ملخص
... والخلاف الحقيقي يدور حول من يضع الضوابط؟ ومن يشارك في صياغتها؟ ولمصلحة من تسن
في الـ13 من سبتمبر (أيلول) 2026، نشر داريو أموديي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، مقالة من 3800 كلمة يدعو فيها إلى التباطؤ المدروس في تطوير أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي. بعدها بيومين فقط، أكد كريس ليهان، كبير مسؤولي الشؤون العالمية في "أوبن إيه آي"، أن الشركات الثلاث الكبرى (أنثروبيك وأوبن إيه آي وغوغل ديب مايند) تتشاور منذ تموز (يوليو) على إنشاء هيئة للإشراف على الذكاء الاصطناعي، مستندة إلى مقترح طرحه ديميس هاسابيس، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لـ "غوغل ديب مايند"، في مقالة نشرها على منصة "إكس" في وقت سابق من الشهر ذاته.
وفي اليوم ذاته تقريباً، نشر أيدن غوميز، الرئيس التنفيذي لشركة "كوهير" الكندية، رداً مختلفاً تماماً قال فيه إن الهيئة المقترحة ليست أداة للسلامة، بل "كارتل بمسمى آخر".
ثلاثة نصوص في أسبوع واحد تلخص معضلة حوكمة الذكاء الاصطناعي: مدى إمكان الثقة بهيئة يتولى فيها واضعو القواعد مهمة الامتثال لها، وهل تسعى الشركات من خلالها إلى التهرب من الحوكمة الرسمية والإشراف التشريعي؟
هيئة على غرار FINRA
اتفقت الشركات الثلاث المطورة لـ "تشات جي بي تي" و"كلود" و"جيميناي"، بناء على مقترح هاسابيس، على دراسة إنشاء هيئة أميركية شبه حكومية للإشراف على أخطار الذكاء الاصطناعي واختبار أقوى النماذج قبل إطلاقها، تستند إلى نموذج هيئة تنظيم الصناعة المالية الأميركية (FINRA) التي تشرف على الوسطاء الماليين وشركات الاستثمار. ويتصور هاسابيس أن تمول هذه الهيئة أساساً من الصناعة ذاتها لاستقطاب أفضل المواهب التقنية وتوفير الموارد الحاسوبية اللازمة للاختبارات واسعة النطاق، مع مشاركة ممثلين عن الشركات الكبرى وخبراء مستقلين وممثلين عن مجتمع المصادر المفتوحة.
تستدعي قراءة مقترح الهيئة الجديدة إلماماً بخريطة السباق المحموم، إذ تتحكم خمس شركات أميركية كبرى في مفاصل المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي عبر أدوات متاحة للاستخدام العام تتنافس على أسبقية التفكير والتحليل.
عمالقة خمسة وسباق لا يهدأ
أطلقت "أوبن إيه آي" في يوليو 2026 عائلة نماذجها الجديدة "جي بي تي" بثلاثة مستويات، نموذج رائد للبرمجة والمهمات (سول Sol) المعقدة ونموذج للاستخدام اليومي المتوازن (تيراTerra) وثالث محسن للسرعة وخفة الكلفة (لونا Luna)، مع إضافة وضعين تشغيليين جديدين أحدهما يمنح النموذج وقتاً أطول للتفكير والمراجعة (ماكس max)، والآخر ينسق وكلاء عدة بالتوازي (ألترا ultra). وقد تأخر الإطلاق بناء على طلب الحكومة الأميركية، بسبب مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني.
وتبني "أنثروبيك" منظومتها على ثلاثة مستويات متدرجة: نموذج خفيف للسرعة (Haiku)، وآخر للمهمات المتوسطة (Sonnet)، وثالث لأقصى قدرات التفكير والتحليل العميق (Opus)، إلى جانب سلسلة (Mythos/Fable) النماذج المصممة للاستخدام الآمن على نطاق واسع. وكان آخر إصداراتها في تموز (يوليو) 2026 (Claude Opus 5) النموذج الأكثر تقدماً في المنظومة، إذ حقق تفوقاً بنسبة 22 في المئة على سابقه في مهمات البرمجة الوكيلة، مما يجعله الخيار المفضل لتطبيقات المؤسسات التي تتطلب اتساقاً عالياً في النتائج.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما "غوغل ديب مايند" فأطلقت في مايو (أيار) 2026 سلسلة نماذجها الجديدة (Gemini 3.5) بمستويات متعددة: نموذج سريع يجمع بين ذكاء الوكلاء والبرمجة (Flash)، ونموذج متخصص في توليد الفيديو والوسائط المتعددة (Omni)، ووكيل شخصي (Spark) يعمل على مدار الساعة داخل بيئة الإنتاجية السحابية، مدعومة بمنصة متكاملة لتطوير الوكلاء وأدوات متخصصة في الأمن السيبراني.
