Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإيجابية السامة... حين يتحول التشجيع إلى أداة للسيطرة

التفاؤل الصحي يعترف بوجود مشاعر سلبية مشروعة ويساعد الفرد على تجاوزها من دون إنكارها

يمكن للإيجابية المفرطة أن تضر بالأشخاص الذين يمرون بأوقات عصيبة عند تجاهل مشاعرهم الحقيقية أو الاستخفاف بها (بيكسباي)

ملخص

الإيجابية السامة تعطي الأولوية للتفكير الإيجابي على حساب التجارب العاطفية الحقيقية، فتطالب المرء بإخفاء تلك المشاعر كلياً أو استبدالها بابتسامة لا تعكس ما يعتمل بداخله، فهي تتجاهل المشاعر الصعبة بطريقة تشعر المرء بأنه غير مسموع أو أن أحداً لا يكترث لمشاعره الحقيقية.

"طاقة إيجابية" عبارة أضحت شائعة الاستخدام بصورة لافتة، إذ تكاد تتردد داخل كل مكان، في مكاتب العمل وغرف الاجتماعات والفصول الدراسية والنوادي الرياضية وعلى أثير الإذاعات وفي البيوت وحتى الشوارع، كذلك تكتظ منصات التواصل الاجتماعي والكتب الأكثر مبيعاً بعبارات التفاؤل المطلق وشعارات الطاقة الإيجابية.

ويرتبط شيوعها المهيمن هذا، بصورة أساس، بوفرة الاهتمام البحثي بها وتأكيد قوة نتائجها، فالأكيد أن كل ما يلحق به لفظ الإيجابية يتحول إلى سحر خالص، الشخص الإيجابي والأداء الإيجابي والشعور الإيجابي والروح الإيجابية وغيرها كثير، لكل واحدة منها أثر الترياق على النفس والجسد على حد سواء. والعكس صحيح، فمحاولة تثبيط السلبية هاجس يسيطر على الأفراد والمجتمعات والمؤسسات الكبرى.

المشرق والمظلم

الطاقة الإيجابية هي تلك الروح التي تنشر التفاؤل والحماسة والتشجيع والبهجة والدافعية للحب والعمل والحياة والأداء على مستوى رفيع، ومع أن للإيجابية مكانتها وأهميتها، إلا أن ثمة خيطاً رفيعاً يفصل بين النظر إلى الجانب المشرق للأمور وبين كبت وتجاهل الجانب المظلم. فالتوجه المتطرف يمكن أن يكون مؤذياً، أو قد يُستغل أحياناً، بنية طيبة أو سيئة، لتوظيفه في خدمة غايات ضيقة، في طريق الدعوة الدائمة إلى التفاؤل وتجاهل المشاعر السلبية. لتتحول الإيجابية، تلك الكلمة ذات الأثر الجيد إلى إيجابية سامة، فهل من الممكن أن يتحول المديح الذي نتلقاه بشغف، وكلمات التشجيع التي تنادي بالتركيز على النصف المملوء من الكأس، إلى أدوات ناعمة لسلب إرادتنا؟

وفي وقت أصبحت الإيجابية ملاذاً للجميع وشعاراً للمرحلة، يتسلل نوع خفي من التلاعب النفسي يرتدي عباءة التفاؤل والثناء. فبينما يُفترض بالإيجابية أن تمكن الإنسان من النمو، يجري توظيفها في كثير من الأحيان لإعادة صياغة قناعاتنا وتمرير أهداف الآخرين من دون مقاومة تُذكر، فيبدأ التحول من الإيجابية الصحية إلى السامة حين تتوقف الإيجابية عن كونها خياراً متاحاً وتتحول إلى معيار إلزامي يُقاس به التزام الفرد أو ولاؤه أو حتى جدارته الأخلاقية، مطلب دائم يفوق قدرة الشخص وطاقته متجاهلاً تعقيد المشاعر الإنسانية، وبخاصة في اللحظات التي تبدو فيها الإيجابية مهمة شبه مستحيلة، كأن تطلب من أحد في لحظة مثقلة بالأحداث السيئة أن يكون أكثر تفاؤلاً أو ألا يقلق وهو يتكبد خسارة والخطر محيط به.

