبر ماو أن التظاهرات الخاصة بإحياء ذكرى شوان لاي، بمثابة تحد شخصي له، وقمعها بالقوة. وعرفت هذه الحادثة باسم "5 أبريل". وقتها قام ماو بتطهير، أي عزل وإبعاد، دنغ تشاو بنغ، الزعيم البراغماتي الذي أعاده شوان لاي إلى السلطة مرة أخرى، واستعادت عصابة الأربعة السيطرة الكاملة على البلاد، تحت حماية الزعيم الأعلى المسن والمريض.

 

ولعله من الأحداث المفصلية كذلك في تاريخ ماو، أنه في الـ28 من يوليو (تموز) 1976، ضرب الزلزال المدمر مدينة تانغشان، وكان عدد القتلى مرتفعاً للغاية، وقد وصل إلى قرابة 650 ألفاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى رفض النظام قبول المساعدات الدولية الخارجية.

في جميع أنحاء العالم، وفي دول حركة عدم الانحياز، وفي الدول الغربية، بما في ذلك إيطاليا، كان ينظر إلى ماو على أنه بطل للشيوعية "الممكنة"، ودليل على أن النموذج الصيني كان بديلاً استثنائياً للشيوعية السوفياتية، التي كانت آنذاك تحت وطأة الانتقادات بسبب جرائمها في المجر وتشيكوسلوفاكيا.

كان ماو بمثابة نبي الشيوعية الصينية، التي حظيت بتصوير مثالي للغاية، ليس فقط ثورياً، بل أيضاً استراتيجياً ومفكراً وشاعراً ورجلاً نبيلاً ذا أخلاق.

والغريب أنه في دولة مثل إيطاليا، أعلن عدد كبير من الطلاب والمعلمين انتماءهم للماوية، حتى في الأوساط الكاثوليكية التقدمية، كان ينظر إليه كبطل إيجابي، وشخصية أيقونية، تماماً كما كان تشي جيفارا.

لم يدم حكم "هوا غوفينغ"، خليفة ماو المختار طويلاً، إذ أطاحه دينغ شياو بينغ، الوريث الحقيقي لماو ونظيره السياسي. وفي الواقع لم يعلن ذلك رسمياً، فقد رفض دينغ سياسات ماو المتمثلة في الثورة المستمرة، والتجميع الزراعي، وقدم "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، مطلقاً "التحديثات الأربعة الكبرى التي رسخت مكانة الصين كقوة رائدة على الساحة الدولية".

الصين... قرب أم بعد من فكر ماو؟

أحد الأسئلة المهمة في سياق تناول ذكرى مرور 50 عاماً على وفاة ماو تسي تونغ: إلى أي مدى ابتعدت الصين من الطريق الذي رسمه لها؟ الجواب لا بد من أن يعود بنا إلى الحال التي كانت عليها الصين قبل وفاة ماو، حين كانت لا تزال دولة شيوعية فقيرة ومعزولة عن العالم نسبياً.

اليوم يختلف الحال بالمطلق، فهي ثاني أكبر اقتصاد عالمي، مندمجة بعمق في سلاسل التوريد والقيمة الرأسمالية العالمية، مع قطاع خاص واسع، وطبقة متوسطة حضرية كبيرة، ومجتمع رقمي متطور للغاية.

في تصريحاته لوكالة دويتشه فيلله الألمانية، يقول الأستاذ في جامعة سيرغي باريس، البروفيسور تشانغ لون، إن ماو ترك وراءه أربعة ركائز رئيسة: النظام السياسي الاستبدادي والمركزي للغاية، ونموذج الحكم الذي يعتمد على الثورة والحملات السياسية لحل المشكلات الاجتماعية، والنزعات الشعبوية التي تتسم بمعاداة العقلانية، والرؤى الطوباوية للمساواة والأخلاقية.

 

من منظور الإرث السياسي، يرى تشانغ أن التغيير الأكثر جوهرية في الصين على مدى العقود الخمسة الماضية كان "اجتثاث الماوية"، في حين أن التحدي الأكبر الذي واجهته هو أن هذه العملية لم تكتمل بالكامل، والدليل على ذلك، هو أن اسم ماو لا يزال مكتوباً في دستور الحزب الشيوعي الصيني، فيما لا يزال فكره جزءاً من الأيديولوجية الرسمية للصين، ولا تزال صورته معلقة في ميدان تيانانمن في بكين.

