ملخص
عاش المفكر الفرنسي آرثر دو غوبينو بين 1816 و1882. وعرف بكتاباته العنصرية، لكنه عرف أيضاً كنحات ورسام وروائي ومستشرق ورحالة ودبلوماسي، وكان مثار الإعجاب بذكائه الشديد وثقته بنفسه ومعرفته بكل قديم يعده عريقاً وتأليهه له.
لم يعرف تاريخ الفكر الفرنسي كاتباً كره بلاده، فرنسا هنا، قدر ما كرهها آرثر دو غوبينو. ولئن كان صاحب كتاب "دراسة حول التفاوت بين أعراق البشر" قد عرف دائماً بعنصريته المعلنة، التي أسست من دون أدنى ريب للفكر العنصري النازي، فإن عنصريته توجهت أول ما توجهت، ضد الفرنسيين، وليس تماماً ضد الشعوب "الدنيا" الأخرى، في نظره، أي ضد الشعوب "الملونة".
ويقيناً أن العنصرية ضد الملونين لم تكن عملة رائجة في أيامه، بل من المعروف أن زوجته التي أحبها أول أمره وأنجبت له ابنته الوحيدة، كانت خلاسية سمراء اللون. فإذا أضفنا إلى هذا كله أن غوبينو كان منذ شبابه المبكر مولعاً بالشرق وبالإسلام، إذ كان أحياناً يحلو له أن يرتدي ثياباً شرقية ويقول عن نفسه إنه مسلم، وإذا أضفنا أيضاً أن هذا المفكر الفرنسي، الذي لعنه التاريخ، أولع كثيراً بمصر منذ زارها وأمضى فيها أشهراً، وأعلن دائماً أنه عاش أحلى سنوات حياته في فارس التي ألف عنها وعن تاريخها كتاباً مهماً، يصبح ما لدينا من هذا الرجل مجموعة من التناقضات التي تبدو، ظاهرياً، عصية على الحل أو على الفهم. ذلك أن هذا، كله، ما كان يمكن له أن يكون منطقياً بالنسبة إلى مؤلف سبق في كتابه الرئيسي الذي نذكر هنا، صموئيل هنتنغتون، في التأكيد على أن صراع الحضارات، هو الصراع المركزي في العالم بالنظر إلى تمركزه من حول التفاوت العرقي لا الديني بين البشر.
تمجيد الشعوب الآرية
ونقول إن التناقض يبدو ظاهرياً، لأن غوبينو، كما أسلفنا، وجّه نزعته العنصرية ناحية تمجيد الشعوب الآرية، ذات الامتداد الجرماني المعاصر. وبالنسبة إليه كان يعرف أن جذور الآرية في فارس، ومن هنا تتبع كل التداعيات الباقية، التي سنخلص منها إلى النتيجة التي عبرنا عنها أولاً، وهي أن ما كان يحكم فكر غوبينو، إنما كان اعتباره الشعوب اللاتينية المعاصرة، وعلى رأسها الشعب الفرنسي، شعبه أصلاً، شعوباً دنيا بالمقارنة مع الجرمان.
وهو في هذا الإطار يعد السيد والملهم للإنجليزي الذي تحوّل إلى ألماني، هاوستون ستيوارت تشامبرلن (1856-1927) الذي كان، في اتباعه خطى غوبينو، المؤسس الحقيقي للفكر العنصري النازي. وقد كان تشامبرلن، تلميذاً حقيقياً لكتاب "دراسة في التفاوت..." الذي صار في نهاية أمره كتاباً في أربعة أقسام، متفاوتة الأسلوب والنوع، وإن كانت موحدة الهدف والاتجاه. أما الجزآن الأولان فقد صدرا في عام 1853 وأما الجزآن الآخران ففي عام 1855. علماً أن الكتاب نفسه شكّل قسماً أولاً من رباعية ضمت لاحقاً، وفي المنحى نفسه، رواية وكتاب رحلات، وكتاب "تاريخ الفرس" نفسه.
من يصنع التاريخ
إذاً، في كتابه الأساسي والمهم "دراسة في التفاوت..." يبدي غوبينو قناعته بأن المسألة العرقية هي صانعة التاريخ ورافعته الأولى، انطلاقاً من فكرة تقول إن تنوعية الأعراق التي تشكل أمة واحدة تكفي وحدها لتفسير مصائر الشعوب.
