ملخص
المقارنة بين المفكرة الأميركية من أصول ألمانية حنة أرندت والكاتب الإنجليزي جورج أورويل تستحق أن تبنى على فكرة أساسية: كلاهما لا ينظر إلى التوتاليتارية باعتبارها مجرد نظام سياسي استبدادي، بل باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل الإنسان والواقع واللغة والتاريخ معاً. وفي هذا المعنى تصبح رواية "1984" أقرب إلى المختبر الروائي لبعض الأفكار التي صاغتها أرندت في "أصول التوتاليتارية".
في عام 1948 أصدر الكاتب الإنجليزي جورج أورويل روايته التي سرعان ما ستحقق نجاحات كبرى على الصعيد العالمي، ومخاوف أكبر على الصعيد الإنساني، والمعنونة "1984"، على اعتبار أنه التاريخ الذي سينفجر فيه عالم الحرية ويخضع كل شيء لشمولية سياسية، هي نفس الشمولية تقريباً التي ستعالجها بعد ذلك بعامين أو ثلاثة، المفكرة الأميركية من أصل ألماني، حنة أرندنت، في تلك الدراسة التي ستفرض نفسها على كل ما يليها من دراسات حول أنظمة الحكم الشمولي، التي يتحدث عنها عنوان الكتاب كما تتناولها رواية أورويل.
والحال أن كثراً تساءلوا في مقارنتهم بين العملين عما إذا كان ثمة من رابط فكري، مباشر أو غير مباشر بين الكتابين، حتى وإن كانوا يعرفون أن الرواية صدرت قبل الدراسة بسنوات، مما يعني أن الروائي الذي يفترض المنطق أنه صاغ روايته على ضوء قراءته لكتاب أرندت، قد اطلع على نص هذه الأخيرة قد صاغ نصه دون أن يكون على علم بالدراسة، وكذلك قد يفترض أن الكاتبة وضعت دراستها على ضوء إعجاب ملايين القراء برواية أورويل.
غير أن كلتا الفرضيتين تبدو لنا مستحيلة ما يحيلنا إلى روح الزمن التي أملت ذلك الترابط، والتماثل بل التطابق أحياناً، الذي يمكن إيجاده بين العملين، على اختلافهما.
لقاء الصدفة!
وذلك لأن هناك بالتأكيد رابطاً فكرياً عميقاً جداً بين كتاب حنة أرندت "أصول التوتاليتارية" ورواية جورج أورويل "1984"، بمعنى أن روح الزمن هي التي أسهمت في خلق تشخيصهما "المشترك" للآلية التي يتحول بها المجتمع الحديث إلى مجتمع خاضع للسيطرة الشاملة.
ولا شك على أية حال أن أفضل مدخل للمقارنة هنا، هو أن نقول إن أورويل حول ما حللته أرندت فلسفياً وتاريخياً إلى تجربة روائية يعيشها القارئ من الداخل: أرندت تسأل كيف يصبح التوتاليتاري ممكناً، وأورويل يريـنا كيف يبدو العالم عندما يصبح ممكناً بالفعل.
ولنبادر إلى القول هنا إن المقارنة بين أرندت وأورويل تستحق أن تبنى على فكرة أساسية: كلاهما لا ينظر إلى التوتاليتارية باعتبارها مجرد نظام سياسي استبدادي، بل باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل الإنسان والواقع واللغة والتاريخ معاً. وفي هذا المعنى تصبح رواية "1984" أقرب إلى المختبر الروائي لبعض الأفكار التي صاغتها أرندت في "أصول التوتاليتارية".
السلطة مالكة للحقيقة
باختصار إذاً، يصعب التفكير في "1984"، من دون أن يستدعي ذلك، ولو بصورة غير مباشرة، عالم حنة أرندت في "أصول التوتاليتارية". فالرواية، التي صدرت عام 1949، وكتاب أرندت الذي ظهر بالإنجليزية عام 1951، ينتميان إلى المناخ الفكري والسياسي نفسه الذي صنعته تجربة النازية والستالينية والحرب العالمية الثانية، لكن الصلة بينهما ليست صلة تأثير مباشر بقدر ما هي صلة تشخيص متقاطع: أرندت تحاول أن تفهم كيف نشأ النظام التوتاليتاري وما الذي يجعله مختلفاً عن الاستبداد التقليدي، فيما يحول أورويل هذه الآلية إلى عالم روائي كامل، يختبر فيه القارئ نتائجها على الإنسان.