من جانب آخر يرى الأستاذ في جامعة زيورخ، البروفيسور جان كريستوفر، أن ماو ساعد في تشكيل الحزب الشيوعي الصيني، وأن إصراره على سيادة الحزب على الدولة والمجتمع ظل مبدأ أساساً على مر العقود.

ويتفق الصحافي المخضرم والمعلق السياسي تشانغ بينغ مع هذا الرأي، مضيفاً أن ما صمد حقاً هو الجوهر المؤسسي لمبدأ "قيادة الحزب لكل شيء"، الذي يخدم رؤية الدولة المتمثلة في القدرة على "تركيز الموارد لإنجاز المهام الرئيسة".

ويضيف بينغ أن الحزب الشيوعي الصيني يستطيع السعي إلى تحقيق هذه الأهداف "بأي ثمن"، مما يعني أنه يمكن التضحية بمصالح عامة الناس إلى أقصى حد ممكن للحفاظ على النظام.

فهل يعني ما تقدم أن ماوتسي تونغ، وبعد نحو خمسة عقود من وفاته، لا يزال في أعين البعض، نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه الصين؟

ماو في عيون الأجيال الشابة

"نحن نحب الحياة، ووطننا، وجيشنا، وشعبنا، ومناظرنا الطبيعية الخلابة. كل هذه المواضيع حاضرة في الأغاني التي نغنيها"، هكذا قال دينغ بينان، الذي يشارك في الغناء في إحدى حدائق بكين لإذاعة فرنسا الدولية.

بالنسبة إلى الجيل الصيني الحالي لا يزال ماو يحتفظ بصورته كمؤسس لجمهورية الصين الشعبية، والزعيم الذي ينسب إليه الفضل في السماح للبلاد باستعادة سيادتها بعد قرن من الغزوات والإهانات.

"لقد ترك لنا كثيراً، لقد سمح الرئيس ماو لأمتنا بالنهوض، وحرر الجماهير العاملة والشعب المعذب، لقد نهضنا مرة أخرى" قال دينغ، مردداً تقريباً كلمة بكلمة الرواية التي روج لها الحزب الشيوعي.

لم يعد سراً أن الصين شهدت موجات متكررة من الحنين إلى ماو، حين يستحضر بعض المواطنين الصينيين ماو عبر الإنترنت، ويعبرون عن شوقهم لما يصفونه بأنه عصر خال من عدم المساواة الاجتماعية، عندما كان من المفروض أن يكون لدى الجميع ما يكفي من الطعام.

يرجع كثير من الشباب في الصين اليوم، رفضهم الواقع السياسي المعاصر، وحنينهم لعهد ماو، إلى التقليص المستمر لحيز النقد العام في الصين، فعندما تقيد كل صور التعبير السياسي مثل النقابات العمالية المستقلة، والاحتجاجات الرسمية والإعلام الحر وأحزاب المعارضة، بشكل صارم، يبقى ماو رمزاً تاريخياً لا تستطيع الأيديولوجيا الرسمية استبعاده تماماً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل هذا الوضع يخلق نوعاً من المفارقة الصارخة؟ غالب الظن أن ذلك كذلك، لا سيما أن بعض الناس يستحضرون لغة ماو المناهضة للبيروقراطية ومقاومة القمع، وحتى التمرد لانتقاد ما يرونه فساداً وعدم مساواة وإساءة استخدام السلطة في الصين في عهد الرئيس الحالي شي جينبينغ اليوم.

هذا الوضع في واقع الأمر يجعل من ماو سلاحاً ذا حدين، فهو لا يزال رمزاً مهماً للشرعية السياسية للحزب الشيوعي الصيني، ولكن في الوقت ذاته يمكن أيضاً تحويل أجزاء من الخطاب الثوري الذي تركه إلى معايير تقاس بها بل وتنتقد الواقعية المعاصرة.

