ملخص
يدفع التراجع الحاد في استهلاك المجوهرات الذهبية في الصين، الذي بلغ 34%، مصنعي وتجار الذهب إلى البحث عن فرص في أسواق الشرق الأوسط والهند.
يتجه تجار المجوهرات الذهبية في الصين بصورة متزايدة إلى البحث عن فرص في أسواق الشرق الأوسط والهند، مستفيدين من تقنيات التصنيع المتقدمة التي طورتها الصناعة الصينية، في وقت تواجه فيه سوق الذهب المحلية ضغوطاً نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار المعدن النفيس وتقلباتها.
وقال الرئيس التنفيذي لمجلس الذهب العالمي في الصين وانغ ليشين، في مقابلة حديثة مع صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست"، إن المشترين من الشرق الأوسط والهند شكلوا غالبية زوار أحدث معرض "المجوهرات والأحجار الكريمة" العالمي في هونغ كونغ.
وتأتي هذه التحركات في وقت يشهد فيه الطلب الصيني على المجوهرات الذهبية تراجعاً حاداً، وأظهرت بيانات الجمعية الصينية للذهب أن استهلاك المجوهرات الذهبية في الصين بلغ 132.13 طن خلال النصف الأول من عام 2026، بانخفاض 33.88 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وفي المقابل، ارتفع إجمال استهلاك الذهب في الصين خلال الفترة نفسها بنسبة 1.23 في المئة إلى 511.41 طن.
ويعكس هذا التباين تحولاً في طبيعة الطلب، إذ يتجه المستهلكون بعيداً من المجوهرات إلى أشكال أخرى من امتلاك الذهب، خصوصاً السبائك والعملات الذهبية.
ارتفاع الأسعار يغير سلوك المشترين
يرتبط جزء كبير من تراجع الطلب على المجوهرات بارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية، مما جعل شراء القطع ذات الوزن الكبير أكثر كلفة بالنسبة إلى المستهلكين.
وأظهر تقرير مجلس الذهب العالمي عن الربع الأول من 2026 أن الطلب على المجوهرات الذهبية في البر الرئيس الصيني انخفض بنسبة 32 في المئة على أساس سنوي إلى 85.2 طن، بينما ارتفعت قيمة الإنفاق عليها بنسبة 16 في المئة إلى نحو 13 مليار دولار.
ويشير ذلك إلى أن المستهلكين لم يتخلوا بالضرورة عن الذهب، إنما أصبحوا يشترون كميات أقل من المعدن في كل قطعة.
وقال مجلس الذهب العالمي إن ارتفاع الأسعار دفع المستهلكين الصينيين إلى الاتجاه نحو قطع أصغر وأخف وزناً، كما تحولت بعض مشتريات المجوهرات ذات الدافع الاستثماري إلى منتجات استثمارية منخفضة التكلفة مثل السبائك والعملات.
وفي النصف الأول من 2026، ارتفع استهلاك الصين من السبائك والعملات الذهبية بنسبة 28.42 في المئة إلى 339.34 طن، وفق بيانات الجمعية الصينية للذهب، وهو ما يوضح الفارق بين تراجع الطلب على المجوهرات وارتفاع الطلب الاستثماري على المعدن.
الشرق الأوسط والهند يجذبان المصنعين الصينيين
في ظل هذه الضغوط، ينظر منتجو المجوهرات الصينيون إلى الخارج بحثاً عن مستهلكين جدد. وكان حضور المشترين من الشرق الأوسط والهند لافتاً في معرض "المجوهرات والأحجار الكريمة" العالمي في هونغ كونغ، وفق وانغ ليشين.
ويأتي اهتمام هؤلاء المشترين في وقت يتزايد فيه الطلب على تصاميم جديدة للمجوهرات، بينما تجعل تقلبات أسعار الذهب المستهلكين أكثر حساسية لوزن القطعة وكمية الذهب المستخدمة فيها.
وقال وانغ إن المنتجين الصينيين حققوا تقدماً في مجال يعرف باسم "الذهب النقي الصلب"، وهو فئة جديدة من المجوهرات تعتمد على تقنيات تصنيع تجعل القطعة أكثر نحافة وصلابة من دون إضافة وزن إضافي من الذهب.
