ملخص
يشعر من يستخدمون "السوشيال ميديا" بكثافة أنهم على دراية واسعة بشتى القضايا بسبب التعرض المستمر لقضايا ومواضيع بعينها، وهذا يوهم الدماغ بالذكاء والحنكة والخبرة دون بذل جهد كبير من أجل التعليم العميق. هذا الشعور يمنح كثراً جرأة التعليق والشرح والتفسير والحل لمواضيع شبيهة يطرحها آخرون على الأثير.
في الموروث الشعبي والأقوال الساخرة يقال "أبو العريف" لمن يدّعي المعرفة في كل المجالات وكل التخصصات. وكذلك "يعرف البيضة ومن باضها"، و"يعرف دبة النملة"، وفي قول آخر "يعرف أين يبيت العصفور" وغيرها كثير من نعوت وعبارات للإشارة التي لا تخلو من سخرية لمن يدّعي المعرفة دون شرط امتلاكها.
تطوّرت الدنيا، وتطوّر الناس، وتطوّر مبدأ "كل شيء وأي شيء"، وعلى رغم التطور، بقيت منظومة "أبو العريف"، لكن بصورة مواكبة للعصر، ومتطورة مع تطور أدواته، ومعضدة بتنوع منصاته. على أثير "السوشيال ميديا"، يظهر على مدار الساعة "باعة جوالون" يعرضون ما لديهم من معارف، من الإبرة للصاروخ.
التفاوت الطبقي رهيب ويهدد بتوترات اجتماعية وقلاقل سياسية. يتدخل "متخصص" مؤكداً أن الحل سهل وسريع. خذ ما تيسر من جيوب الأغنياء، وضعه في جيوب الفقراء. معاناة نفسية رهيبة وفكرة الانتحار تراود أحدهم. يدلو "المتخصص" بدلوه حيث العلاج آني والنتيجة مضمونة. توضأ، وصلِّ ركعتين، وادع دعاء فك الكرب، ولن تراودك هذه الأفكار مجدداً. حرب إيران طالت دون نهاية تلوح في الأفق. يهرع "المتخصص" ليشير إلى أن الحرب ستنتهي يوم الـ15، والمضيق سيفتح أمام حركة المرور يوم الـ16، وإيران وأميركا ستوقعان اتفاق سلام يوم الـ17.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يعاني أحدهم احتراقاً وظيفياً ويفقد القدرة والرغبة على الذهاب للعمل. هنا يظهر "متخصص" التنمية البشرية الذي يأمره بتقديم استقالته فوراً، والتوجه إلى أقرب شاطئ، والجلوس أمام البحر شهراً، ثم البدء في البحث عن عمل في مجال آخر تماماً. يسأل آخر عن موعد بدء العام الدراسي، وذلك قبل أن تعلنه الوزارة أو يقرره مجلس الوزراء، أو ينشره الإعلام الحكومي. ينتفض "المتخصص" معلناً أن العام الدراسي سيبدأ يوم الـ22 وليس الـ23 حتى لو أعلنت الوزارة ذلك.
التهديد بالتصعيد النووي من قبل كوريا الشمالية، هل هو حقيقي أم مجرد تلويح بالقوة؟ هنا ينبري "متخصص نووي" ليسهب في تحليل ما وراء قوة كوريا الشمالية النووية، وحقيقة التهديد بناءً على معطيات الوقود النووي وأعداد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وقدرات الغواصات النووية، وحجم الإنفاق الكوري الشمالي على التحديث النووي.
ومنذ بدء الخليقة، لا المشكلات والحروب والصراعات والقضايا ومسببات الشد والجذب تنتهي، أو القادرين، أو من يعتقدون أنهم قادرون، على إيجاد حلول ووضع نهايات ورسم مسارات لكل شيء وأي شيء.