ماو والثورة الثقافية... عيون جيل زد

هل من حدث بعينه في مسيرة ماوتسي تونغ الطويلة، ينبغي التوقف معه بصورة جذرية؟ يميل كثير من المؤرخين للإشارة إلى الثورة الثقافية التي تبناها ماو، وتبعاتها الخطرة منذ ستينيات القرن الماضي وحتى حاضر أيامنا.

المؤكد أننا نعرف كثيراً حتى الآن عن حياة ماو الخاصة والعامة، لكن بين الشباب في العالم الغربي يكاد ماو يكون مجهولاً، والثورة الثقافية أكثر غموضاً، إنه مصطلح لا يثير سوى شعور بالرومانسية لدى من تجاوزوا الـ70.

المثير أن ثمة افتتان اليوم بالصين بين الشباب، لكن ماو في حقيقة الأمر لا علاقة له بهذا الافتتان، إنه افتتان جيل زد، فظاهرة "تشاينا ما كسينغ" المنتشرة على نطاق واسع تتمحور بالكامل حول التأثير العالمي لوسائل التواصل الاجتماعي، التي تؤدي فيها الصين دوراً محورياً.

هنا يبدو واضحاً أن النقاش حول مآلات المجتمع الصيني أمر أكثر تعقيداً والأسئلة في حاجة إلى مناقشات معمقة ومنها كيف ينظر إلى ماو في داخل الصين بصورة عامة، وربما بعيداً من التوجهات الشبيهة بالأوامر من طرف الحزب الشيوعي الصيني، ثم هناك المحاصصة القائمة والقادمة عن الثورة الثقافية وتقييمها الذي لم يتوقف على رغم تلك العقود الطوال.

هناك جانبان في الأقل يجب أخذهما في الاعتبار: أحدهما سياسي بحت، والآخر اجتماعي وأنثروبولوجي، فمن منظور سياسي لا تستطيع الصين اليوم أن تتخلى عن الذكر الإيجابي لماو، فخلال احتجاجات ميدان تيانانمن عام 1989، شكل تدنيس صورة ماو نقطة اللاعودة، مما أدى إلى قمع عنيف بأوامر من دينغ شياو بينغ.

 

وعلى رغم إدانة الثورة الثقافية باعتبارها عقداً من الاضطراب، فإن سلطة الحزب الشيوعي الحاكم في الصين، راسخة في شخصية ماو، ولا يمكن التشكيك فيها.

أما الجانب الاجتماعي فإن ماو لم ينس في المجتمع الصيني المعاصر، فصورته التي كاد تكون رمزاً، تزين معظم سيارات الأجرة، وتعلق صورته في كثير من المنازل، لا سيما في الريف الشاسع في المخيلة الجماعية.

والحقيقة المؤكدة هي أنه لا ينظر إلى ماو اليوم كزعيم سياسي، بقدر ما ينظر إليه كرمز قوي، قائد لا يقهر، يكاد يكون مثالاً على بث الطاقة والقوة. وباختصار القول، بالنسبة إلى كثيرين، بخاصة بين شريحة واسعة من السكان الذين ولدوا بعد عصره، يعجب الناس بماو ويجلونه ليس كثوري سياسي فحسب، بل كرمز يجسد القوة والسلطة والنجاح.

يقودنا التوصيف المتقدم إلى علامة استفهام جوهرية في هذه القراءة تتصل بوضع الصين الحالي... ماذا عن هذا؟

هل شي جينبينغ هو ماو تسي الثاني؟

الملاحظ في عهد الزعيم الحالي للصين، شي جينبينغ، أن كثيراً من المفاهيم السياسية وأساليب الحكم المرتبطة بعهد ماو، مثل الوحدة الأيديولوجية وروح النضال، تعود للظهور مرة أخرى.

وتشمل إجراءات شي إلغاء حدود ولاية الرئيس وتعزيز سلطته الشخصية، وإدراج فكره السياسي في دستور الحزب والدولة، مما يطرح تساؤلاً جذرياً "هل بات ماو هو المثال والقدوة لشي، وأنه يطمح في أن يصبح ماوتسي تونغ الجديد في القرن الـ21؟".

الغريب في المشهد هو أن شي جينبينغ نفسه قد عانى اضطهاد والده شي تشونغ شو، خلال الثورة الثقافية، حين تعرض للنقد والتنديد، ورفضت عشرات طلبات انضمامه للحزب.

