ملخص
حذرت غورغييفا من استمرار ارتفاع عدم اليقين وضعف آفاق النمو على المدى المتوسط، مؤكدة أهمية السياسات المنضبطة والاستقرار المالي والاستفادة من فرص الذكاء الاصطناعي.
قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن الاقتصاد العالمي يواصل إظهار قدرته على الصمود في مواجهة صدمات متكررة ومتداخلة، مشيرة إلى أن الحرب في الشرق الأوسط كانت خلال العام الحالي عاملاً كابحاً للنمو، ومؤججاً للتضخم، ومعطلاً لإمدادات السلع الأساسية.
وأضافت خلال إطلاق الصندوق تقريره السنوي لعام 2026، والذي حمل عنوان "الإبحار في عالم مضطرب" أن الوضع كان سيكون أسوأ بكثير لولا وجود قطاع خاص يتمتع بالمرونة والقدرة على التكيف، مدعوماً بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي وسياسات اقتصادية منضبطة.
عدم اليقين يضغط على آفاق النمو
أوضحت غورغييفا أن حال عدم اليقين لا تزال مرتفعة، فيما تبدو آفاق النمو على المدى المتوسط فاترة، مؤكدة ضرورة المضي قدماً نحو مسار يحقق نمواً اقتصادياً أعلى، تزامناً مع تعزيز القدرة على الصمود في عالم عرضة للصدمات.
وقالت إن استقرار الأسعار والاستقرار المالي يمثلان أهمية بالغة، مشيرة إلى أن أطر السياسات السليمة والمؤسسات القوية تشكل ركيزتين أساسيتين لتعزيز المرونة الاقتصادية.
في المقابل لفتت إلى أن تحديات المالية العامة تزداد حدة، موضحة أن السلطات المالية لا تزال تمتلك أدوات يمكنها استخدامها، لكن يتعين عليها اختيار مساراتها بحكمة. وأضافت أن السياسات الهيكلية تمثل سبيلاً حيوياً لتحقيق نمو أكثر استدامة ومرونة وقدرة على الصمود.
الذكاء الاصطناعي بين الفرص والأخطار
في ظل هذه المعطيات قالت غورغييفا إن الذكاء الاصطناعي يطرح فرصاً وتحديات في آنٍ واحدٍ، وأوضحت أنه للاستفادة من هذه الفرص، يمكن للبلدان مساعدة العمال على اكتساب مهارات جديدة، وتمكين الشركات من جني مكاسب الإنتاجية المحتملة التي توفرها هذه التكنولوجيا.
وفي المقابل أكدت أن تعزيز المرونة السيبرانية يمثل أمراً ضرورياً لمواجهة الأخطار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ارتفاع الدين العام العالمي مجدداً
يحذر صندوق النقد من أن الدين العام العالمي يعاود الارتفاع بعد تراجع موقت من المستويات التاريخية التي بلغها خلال جائحة "كوفيد-19".
وكان الدين في طريقه بالفعل إلى بلوغ مستويات مماثلة لفترة الحرب العالمية الثانية بحلول 2028، حتى قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
وأدت الحرب إلى زيادة الضغوط المالية من خلال رفع أسعار الطاقة وتشديد الأوضاع المالية وإبطاء النمو، بينما لا يزال من غير الواضح إلى متى ستستمر هذه الضغوط.
وتواجه الدول المستوردة للطاقة، خصوصاً منخفضة الدخل، الضغوط الأكبر، فيما يتعين على الحكومات الموازنة بين تخفيف أثر ارتفاع كلفة الطاقة والحفاظ على حيز مالي كافٍ.
وانعكست هذه التطورات على أسواق السندات، إذ ارتفعت عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل وأصبحت أكثر تقلباً، وخلال ثلاثة أعوام فحسب، ارتفعت مدفوعات الفائدة بنحو النصف، من نحو اثنين في المئة إلى قرابة ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يعني تريليونات الدولارات التي لم تعد متاحة للإنفاق على التعليم والبنية التحتية وغيرها من الأولويات.
وتأتي هذه الأعباء فوق حاجات جديدة للإنفاق الدفاعي، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأمنية تزامناً مع عدم اليقين التجاري والسياسي.