ولعل نقطة الالتقاء الأولى بينهما هي أن التوتاليتارية لا تكتفي، في نظر الإثنين، بالسيطرة على أفعال البشر، إنها تريد السيطرة على عالمهم الداخلي وعلى تعريفهم للواقع نفسه.
في الأنظمة الاستبدادية التقليدية تستطيع السلطة أن تمنع الإنسان من الكلام أو أن تعاقبه إذا قال ما لا تريد سماعه. أما في النظام التوتاليتاري فالمشكلة أعمق: النظام يريد أن يجعل الإنسان عاجزاً عن امتلاك معيار مستقل يميز به الحقيقة من الكذب. وهذا تحديداً ما نراه في "1984". فوزارة الحقيقة لا تكتفي بإنتاج الدعاية، بل تعيد كتابة الصحف والوثائق والماضي نفسه، بحيث يصبح الماضي قابلاً للتعديل كلما تغير موقف الحزب.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر أفكار أورويل إثارة للرعب: إذا استطاعت السلطة أن تتحكم في الماضي، استطاعت أن تتحكم في الحاضر، وإذا تحكمت في الحاضر، أصبحت قادرة على تحديد ما ينبغي أن يكون عليه المستقبل.
التاريخ ودوره الحاسم
وهذا قريب جداً من تحليل أرندت للسياسة التوتاليتارية، حيث لا تعود الأيديولوجيا مجرد مجموعة من الأفكار السياسية، وإنما تصبح أداة تفسر التاريخ كله تفسيراً مغلقاً.
التاريخ، في النظام التوتاليتاري، لا يعود مجالاً للبحث والاختلاف، بل يصبح مساراً حتمياً لا يستطيع الفرد أن يعترض عليه. وهكذا يتحول الماضي من ذاكرة مشتركة إلى مادة قابلة لإعادة التصنيع. ووينستون سميث، بطل "1984"، يعمل تحديداً في هذه المنطقة. وظيفته في "وزارة الحقيقة" هي تعديل الوثائق القديمة بحيث تنسجم مع الرواية الجديدة للحزب. إنه، بمعنى ما، موظف في مصنع لإنتاج الماضي، لكنه يبدأ في اكتشاف التناقض بين ما عاشه وما يطلب منه أن يصدق أنه عاشه. ومن هنا يبدأ تمرده.
وهذا يقودنا إلى فكرة أخرى مشتركة: تدمير الحقيقة الموضوعية يؤدي في النهاية إلى تدمير قدرة الإنسان على التفكير. في "1984" نجد العبارة الشهيرة التي تختصر منطق النظام: "الحرب هي السلام، والحرية هي العبودية، والجهل هو القوة". ليست أهمية هذه العبارات في كونها أكاذيب واضحة فحسب، بل في أن النظام يريد أن يجعل الإنسان يقبل إمكان اجتماع المتناقضات. ولذلك فإن "التفكير المزدوج" يصبح إحدى أهم أدوات السيطرة.
أما أرندت فتولي أهمية كبيرة للعلاقة بين الحقيقة والقدرة على الحكم. الإنسان السياسي لا يعيش فقط في عالم الوقائع، وإنما يحتاج إلى القدرة على التمييز بينها، ومناقشتها، وإصدار حكم مستقل عليها. حين يصبح كل شيء قابلاً للتغيير بحسب إرادة السلطة، يفقد الإنسان الأرض التي يقف عليها لكي يقول: "هذا حدث بالفعل، وهذا لم يحدث". وهنا يبدو وينستون سميث أكثر من مجرد مواطن متمرد. إنه إنسان يحاول استعادة حقه في امتلاك الواقع. ولذلك تصبح الذاكرة في الرواية شكلاً من أشكال المقاومة. حين يحاول وينستون أن يتذكر طفولته، أو أن يستعيد صورة أمه، أو أن يتساءل عما إذا كان بعض ما يتذكره قد حدث فعلاً، فهو لا يبحث عن ماض شخصي فحسب، إنه يحاول العثور على حقيقة لا تستطيع السلطة تعديلها. غير أن النظام يدرك خطورة ذلك، فيلاحقه حتى داخل ذاكرته.
