طرابلس تغيرت… لهذه الأسباب خسر سياسيوها سيطرتهم

يتابع الحراك الشعبي في المدينة مساره التصاعدي

يتابع الحراك الشعبي في طرابلس مساره التصاعدي على حساب الزعامات التقليدية في عاصمة شمال لبنان، وتمكن في يومه السادس من تأكيد الإجماع على مطلب "كلن يعني كلن" وسقوط الطبقة الحاكمة بالكامل، وعدم الاكتفاء بما يُشاع عن تعديل حكومي أو استبدال حقائب. وشهدت طرابلس عدة وقائع لافتة، حيث مزق المحتجون صور رئيس الحكومة سعد الحريري وطرد النائب السابق مصباح الأحدب، وعدم التفاعل مع دعوة رئيس تيار الكرامة النائب فيصل كرامي، والتظاهر أمام قصر رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي والهتاف ضده.

تغيير عميق

لا يعتبر من قبيل القفز إلى استنتاجات مبكرة، القول إن الواقع السياسي في طرابلس قد تغيّر فعلياً. فقد طفت مجموعة مؤشرات على السطح للتأكيد على تلك النقمة. ويتوقف رئيس هيئة الطوارئ لإنقاذ طرابلس جمال بدوي عند قضية استخفاف أحزاب السلطة بآلام أهل طرابلس، وعدم قراءة الواقع كما هو. ويشير إلى أن ربيع طرابلس بدأ منذ سنوات عام 2012، وبعدها عبر التعبير عن رفض النهج القائم من خلال مقاطعة الانتخابات البلدية والنيابية، ولم يكن آخرها عدم مشاركة الناخبين في الانتخابات الفرعية بعد الطعن بنيابة ديما جمالي. ويجزم بدوي أن الزعامات التقليدية تجيد التلاعب بالعواطف والتكيّف مع التغييرات، إلا أن الحراك سيقف في وجهها، ويستمر الضغط لتحقيق التغيير بعد استقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة وتشكيل حكومة من مستقلين، ورحيل الطبقة السياسية التي لم تحقق أي مطلب شعبي.

ويرى عالم الاجتماع غسان الخالد أن أحزاب السلطة والزعامات التقليدية هي الخاسر الأكبر. ويلفت إلى أن اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 ألغى دور الكثير من الأحزاب التقليدية القومية والبعثية والناصرية والإسلامية. وجاء رجال المال والأعمال وكبار المتمولين لسد هذا الفراغ. واستمر تيار المستقبل، الذي يرأسه الحريري، وتيار العزم الذي يرأسه ميقاتي، طوال الفترة الماضية بالتأثير في الساحة الطرابلسية. ويتوقع الخالد أن يفرز الحراك تغييرات عميقة وغير مسبوقة.

ولا يختلف النقابي نعمة محفوض عن هذا التحليل، معتبراً أن مطالب طرابلس هي مطالب كافة اللبنانيين، إلا أن نسب الفقر والجوع والمشكلات في المدينة تجاوزت كل الحدود. ودفعت هذه الضائقة كل أبناء طرابلس والشمال من مسلمين ومسيحيين إلى التوحد في وجه السلطة والقيادات المحلية التي استثمرت طويلاً في ضائقة ناسها.

ويطمح أنصار المجتمع المدني إلى تقديم بديل عن الأحزاب التقليدية والزعامات القائمة على تبادل المنافع. ويؤكدون وقوفهم إلى جانب التحركات العابرة للطوائف والانقسام المذهبي الذي كانت تتاجر به تلك البنى التقليدية. ويصوّب السياسي الطرابلسي يحيى مولود تجاه الورقة الإصلاحية، ويعتبرها دليلاً إضافياً على استخفاف الطبقة السياسية بالشعب.

النقمة هي رأس جبل الجليد

لا تتوقف النقمة في طرابلس عند الحدود الضيقة للصراع في البلاد، وإنما يتجاوزها وفق الناشط محمد إبراهيم إلى النطاق اللبناني الأوسع. ولم تأتِ الهتافات ضد وزير الخارجية جبران باسيل من فراغ. فخلال السنوات الثلاث الماضية، تحوّل إلى حاكم بأمره، فيما التزم الحريري الصمت والمسايرة في أكثر الأحوال. هذا الواقع لا يمكن أن يقبل به اللبنانيون والطرابلسيون تحديداً لأنهم قدّموا الكثير من التضحيات في سبيل رئيس تيار المستقبل، في المقابل كان يتراجع ويتنازل أمام خصومه. كما أن إصرار رئيس التيار الوطني الحر على مواقف تخالف سياسة النأي بالنفس، وتدفع لبنان نحو المحور المعادي للمحيط العربي، كان لا بد أن يواجه بموقف حاسم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويلتفت إبراهيم إلى الوضع الاقتصادي، فيرى أن الأزمات الاقتصادية تراكمت تباعاً، من أزمة الدولار إلى أزمة البنزين والطحين. وبعد ذلك جاءت الحكومة لتخفض عجز ميزانية 2020 على حساب جيوب الفقراء، وفرض المزيد من الضرائب عليهم. وشكلت هذه القضايا ضغطاً على الفئات الشعبية، فيما اكتفت الزعامات اللبنانية والطرابلسية بتقديم الوعود الترقيعية.

نقابة المحامين إلى جانب الناس

في الساعات الماضية، برز تخوف من فض الاعتصامات بالقوة، واعتقال المتظاهرين تعسفياً. ولمواجهة هذا الواقع قررت نقابة المحامين في طرابلس تشكيل لجنة من المحامين للدفاع عن الحريات.

وأكد رئيس مكتب المعونة القضائية فهمي كرامي أن هناك جهوداً لتشكيل مجموعة من المحامين للوقوف إلى جانب المتظاهرين، وهي على تنسيق مع الحراك لمنع أي تجاوزات قد تحصل. ويعتبر كرامي أن هذا القرار يأتي في صلب مهمة رجال القانون والحقوق.

باقون في الساحة

ومع صدور قرار رئيس الجامعة اللبنانية فؤاد أيوب باستئناف الدروس والعمل الإداري في الكليات والفروع في المناطق، بدأت صرخات الاستهجان تجاه محاولات الالتفاف على الحراك الشعبي. وأكد الطلاب بقاءهم في الساحات إلى حين تحقيق المطالب.

ويتحدث الأستاذ الجامعي خالد كجا عن وجع أساتذة وطلاب الجامعة اللبنانية مع هذه السلطة، فالأساتذة المتعاقدون لا يتقاضون أجورهم ولا يحصلون على ضمان اجتماعي. ويعتبر أن الطلاب رفضوا القرار لأنه ينتقص من حقهم في التعبير، ولا يمكن تجاوزهم كأساس في الضغط الشعبي.

المزيد من العالم العربي