الحاجة إلى إصلاحات مالية وهيكلية
يحذر الصندوق أيضاً من أن نقاط الضعف المالية تزيد أخطار الاستقرار المالي، بما في ذلك أخطار السيولة واضطرابات أسواق العملات وغيرها من الأسواق المالية. وقال إن كبار المقترضين يلجأون إلى إصدار مزيد من الديون قصيرة الأجل لإدارة أعباء الفائدة، لكن ذلك يجعلهم أكثر عرضة للتغيرات المفاجئة في ظروف التمويل قصيرة الأجل.
ويرى الصندوق أن دعم الطاقة يجب أن يكون موقتاً وموجهاً بدقة عندما يكون ضرورياً، وأن تبدأ الحكومات في تنفيذ أولويات مالية صارمة مع استمرار ارتفاع الطلب على المال العام.
وتشمل الإصلاحات الضرورية معالجة أنظمة التقاعد غير المستدامة وإعانات الوقود التي لا تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً، بما يسمح بتحرير موارد لسداد الدين وتمويل الاستثمارات التحويلية.
ويمكن للدول زيادة الإيرادات وتوفير مساحة لتحديث البنية التحتية الرقمية والتعليم وشبكات الأمان الاجتماعي، إلى جانب تعزيز قدرتها على مواجهة اضطرابات التجارة والطاقة والكوارث الطبيعية.
الذكاء الاصطناعي... فرصة ومصدر للأخطار
يحتل الذكاء الاصطناعي موقعاً رئيساً في تقرير صندوق النقد، باعتباره في الوقت نفسه فرصة لرفع الإنتاجية ومصدراً لأخطار اقتصادية ومالية جديدة.
ويقدر الصندوق أن الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أضافت نحو 0.5 نقطة مئوية إلى نمو الناتج المحلي الإجمال الأميركي في 2025.
وتسارع نمو الإنتاجية في الولايات المتحدة خلال الأعوام الأخيرة، مما قد يعكس جزئياً الآثار المبكرة لاعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتشير تقديرات خارجية إلى أن استثمارات القطاع الخاص في الذكاء الاصطناعي قد تتجاوز تريليوني دولار عالمياً خلال 2026، مما يجعله أحد أسرع محركات النمو في الأعوام الأخيرة.
لكن هذه الطفرة تحمل أخطاراً على سوق العمل، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل بعض الوظائف ويضغط على أجور شرائح معينة من العاملين.
ويشير بحث للصندوق إلى أن العاملين الذين تتطلب وظائفهم مهارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي يحصلون على أجور أعلى، لكن المدن والمناطق التي تتركز فيها هذه الوظائف لا تشهد بالضرورة نمواً إجمالياً في الوظائف.
ويستفيد كذلك العاملون في الوظائف منخفضة المهارات، مثل العاملين في المطاعم، الذين يقدمون خدمات للفئات ذات الدخل الأعلى، بينما قد يكون العاملون ذوو المهارات المتوسطة الأكثر تعرضاً لخطر الأتمتة.
أخطار فقاعة الذكاء الاصطناعي
على مستوى الشركات، يحذر الصندوق من احتمال أن تكون العوائد المتوقعة من الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، والتي يمول جزء متزايد منها بالديون، أقل من التوقعات.
وقد يؤدي ذلك إلى انعكاس حاد في تقييمات الأسهم وتدمير للثروة وتسريح للعمال.
وتزداد الأخطار داخل منظومة الذكاء الاصطناعي نفسها، خصوصاً مع ترتيبات التمويل الدائرية التي تعمل فيها مجموعة محدودة من الشركات في الوقت نفسه كعملاء ومستثمرين وممولين لبعضها بعضاً.
وقد يؤدي ظهور مشكلة في شركة واحدة إلى انتقال آثارها سريعاً إلى شركات أخرى.
ويعمل صندوق النقد على متابعة هذه الأخطار من خلال الرقابة متعددة الأطراف، وطور مؤشرات لقياس استعداد الدول للذكاء الاصطناعي والمهارات والاستعداد المهني واختلالات المهارات.