وتمنح هذه التقنية المصنعين فرصة لتطوير قطع تبدو كبيرة أو معقدة من حيث التصميم، مع استخدام كمية أقل من المعدن النفيس، وهو ما قد يساعد في الحد من أثر ارتفاع سعر الذهب على سعر المنتج النهائي.
ويكتسب هذا النوع من المجوهرات أهمية خاصة في بيئة ترتفع فيها أسعار الذهب، لأن تقليل كمية المعدن المستخدمة في القطعة يمكن أن يجعلها أكثر قدرة على الوصول إلى المستهلكين، مقارنة بالقطع التقليدية ذات الوزن الأكبر.
ويرى وانغ أن هذه التقنية يمكن أن تكون مناسبة بصورة خاصة لأسواق الشرق الأوسط والهند، إذ يفضل المستهلكون المجوهرات المرصعة أو المدمجة بمواد وأحجار مختلفة.
وقال إن المستهلكين في المنطقتين يفضلون المجوهرات المرصعة، ولذلك يمكن للمصنعين الصينيين الاستفادة من خبراتهم التقنية للعثور على مشترين محليين.
ويمثل ذلك تحولاً مهماً بالنسبة إلى الشركات الصينية التي اعتادت التركيز بدرجة كبيرة على السوق المحلية، لكنها تواجه الآن سوقاً أكثر صعوبة بسبب ارتفاع الأسعار وتغير سلوك المستهلكين.
الطلب يتحول من المجوهرات إلى الاستثمار
ولا يقتصر التحول في الصين على البحث عن أسواق خارجية، بل يشمل أيضاً تغيراً في طبيعة الطلب داخل البلاد، ففي الوقت الذي انخفض فيه الطلب على المجوهرات، سجلت الاستثمارات في السبائك والعملات مستويات قوية.
وقال مجلس الذهب العالمي إن الطلب الصيني على السبائك والعملات بلغ 206.9 طن خلال الربع الأول من 2026، بزيادة 67 في المئة على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى فصلي مسجل في البيانات المتاحة للمجلس.
وأشار المجلس إلى أن ارتفاع أسعار الذهب مقارنة بالأصول المحلية الأخرى، إلى جانب الأخطار التجارية والتوترات الجيوسياسية العالمية، دعم الطلب الاستثماري على الذهب في الصين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي الوقت نفسه، دفعت الأسعار المرتفعة المستهلكين إلى تفضيل قطع مجوهرات أخف وزناً، وهي فئة استفادت منها منتجات "الذهب النقي الصلب"، خصوصاً بين المستهلكين الأصغر سناً الذين يبدون اهتماماً أكبر بالتصميم والابتكار.
المنافسة على أسواق الذهب العالمية
ويأتي توجه المصنعين الصينيين إلى الشرق الأوسط والهند، في وقت تشهد فيه سوق المجوهرات الذهبية العالمية ضغوطاً مماثلة نتيجة ارتفاع الأسعار.
وأظهر تقرير مجلس الذهب العالمي أن الطلب العالمي على المجوهرات الذهبية بلغ 299.7 طن في الربع الأول من 2026، بانخفاض 23 في المئة على أساس سنوي، وهو أدنى مستوى منذ الربع الثاني من عام 2020.
لكن قيمة هذا الطلب ارتفعت في الوقت نفسه بنسبة 31 في المئة إلى 47 مليار دولار، وهو ما يعكس تأثير ارتفاع أسعار الذهب: كميات أقل من الذهب يجري شراؤها، لكن بقيمة مالية أعلى.
ويعني ذلك أن المصنعين وتجار المجوهرات يواجهون معادلة جديدة في السوق العالمية، تتمثل في محاولة الحفاظ على الطلب من خلال تقديم قطع تستخدم كميات أقل من الذهب، من دون التخلي عن التصميم أو القيمة الجمالية.
وبالنسبة إلى الشركات الصينية، قد توفر الأسواق الخارجية، ولا سيما الشرق الأوسط والهند، فرصة لتعويض جانب من ضعف الطلب المحلي، بينما تمنح تقنيات التصنيع الجديدة مثل "الذهب النقي الصلب" المنتجين وسيلة للتكيف مع عصر ترتفع فيه كلفة المعدن النفيس وتتغير فيه تفضيلات المستهلكين بسرعة.