وهم المعرفة
في زمن ما قبل الـ"سوشيال ميديا"، كانت المشكلات تستغرق أياماً وأسابيع وأشهراً وربما سنوات قبل أن يخرج المتخصصون بحلول لها. وكان أصحاب النزعات الاجتهادية يلجأون إلى المكتبات، إن وجدت، والكتب والمراجع إن توافرت، وعقد جلسات، سواء رسمية أو أهلية، تجمع من يعتقد أنهم قادرون على الدلو بدلوهم، وهو ما كان يستغرق أياماً على أقل تقدير لحين يتمكن المشاركون من الحضور. في هذا الزمن البعيد، كانت الحلول التي يجري طرحها عادة للمشكلات والصراعات والتفسيرات التي يجري تقديمها للظواهر والأحداث تأتي من مصادر موثوقة إلى حد ما، حيث تجري الاستعانة بطبيب متخصص، أو متخصص في مجال بعينه، أو مدرب مؤهل، أو مجموعة استشارية.
أمّا في زمن "السوشيال ميديا"، وبصورة متصاعدة ومتفاقمة، فإن أعداد الخبراء والمحللين والمعللين تكاد تفوق أعداد أصحاب المشكلات من جهة، وربما أعداد المشكلات والقضايا من جهة أخرى. فلا تكاد تظهر تدوينة، أو تنشر تغريدة، أو يتم ضخ محتوى مكتوب أو مرئي أو مسموع على أي من منصات "السوشيال ميديا"، لا سيما لو كان يتعلق بمعضلة تبحث عن حل أو مخرج، حتى تتواتر الحلول "من الإبرة إلى الصاروخ".
دقائق، وأحياناً ثوانٍ معدودة ويجد المستخدم بدلاً من الحل 10، وبدلاً من التحليل 100، وبدلاً من التعليل 1000. منحت الـ"سوشيال ميديا" المشكلات والصراعات إمكانية الطرح العلني أمام أفراد ومجموعات من دون حد أقصى. منهم من يحمل خبرات وقدرات ومعارف، ومنهم من يتمتع بمواهب وملكات تمكنه من تقديم "المعارف" في كبسولات تتمتع بالجاذبية وبطريقة قادرة على جعل الهراء يبدو فطنة ورصانة ورزانة، وذلك جنباً إلى جنب مع الخبرات الحقيقية والمعارف الفعلية.
تراكم "المعلومات" الصغيرة الحجم القليلة التأثير عبر الـ"سكرول" المزمن يخلق شعوراً زائفاً بالخبرة. دراسات عدة أكدت أن قضاء وقت مبالغ فيه في تصفح الإنترنت و"السوشيال ميديا"، لا سيما ما يعرف بـ"التمرير العشوائي" أو متلازمة التمرير (السكرول) اللاإرادي تؤدي أحياناً إلى وهم المعرفة. تشير أستاذة الإعلام في جامعة يوهانس غوتنبرغ الألمانية سفنيا شايفر في ورقة عنوانها "وهم المعرفة من خلال أخبار فيسبوك" (2020) إلى أن الاستخدام الزائد للـ"سوشيال ميديا" مصدراً للأخبار يعطي المستخدم شعوراً بالمعرفة، حتى وإن لم يكتسب معرفة حقيقية. تكرار الخبر نفسه بصور عدة، ودور الخوارزميات في تكرار نوعية الأخبار أو المواضيع نفسها التي يتصفحها الشخص، يؤديان إلى الشعور الإيجابي بالمعرفة، وإن ظل التعلم الفعلي نادر الحدوث.
يشعر من يستخدمون "السوشيال ميديا" بكثافة أنهم على دراية واسعة بشتى القضايا بسبب التعرض المستمر لقضايا ومواضيع بعينها، وهذا يوهم الدماغ بالذكاء والحنكة والخبرة دون بذل جهد كبير من أجل التعليم العميق. هذا الشعور يمنح كثراً جرأة التعليق والشرح والتفسير والحل لمواضيع شبيهة يطرحها آخرون على الأثير.