التجارة العالمية تحت الضغط
قال صندوق النقد في تقريره إن صدمات التجارة شكلت عام 2025 عائقاً أمام النمو العالمي وأججت المخاوف في شأن التضخم. ومع ذلك، ارتفعت أحجام التبادل التجاري بنحو خمسة في المئة في العام الماضي، إذ واصلت تجارة السلع المرتبطة بالتكنولوجيا نموها المتسارع. وأشار إلى أن التحول الهيكلي في السياسة التجارية الأميركية مطلع عام 2025 إلى تسريع وتيرة إعادة توجيه حركة التجارة، لا سيما في آسيا، إذ تفاوض عديد من الاقتصادات على تفاهمات تجارية ثنائية مع الولايات المتحدة، وسعت الدول لاقتناص فرص تجارية وإبرام اتفاقات فيما بينها وعلى المستوى الإقليمي، استناداً إلى القواعد والنظم التجارية القائمة.
وعلى رغم أن هذه التحركات أتاحت استمرار تدفق التجارة، فمن المتوقع أن يتباطأ نموها هذا العام، لا سيما في ظل تفاقم الوضع جراء الصدمة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.
ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية (IEA)، تسببت الحرب - وما أعقبها من إغلاق لمضيق هرمز - في أكبر انخفاض على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية.
وأدى ذلك إلى تداعيات طاولت سلعاً أخرى وإمدادات الغذاء وسلاسل التوريد الأوسع نطاقاً، وهي أمور يعكف صندوق النقد الدولي حالياً على تقييم آثارها على الاقتصاد الكلي بالتعاون الوثيق مع وكالة الطاقة الدولية والبنك الدولي.
وحذر الصندوق قائلاً إنه من شأن الأضرار الدائمة التي لحقت بالبنية التحتية لتصدير الطاقة في المنطقة أن تواصل الحد من حجم الإمدادات، إذ لا تزال حال عدم اليقين والحاجة إلى بناء سلاسل توريد أكثر مرونة - وإن كانت أقل كفاءة - تؤثر بصورة كبيرة على قرارات التجارة والاستثمار. وعلاوة على ذلك، يواجه التعافي الاقتصادي عوائق ناجمة عن حواجز تجارية عالمية لا تزال عند مستويات مرتفعة للغاية مقارنة بما كانت عليه خلال العقود الماضية وفقاً للصندوق.
آفاق جديدة للتمويل الرقمي
قال صندوق النقد إن التمويل الرقمي يواصل توسيع نطاق انتشاره عام 2026، بما يخلق فرصاً جديدة وأخطار جديدة في الوقت نفسه. وأشار إلى أن العملات المستقرة تبرز مجدداً باعتبارها أحد مجالات التركيز، فيما يستمر التقدم في مجال ترميز الأصول، حتى مع مواصلة كثير من الدول العمل على تطوير العملات الرقمية للبنوك المركزية.
وأوضح الصندوق إنه بعد أعوام من التطوير والتجربة، بدأت الحكومات في الاقتصادات الرئيسة والجهات العاملة في القطاع المالي في إضفاء طابع مؤسسي على التقنيات القائمة على تقنية سلسلة الكتل ودفاتر الأستاذ الموزعة.
وشهد نمو العملات المستقرة زخماً قوياً، وتوسع استخدامها في المدفوعات والتحويلات المالية عبر الحدود، وإن كان لا يزال محدوداً.
وأشار إلى أن استخدام ترميز الأصول، أي تسجيل الأصول ونقل ملكيتها عبر دفتر أستاذ رقمي قابل للبرمجة وموثوق ومشترك لا يزال على نطاق واسع، في مراحله الأولى، لكنه يتجه نحو الاستخدام التجاري.
التمويل الرقمي يتجاوز الحدود
وفقاً للمقرض الدولي يقود هذا التحول نحو المنتجات والجهات القائمة على التكنولوجيا، والقادرة على العمل بسلاسة عبر الحدود، إلى حد كبير مؤسسات مالية غير مصرفية، فيما بدأت البنوك تنخرط في هذا المجال بصورة متزايدة.