ودخلت "مايكروسوفت" السباق بعائلة (MAI) المكونة من سبعة نماذج أطلقتها في حزيران (يونيو) 2026، أبرزها نموذج للتفكير الرياضي المتقدم حقق نتائج قياسية في اختبارات معيارية محكمة (MAI-Thinking-1)، ونموذج للنسخ متعدد اللغات تفوق على المنافسين في 43 لغة بسرعة تبلغ خمسة أضعاف الأداء المعتاد، ونموذج للترميز مدمج مباشرة في بيئات تطوير البرمجيات الأكثر انتشاراً.
وراهنت "ميتا" على نماذج مفتوحة المصدر (Llama 4) بنسختين متمايزتين، الأولى بنافذة سياق تبلغ 10 ملايين رمز وهي الأعلى في الصناعة، والثانية ببنية هجينة تنشط جزءاً من معاملاتها فقط عند الحاجة، مما يجعلها الخيار الأمثل للمؤسسات التي تمتلك بنية تحتية حاسوبية ضخمة. فيما يبرز "إكس إيه آي" لاعباً صاعداً بنماذجه الصادرة في أغسطس (أب) 2026، المصممة للوكلاء طويلي الأمد والعمل التفاعلي المرئي، مع أدوات إنتاجية تشمل التكامل مع تطبيقات جداول البيانات والبريد الإلكتروني والتطوير البرمجي.
غير أن الأمر الأكثر إثارة للجدل اليوم ليس نموذجاً برمجياً جديداً، بل مقترح إقامة كيان شبه حكومي ممول من الشركات ذاتها لتقييم النماذج المتقدمة، مع احتفاظه بصلاحية فرض إبطاء موقت للتطوير إذا اقتضت دواعي السلامة.
والخلاف الحقيقي يدور حول من يضع الضوابط؟ ومن يشارك في صياغتها؟ ولمصلحة من تسن؟
من يراقب من؟
المشكلة الجوهرية في أية هيئة ذاتية التنظيم هي أساسها البنيوي، فالشركات الممولة للهيئة هي نفسها التي تخضع لتقييمها. يصف بعض المتابعين هذا النموذج بأنه يوكل للثعالب المسؤولية عن حظيرة الدجاج، إذ إن الشركات المدفوعة باعتبارات الربحية لا تستطيع أن تنظم نفسها من دون رقيب خارجي. فالتمويل الصناعي الذي يهدف، بحسب هاسابيس، لاستقطاب أفضل المواهب التقنية وتوفير الموارد الحاسوبية للاختبارات واسعة النطاق هو نفسه الذي يخلق تبعية هيكلية، فمن يدفع المال يؤثر في القرار.
في السياق ذاته، تكشف وثائق (Frontier Model Forum) عن تصنيف ثلاثي لشافية المعلومات، هناك ما ينشر للعامة، وآخر يشارك في شبكات خبراء موثوقة، وجزء ثالث يبقى خاصاً تماماً. هذا التصنيف يمنح الشركات سلطة تحديد ما يستحق أن يعرفه الجمهور، وهي سلطة بالغة الخطورة حين يتعلق الأمر بسلامة البشر.