هنا يجادل بعض المفكرين الصينيين بأن شي جينبينغ لم يتعلم من الثورة الثقافية درس الضحية، بل درس القوة. وقدم البعض استنتاجاً أكثر واقعية من الناحية السياسية، وفيه أن استنتاج شيء مستمد من تجربته الخاصة خلال الثورة الثقافية، ليس وداعاً كاملاً لماو، بل هو بالأحرى اعتبار سياسي مفاده أنه من الضروري الحفاظ على مكانة ماو التاريخية كمؤسس للبلاد والجيش والحزب، مما يعني أن القيادة العامة للحزب الشيوعي الصيني تتبنى اليوم نهجاً ميكافيلياً وعملياً تجاه قضية ماو تسي تونغ وإرثه.

 

فعلى سبيل المثال، في مجال السياسة الاقتصادية، لا توجد أي علامات على العودة إلى عهد ماو، فالصين اليوم هي نموذج ديناميكي للغاية لرأسمالية الدولة، مع ملكية مختلطة، وقطاع خاص قوي، ولا توجد أي علامة على العودة إلى فكرة دولة الرفاه الاشتراكية في عهد ماو التي كانت تغطي سكان المدن فحسب، وعلى طريق الاعتماد على الذات.

والمقطوع به في هذه الجزئية، هو أنه على رغم أن ماو وشي لديهما إرادة قوية للسلطة، فإن بنيتهما الشخصية تعد مختلفة تماماً، فقد استندت سلطة ماو تسي تونغ بالكامل تقريباً على "الحكم الكاريزمي"، أما شي جينبينغ فلا يمتلك لا السلطة التاريخية التي كان يتمتع بها ماو ولا جاذبيته الشخصية.

 ومن منظور آخر، يختلف الاثنان في أساليب ممارستهما للسلطة، فقد كان ماو تسي تونغ قادراً على تجاوز مؤسسات الحزب، وتأجيل مؤتمراته فترات طويلة، وحشد الجماهير لتحدي الحزب وجهاز الدولة، كما كان ماو نفسه شعبوياً ذا نزعة فوضوية، حتى إنه تغاضى عن الانهيار الموقت لنظام الحزب والدولة على مستوى القاعدة الشعبية خلال عامي 1966 و1967.

أما شي جينبينغ اليوم فلن يسمح بحدوث مثل هذا الوضع أبداً، فهو يولي اهتماماً أكبر للسيطرة واستراتيجية الحكم من أعلى إلى أسفل، مقارنة بماو، مؤكداً توطيد السلطة من خلال تعزيز المؤسسات وجهاز الحزب. وهنا يريد شي بناء مجتمع نظيف، لكنه لا يريد العودة إلى الثورة الثقافية التي شهدها عهد ماو.

هل من خلاصة؟

بعد خمسة عقود من وفاة ماو تسي تونغ، يبدو للناظر أنه يعاين دولة أخرى غير التي تركها، كذلك فإن السياقات الجيوسياسية الأممية، ونوازل العصر ذاتها تغيرت بصورة مطلقة، مما دعا البعض إلى التساؤل "هل كان تونغ سيرحب بعالم الذكاء الاصطناعي، ذاك الذي تبرع فيه بكين اليوم ويبلغ بها الأمر أنها تمثل عقبة أمام أحلام الإمبراطورية الأميركية المنفلتة في قيادة وريادة عالم الذكاءات الاصطناعية؟".

يبدو واضحاً من الأضواء الخافتة للاحتفال بذكرى ماو في الداخل الصيني، ليس محاولة لإبعاد الحزب منه، بل هو أقرب ما يكون إلى استخدام دقيق ومدروس له.

اليوم وبعد مرور 50 عاماً لا يزال جثمان ماو المحنط يرقد في نعشه الكريستالي، ولا تزال صورته تطل على الصينيين في صحوهم ونومهم، لكن ما حرص عليه النظام السياسي الصيني حقاً، ليس هو جثمانه، كما فعل النظام السوفياتي مع جثمان لينين، بل الحفاظ على مجموعة من القواعد التي تحدد من يملك كتابة التاريخ، وماذا يقول عن رجالات شكلوا مساراته ونسجوا مساقاته.

المزيد من تحقيقات ومطولات