وفي هذا الإطار، يسهب غوبينو في دراسة "النتائج التي تسفر عنها هيمنة بعض الجماعات البشرية على تاريخ البلد الذي تقيم فيه: ذلك أن هذه المجموعات "تأتي، بفعل تغلغلها المباشر في حياة وعوائد السكان المحليين، بتبديلات مباغتة". وهكذا، إذا كانت المجموعات أدنى حضارياً، وهذه هي الحال في معظم الحالات، تكون النتيجة انحطاطاً للشعوب الأصلية، تحط معه حضارتها.
وينطلق غوبينو من هذه الفكرة ليؤكد أن هناك أعراقاً قوية وأعراقاً ضعيفة. ثم يركز بحثه على الأولى دارساً تصرفاتها، متراجعاً في الزمن من أوضاعها الحالية حتى جذور جذورها ليخلص إلى أن "كل ما هو عظيم ونبيل ومثمر على وجه البسيطة إنما هو من نتاج مخلوقات بشرية، تعود في جذورها إلى عائلة واحدة تمكنت فروعها المختلفة من أن تحكم مختلف مناطق الدنيا".
والمؤلف، بعد دراسته هذه الظاهرة، يصل إلى أن العائلة الآرية هي التي تشكل في نظره جذر الجذور هذا. ويسهب هنا في التحليل قائلاً، إن فروع هذا العرق هي التي لا تزال تهيمن حتى الآن، أي حتى زمنه، ولكن، للأسف، "في كل مرة يحدث فيها تقاطع بين هذا العرق وبين الأعراق المهزومة التي يضطر العرق الأعلى لحكمها، يحدث تدهور في سمات الآريين لمصلحة الشعوب الأسفل". والمثال الذي يقدمه غوبينو لنا هنا يتعلق بالفن حيث يلاحظ كيف أن "الفنون الآرية تنحدر عبر الاختلاط بالفنون الزنجية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كائنات هجينة
ومن هنا يرى غوبينو أن "عالم اليوم مسكون بكائنات هجينة. ولكن... إذا كان العرق الآري الصافي قد اختفى من على وجه البسيطة، فإن في إمكاننا أن نعثر على أفراد آريين مميزين، حفظتهم العناية الإلهية لكي يكونوا شهوداً على وجود عصر ذهبي سابق". وهؤلاء يسميهم غوبينو "أبناء الملك" ويفرد لهم روايته "الثريات" التي تشكل في الحقيقة الجزء الثالث من رباعيته.
والحال أن هذا الكتاب، لم يكن وحده ما جعل غوبينو يعد عنصرياً مناصراً للآريين دون سواهم، إذ إن تصرفاته نفسها كانت دائماً تصرفات أرستقراطي فرداني، يعيش حياته في انتظار معجزة رجوع العصر الذهبي. لكن هذا لم يمنعه من مصادقة المفكر والسياسي الفرنسي الليبرالي، دي توكفيل مؤلف "الديمقراطية في أميركا" بين أعمال أخرى تخلو من عنصرية غوبينو. وقد أفاد دي توكفيل غوبينو كثيراً، إذ إنه حين صار وزيراً عيّنه في سفارة فرنسا لدى ألمانيا، مما أتاح لغوبينو أن يعيش حلمه الجرماني من كثب وأن يعمقه.
وغوبينو على رغم أنه ولد في الجنوب الفرنسي لأسرة غامضة كان هو يقول إنها تنتمي إلى نبلاء تعود جذورهم إلى قراصنة الفايكينغ، كان يعد نفسه ابناً لمنطقة الراين، ومناصراً دائماً لألمانيا. وهكذا، مثلاً، حين استعرت الحرب الأهلية بين الفرساليين وفرنسيي كومونة باريس في عام 1870 وقف غوبينو ضد الطرفين، حتى الوقت الذي جاء فيه الألمان ليناصروا الفرساليين فبدأ يهاود هؤلاء.
وغوبينو عاش بين 1816 و1882. وعرف بكتاباته العنصرية كما أشرنا، لكنه عرف أيضاً كنحات ورسام وروائي ومستشرق ورحالة ودبلوماسي، وكان مثار الإعجاب بذكائه الشديد وثقته بنفسه ومعرفته بكل قديم يعده عريقاً وتأليهه له.
ولقد عرف في مرحلة متأخرة من حياته، ريتشارد فاغنر وأعجب بما لمس لديه من "ارتباط بجذور الفن الجرماني الخلاق". ولقد كان الإعجاب متبادلاً إلى درجة أن فاغنر قرأ كل أعمال غوبينو، مثل كثر من الألمان، وجعله ضيفاً دائماً على مهرجانات بايروت، وكوزيما، أرملة فاغنر، التي ارتبطت بإرهاصات النازية بصورة أو بأخرى، شكلت بعد موت غوبينو جمعية لتخليد ذكراه.