وهنا تظهر أهمية مفهوم العزلة عند أرندت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تفكيك الروابط
تفرق أرندت بين العزلة السياسية والوحدة التي تتحول إلى حال وجودية. التوتاليتارية، في تحليلها، لا تريد فقط منع الناس من الاجتماع ضدها، إنها تسعى إلى تفكيك الروابط التي تجعلهم قادرين على الثقة ببعضهم بعضاً. فالإنسان الذي لا يثق بأحد يصبح أكثر قابلية للخضوع. وهذا بالضبط ما يصوره أورويل. في عالم "1984" لا يمكن لوينستون أن يثق حتى بجاره، ولا بزميله، ولا بالطفل الذي ينتمي إلى عائلته. الخوف يتسرب إلى العلاقات الخاصة، بحيث تصبح الأسرة نفسها أداة للمراقبة. الأطفال يتعلمون التجسس على آبائهم، والحب يصبح خطراً سياسياً. ومن هنا تأتي أهمية علاقة وينستون بجوليا. علاقتهما ليست مجرد قصة حب داخل رواية سياسية، إنها محاولة لاستعادة المجال الخاص الذي صادره الحزب.
فالتوتاليتارية، كما يصورها، لا تكتفي بمنع المقاومة الخارجية، إنها تريد أن تصل إلى النقطة التي يحب فيها الإنسان ما تريده السلطة منه. وهنا يصبح التعذيب في "الغرفة 101" ذروة منطق الرواية. الهدف ليس انتزاع اعتراف من وينستون، لأن الاعتراف وحده لا يكفي. الهدف هو إعادة تشكيل ذاته بحيث يخون جوليا من الداخل، ويتخلى عن آخر منطقة مستقلة في شخصيته. وهذا يتقاطع مع مفهوم أرندت عن التوتاليتارية بوصفها محاولة للقضاء على التلقائية الإنسانية. فالإنسان، في تصورها، قادر دائماً على أن يبدأ شيئاً جديداً، وأن يفعل ما لم يكن متوقعاً منه. وهذه القدرة على البدء هي أحد منابع الحرية. أما النظام التوتاليتاري فيريد إنساناً يمكن التنبؤ به بالكامل، إنساناً لا يفاجئ السلطة بأي فعل مستقل. لهذا تبدو "1984" أكثر رعباً من رواية عن ديكتاتورية عادية. فالأخ الأكبر لا يريد فقط أن يقول لوينستون: "لا تفعل". إنه يريد أن يقول له: "لا تفكر، ولا تتذكر، ولا تحب، ولا تثق بحواسك، ولا تمتلك حتى تعريفك الخاص لما حدث". وهنا تأتي اللغة.
لقد فهم أورويل أن السيطرة على اللغة يمكن أن تكون أكثر فاعلية من الرقابة على الكتب. فابتكار "لغة الجديد" لا يهدف إلى جعل الكلام أكثر بساطة فحسب، وإنما إلى تقليص مساحة التفكير نفسها. إذا اختفت الكلمات التي نستطيع بواسطتها التعبير عن الحرية، والعدالة، والتمرد، والاستقلال، يصبح التفكير بهذه المعاني أكثر صعوبة. واللغة، في هذا السياق، ليست مجرد وسيلة للتواصل، إنها أداة لبناء العالم. وهذا يتقاطع مع أرندت في اهتمامها باللغة السياسية وبالطريقة التي تستطيع بها الأيديولوجيا أن تحل محل التجربة الفعلية. فالتوتاليتارية لا تقول للإنسان فقط ماذا يفعل، إنها تمنحه قاموساً جاهزاً يفسر له كل شيء.
فارق كبير
لكن هناك فارقاً مهماً بين أرندت وأورويل. تكتب أرندت بوصفها مفكرة سياسية وتاريخية. إنها تبحث عن أصول الظاهرة: الإمبريالية، معاداة السامية، انهيار الدولة القومية، ظهور الجماهير، ثم تشكل الحركات التوتاليتارية. وهي تريد أن تفهم كيف أمكن أن يحدث ذلك تاريخياً. أما أورويل فيختار المستقبل القريب ويضع القارئ داخل التجربة.
لذلك فإن "1984" ليست دراسة في نشأة التوتاليتارية بقدر ما هي رؤية أدبية لعالم انتصرت فيه آلياتها. ومن هنا يمكن القول إن أرندت تشرح لنا البنية، بينما أورويل يجعلنا نحس بآثارها. ومع ذلك، فإن الاثنين يلتقيان في نقطة شديدة الأهمية: التوتاليتارية لا تقوم فقط على قوة الدولة، بل على تحطيم العالم المشترك الذي يستطيع البشر أن يعيشوا فيه معاً. حين لا يعود هناك واقع متفق عليه، وحين تصبح كل معلومة قابلة للتكذيب وكل حقيقة قابلة لإعادة الصياغة، يصبح الفرد وحيداً أمام سلطة لا يستطيع حتى أن يحتكم إلى شيء خارجها.