جولات الأثير اليومية تكشف عن آلاف الواقعين في براثن الوهم المعرفي، جنباً إلى جنب مع أصحاب المعارف، وهو ما يجعل التفرقة بين الوهم والحقيقة أمراً بالغ الصعوبة للمقيمين على أثير "السوشيال ميديا".
بين المعرفة السطحية والفهم العميق
كثر يخلطون بين الألفة والاعتياد من جهة، وبين الإتقان من جهة أخرى. كثرة التعرض لقضية أو موضوع أو خبر ما لا تعني إلماماً معرفياً به، أو قدرة على فهمه، أو خبرة تتيح للشخص أن يكون متخصصاً فيه. الألفة والاعتياد ليسا معرفة وإتقاناً. وحتى الدماغ يقع ضحية لهذا الخلط، إذ يعجز أحياناً عن التفرقة بين المعرفة السطحية والفهم العميق.
لعنة المعرفة على أثير "السوشيال ميديا" لا تقف عند عدم القدرة على التفرقة بين سطحية المعرفة وعمقها، بل تمتد إلى ما هو أخطر من ذلك. يكتسب البعض شعوراً مبالغاً بالثقة بالنفس جراء تكرار مشاركة وإعادة نشر مواضيع أو تدوينات معمقة كتبها آخرون.
أشارت دراسة أجراها أكاديميون في جامعة تكساس هم أدريان وورد وفرانك زينغ وسوزان برونيارسيك عنوانها "أنا أشارك، إذن أنا أعرف. مشاركة المحتوى عبر الإنترنت، حتى دون قراءته، تضخم الشعور بالمعرفة الذاتية" (2022) إلى أن مشاركة المقالات مع الأصدقاء والمتابعين على "السوشيال ميديا" تدفع البعض إلى الاعتقاد بأنهم أكثر دراية بمحتوى المواضيع وماهيتها أكثر من الحقيقة. وجاء في الدراسة أن مستخدمي "السوشيال ميديا" يعتقدون أنهم يلمون بالمحتوى الذي يشاركونه، حتى لو لم يقرأوه، واكتفوا بالعنوان. هذه المشاركة تعزز، أحياناً بصورة مفرطة ومبالغ فيها، ثقتهم بأنفسهم وبمقدار معرفتهم، مما "يؤهلهم" سريعاً لينصبوا أنفسهم خبراء على الأثير.
قد يكون هذا التنصيب مفهوماً أو مقبولاً ضمن مجموعات محدودة معروفة بأنها "منتديات نقاش أو دردشة". أعضاء المجموعة، سائلون ومجيبون، متناقشون، مختلفون ومتوافقون يعرفون أن المسألة أبعد ما تكون عن "اسأل متخصص"، أو "اسأل مجرب". لا تعدو كونها منصات دردشة، ونقاش، وطرح أسئلة وقضايا، والتعليق عليها، دون مسؤولية تتعلق بمعارف خاطئة أو معلومات مضللة أو تفسيرات خائبة.
أقصى ما يمكن عمله لكبح جماح أدعياء الخبرات والمعارف هو نظام الإشراف والرصد المجتمعي عبر المنصة نفسها، أو عبر وضع لوائح تنظيمية للمنصة، (وإن ظلت غير ملزمة)، أو وضع آلية للإبلاغ عن المحتوى الذي قد يشكّل خطراً ومن بين الأخطار المعارف الضحلة أو الادعاءات والضلالات.
أمّا أثير "السوشيال ميديا" بمعناه الأوسع من صفحات وحسابات ذات محتوى متاح لمليارات المستخدمين، حيث مهندس الديكور يمكنه أن يتحوّل إلى "متخصص تغذية"، وطبيب القلب قد يختار أن يكون متخصصاً عسكرياً في حرب إيران، وأوكرانيا، والسودان، وغزة وما يستجد، وعامل السباكة يحقق طموحه بتقديم نفسه باعتباره داعية، وخريج كلية تجارة قسم محاسبة يضع حلولاً آنية لإنهاء مديونيات الدول عبر إسقاطها، وتلوث الهواء عبر التوقف عن استخدام المركبات والعودة إلى الدواب، وحل أزمة الغذاء عبر توزيع المحاصيل والمنتجات الحيوانية بالتساوي بين الشعوب.