لمن الحماية؟
الشركات الثلاث متنافسة بصورة شرسة في السوق، لكنها تتفق على شيء واحد هو من يضع القواعد. نشر أيدن غوميز في الـ13 من سبتمبر 2026 مقالة وصف فيها المقترح بأنه "كارتل بمسمى آخر"، مستنداً إلى أن الشركات تطلب فعلياً إعفاء من قوانين مكافحة الاحتكار يتيح لها التنسيق المشترك على معايير السلامة، مما يترك يضطر المطورين الآخرين للامتثال لقواعد لم يشاركوا في صياغتها. والسؤال الذي يطرحه غوميز بوضوح، هل وضعت هذه المعايير لحماية البشر أم لحماية الحصص السوقية؟
من جهة أخرى، أوصى الإطار الوطني الأميركي للسياسة في مجال الذكاء الاصطناعي، الصادر في الـ20 من مارس 2026، الكونغرس صراحة بعدم إنشاء أية هيئة تنظيمية فيدرالية جديدة، والاكتفاء بالأجهزة الرقابية القائمة ومعايير تقودها الصناعة. هذا التوجه يفرز فراغاً تنظيمياً حقيقياً، إذ لا هيئة رسمية ولا تشريع ملزم، فقط معايير طوعية تكتبها الشركات.
وحين طلبت إدارة ترمب من "أوبن إيه آي" تأجيل إطلاق (GPT-5.6)، وفرضت ضوابط تصدير على نماذج "أنثروبيك"، كشفت هذه التدخلات أن تنظيماً ما موجود، لكنه ارتجالي وغير منهجي. والهيئة المقترحة قد تكون محاولة لاستباق تشريع أكثر صرامة، عبر تقديم بديل يبدو جدياً بما يكفي لإقناع المشرعين بأن التنظيم الذاتي كاف.
الإشراف شرط لا خيار
يجمع المحللون، ومنهم تحليل Lawfare لتصميم الهيئات الذاتية التنظيمية في قطاعات التكنولوجيا، أن التنظيم الذاتي الخالص لا ينجح بالعموم، لكنه قد ينجح حين يخضع لإشراف حكومي مصمم بعناية. والنموذج الذي يستشهد به هاسابيس أي (FINRA) ليس في الحقيقة مجرد هيئة تمولها الصناعة، فهي مرخصة قانونياً بموجب قانون الأوراق المالية، وتخضع لإشراف هيئة الأوراق المالية والبورصات التي تمتلك صلاحية إبطال قراراتها أو تعديلها، فضلاً عن امتلاكها سلطة إنفاذ إلزامية تشمل الغرامات وتعليق العضوية.
في المقابل، يبدأ مقترح هاسابيس "طوعياً" مع إمكان تحويله لاحقاً إلى إلزامي. هذه الصياغة المفتوحة تمنح الشركات حق النقض الفعلي على أي تحول نحو الإلزامية، إذ يمكنها الانسحاب أو تجميد الهيئة من الداخل إذا رأت أن القواعد تضر بمصالحها.
وقد خلصت دراسة لمعهد أكسفورد مارتن، تقارن مبادرات السلامة الطوعية في قطاعَي الطيران والطاقة النووية، إلى أن هذه المبادرات لم تنجح إلا حين توافرت ثلاثة عناصر مجتمعة هي جهة خارجية ذات سلطة إلزامية وشفافية حقيقية في الإفصاح عن الحوادث ومساءلة شخصية للمهندسين والخبراء.
ولا يبدو أن أياً من هذه العناصر الثلاثة متضمناً في الهيئة المقترحة، بصيغتها الراهنة.
وعلى رغم أن مقترح هيئة إدارة أخطار الذكاء الاصطناعي يحمل اعترافاً ضمنياً بأهمية لا يمكن تجاهلها، وهي أن الأخطار حقيقية والتنسيق ضروري، وأن وتيرة التطوير قد تفوق قدرة المجتمعات على الاستيعاب، لكنه يحمل في الوقت ذاته خطر تحويل الإشراف من حق عام إلى امتياز تحتكره الشركات، وتقنين الفراغ التشريعي بدلاً من ملئه.
ليتحول النقاش الأهم من مدى قدرة الشركات على تنظيم نفسها، إلى من يملك سلطة إجبارها على ذلك. فالهيئة المقترحة بصيغتها الحالية أقرب إلى أداة استباقية، للحفاظ على الهيمنة السوقية تحت غطاء السلامة، منها إلى آلية مساءلة حقيقية.
فاليوم لم يعد التحدي تقنياً بل سياسياً، يتمحور حول كيفية بناء مؤسسة يكون فيها للمشرعين والجمهور سلطة فعلية على من يطورون تقنيات قد تعيد رسم حدود ما يعنيه أن تكون إنساناً.