وأشار تقرير الصندوق إلى أن آسيا لا تزال في طليعة التمويل الرقمي، وأضاف أنه نظراً إلى امتلاك كثير من الأشخاص هواتف محمولة من دون امتلاكهم حسابات مصرفية، تحظى المدفوعات الرقمية والأموال عبر الهاتف المحمول باستخدام واسع.
وأسهمت اللوائح الحكومية الاستباقية والمعايير الإقليمية للمدفوعات، ولا سيما في رابطة دول جنوب شرقي آسيا "آسيان"، في دعم نمو منظومات التكنولوجيا المالية المتقدمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونتيجة لذلك، أصبحت آسيا اليوم ساحة اختبار مهمة لتطوير واعتماد أنظمة المدفوعات الرقمية، مثل العملات المستقرة. وتبحث شركات التكنولوجيا المالية الإقليمية ومقدمو خدمات الدفع وصانعو السياسات في سبل خفض كلفة المدفوعات عبر الحدود وتحسين الوصول إلى الخدمات المالية للأشخاص الذين لا يحصلون على خدمات مصرفية كافية، وهي فوائد محتملة يمكن أن تمتد إلى مختلف أنحاء العالم.
ترميز الأصول قد يتجاوز تأثير العملات المستقرة
تحدث الصندوق عن إمكان أن يكون لترميز الأصول تأثير أكبر من العملات المستقرة على المدى الطويل، إذ يمكن في نهاية المطاف ترميز الأصول المادية والمالية على حد سواء، بدءاً من ملكية الأراضي ووصولاً إلى القروض.
ومن شأن ذلك تسريع المعاملات وخفض كلفتها، وإتاحة مزيد من الأصول أمام عدد أكبر من الأشخاص في مختلف أنحاء العالم.
أخطار على الاستقرار المالي
على صعيد الأخطار، حذر الصندوق من إمكان أن تفقد العملات المستقرة استقرارها إذا تراجعت قيمة الأصول التي تستند إليها أو فقد المستخدمون الثقة بها، إضافة إلى أن عمليات الاسترداد الكبيرة يمكن أن تشكل خطراً على أسواق السندات الحكومية التي يحتفظ بها مصدرو العملات المستقرة.
وقال الصندوق إن صانعو السياسات يشعرون بالقلق إزاء الاستقرار المالي، وإحلال عملة محل أخرى، مثل الدولرة، وكذلك سلامة النظام المالي.
وحذر من إمكان أن تسرع الرموز الرقمية المعاملات بدرجة مفرطة، بما قد يؤدي إلى حدوث "انهيارات خاطفة" في الأسواق، وهي حالات تتأرجح فيها تقييمات الأصول على نطاق واسع وبسرعة تفوق قدرة البشر على التدخل.
العملات الرقمية للبنوك المركزية
أشار صندوق النقد إلى أن كثيراً من أعضائه يواصلون تطوير العملات الرقمية للبنوك المركزية للاستفادة من المزايا الكبيرة للتحول الرقمي، مع معالجة بعض الأخطار المرتبطة به.
على سبيل المثال، أعلن البنك المركزي الأوروبي في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 انتهاء مرحلة الإعداد لليورو الرقمي، واضعاً الأسس التقنية اللازمة لإصدار عملة رقمية.
ويتيح الحفاظ على العملة الوطنية للدول استخدام أدوات السياسة النقدية لإدارة الاقتصاد، ويمكن أن يدعم جهودها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
دعوة إلى إطار تنظيمي عالمي متماسك
أكد صندوق النقد الدولي على أنه يواصل الدعوة إلى وضع أطر تنظيمية عالمية متسقة للتمويل الرقمي، ويشمل ذلك إدارة أخطار العملات المستقرة استناداً إلى توصيات صندوق النقد الدولي ومجلس الاستقرار المالي وبنك التسويات الدولية، وجعل أنظمة المدفوعات قابلة للتشغيل البيني. وقال إنه يتبادل المعرفة والخبرات لمساعدة الدول الأعضاء على مواجهة تقلبات تدفقات رؤوس الأموال والحفاظ على قدرتها على إدارة أسعار الصرف عندما تكون الأوضاع مضطربة.