كذلك حيث يرتع محترفو جمع وتلخيص آراء الخبراء ومقالات الكتاب ولقاءات المتخصصين ويخرج بـ"بنات أفكاره" المجمعة، فقد أصبح ساحة رحبة تمنح الفرصة لكل من يرى في نفسه القدرة، أو الرغبة في أن يصبح متخصصاً استراتيجياً أو أسرياً أو عسكرياً أو نفسياً أو سياسياً أو صحياً أو دينياً أو كل ما سبق في "متخصص خارق" واحد جامع للعلوم وعابر للمعارف.
أحد التفسيرات الكثيرة لـ"جنون المعرفة" على "السوشيال ميديا" ما يعرف بـ"تأثير دانينغ كروغر" في علم النفس. وهو التأثير الذي يحدث حين يؤدي نقص المعرفة والمهارة لدى الشخص إلى رد فعل عكسي، فيبالغ في تقدير كفاءته وذكائه، ويعتقد أنه عبقري. بمعنى آخر، إنه ما يحدث حين يجهل الشخص أنه جاهل.
ويقف على قدم المساواة مع وهم المعرفة على أثير "السوشيال ميديا"، الذي يؤهل كثراً ليجدوا حلولاً لمشكلات العالم بتدوينة أو تغريدة أو مقطع فيديو ثم دقة زر، وهم العمل وبذل الجهد. عادة تؤدي كتابة أو تسجيل مقطع يحمل آراءً مثيرة للجدل، أو تفسيرات غير معتادة، أو تحليلات حادة، إلى شعور صاحبها وكأنه يقوم بعمل حقيقي، لا سيما حين يحوز محتواهم على "لايك" وإعادة مشاركة وتعليقات كثيرة.
هذه القدرات الشعبوية الفائقة لإيجاد حلول لقضايا العالم وصراعاته وحروبه وثقب أوزونه وفجواته الطبقية وأزماته الغذائية وأسعار نفطه المتذبذب وفقر سكانه المتمدد ويمينه المتطرف الصاعد وديمقراطيته المهزوزة وأمنه المائي الآخذ في وأنظمته الصحية المتهاوية والفساد المتفشي والظلم المنتشر وغيرها، بسرعة وسلاسة ويسر على أثير "السوشيال ميديا"، تعيد إلى الأذهان ذكريات لعبة "المزرعة السعيدة" أو "فارم فيل".
القدرة الفائقة على حل مشكلات العالم تجد نفسها في اختبار حقيقي حين تنتقل من العالم الافتراضي إلى أرض الواقع.
"اندبندنت عربية" سألت أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي: ماذا سيحدث لو أصبح الخبراء الذين يحلون كل مشكلات العالم بسهولة على أثير "السوشيال ميديا" رؤساء ووزراء؟ هل سيستمرون في الحل؟ وجاءت الإجابة كالتالي "بينما يمتلك خبراء لوحات المفاتيح إجابة سريعة لكل شيء على ’السوشيال ميديا‘، سيكتشفون في الأرجح أن تطبيقها في الحياة الواقعية مسألة مختلفة تماماً. علاج مشكلات العالم الحقيقي، مثل تحديث شبكة الكهرباء أو إصلاح نظام التقاعد، يتطلب أعواماً من الأعمال الورقية المملة وغير الجذابة والتخطيط المكثف. أما خبراء ’السوشيال ميديا‘، فغالبهم معتاد على الحلول الفورية، وهو ما يجعلهم غير مؤهلين لوضع خطط طويلة الأمد تمتد لـ10 أعوام. ولو أصروا على تطبيق حلولهم "الافتراضية" على أرض الواقع، فإن النتيجة ستكون في الأرجح كوارث حقيقية ومصائب فعلية".