فالإيجابية الصحية تعترف بوجود مشاعر سلبية مشروعة وتساعد الفرد على تجاوزها من دون إنكارها، أما الإيجابية السامة تعطي الأولوية للتفكير الإيجابي على حساب التجارب العاطفية الحقيقية، فتطالب المرء بإخفاء تلك المشاعر كلياً أو استبدالها بابتسامة لا تعكس ما يعتمل بداخله، فهي تتجاهل المشاعر الصعبة بطريقة تُشعر المرء بأنه غير مسموع أو أن أحداً لا يكترث لمشاعره الحقيقية.

لذا لا يمكن عد الإيجابية المبالغ فيها تفاؤلاً، بل هي صورة متطرفة من صوره، إذ يدور التفاؤل حول شعور بالأمل والثقة تجاه المستقبل أو توقع نتائج ناجحة ويتقبل الأشخاص المتفائلون وجود الجوانب السلبية، في حين تتجاهلها الإيجابية السامة تماماً.

التلاعب النفسي

واليوم لم تعد الإيجابية وما يرافقها من تشجيع ومديح مبالغ به مجرد وسيلة للدعم النفسي، بل تحولت في كثير من البيئات الاجتماعية والمهنية إلى استراتيجية توجيهية ناعمة وغطاء مثالي لتمرير ممارسات التلاعب النفسي، والسيطرة على الأفراد ودفعهم نحو سلوكات معينة تحت مظلة التفاؤل من خلال استغلال حاجة الإنسان الفطرية للتقدير والقبول الاجتماعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والحقيقة، أن معظمنا لا يقصد السوء ولا يدرك حتى أنه يمارس الإيجابية السامة، إذ تنبع هذه الظاهرة من التنشئة والبرمجة السلوكية التي يمر بها كثير منا طوال مراحل الطفولة والبلوغ، فكثيراً ما طالبنا المحيطون ووسائل الإعلام بضرورة إظهار وجه بشوش وإخفاء التوتر أمام الآخرين والحفاظ على طاقة إيجابية فحسب، وغيرها كثير من الرسائل التي تبدو وردية وجذابة ولكنها تنطوي على أخطار، إذ يمكن للإيجابية المفرطة أن تضر بالأشخاص الذين يمرون بأوقات عصيبة، عند تجاهل مشاعرهم الحقيقية أو الاستخفاف بها أو عدم الاعتراف بصحتها، بدلاً من تقديم الدعم.

وهنا يمكن أن تعد الإيجابية السامة صورة من صور التلاعب النفسي لأنها تخلق تصوراً زائفاً للواقع، وغالباً ما تدفعك للتشكيك في أفكارك ومشاعرك. وفي بعض الحالات، قد تصل إلى حد الإساءة.

أداة استنزاف

ويمكن عد العمل من أخطر المساحات التي يتجلى فيها هذا المفهوم، إذ يعتقد بعض القادة أنهم يستطيعون تغيير النتائج غير المرغوبة بمجرد إظهار التفاؤل أو التفكير بإيجابية، ويحاولون نشر هذا النهج في مؤسساتهم بتوزيع الوعود أو التوقعات والتوصيات غير المنطقية. ربما لا يعلمون أنهم بذلك يثقلون الحمل على الموظفين ويمارسون نوعاً هائلاً من الضغط عليهم، في حين أن الموارد والأدوات المتوافرة بين أيديهم لا تدعم توقعات المديرين المرتفعة.

في حين يبدو توجيه التشجيع والمديح للموظفين بصورة فردية أو جماعية في محاولة لتحفيزهم ودفعهم إلى تحقيق إنجازات أمراً جميلاً، إلا أنه يخفي نوعاً خطراً من الإيجابية السامة، حين يكلف المدير أحد الموظفين بمهمة ويرفقها بسيل من المديح المبالغ به لاستغلال حاجة الموظف لإرضائه ونيل إعجابه بحيث يفعل المستحيل لإنجاز المهمة، كأن يقول له "أنت مبدع ومجتهد وأنا أؤمن بك وأثق بقدرتك على إنجاز هذه المهمة الصعبة في وقت قياسي" أو "أنت بطل وقادر على أداء كل هذه الأدوار معاً" أو "أنا ممتن لوجودك ومحظوظ بك ولست قلقاً بخصوص إنهاء العمل في وقته المحدد طالما أصبح بين يديك"، فيضعه بذلك تحت ضغط العمل المكثف والتفكير العميق معاً.

وتكمن خطورة هذا السلوك بأنه يستغل نشاط وولاء الموظف لتحميله مهام لا يعنى بها، أو حتى الاستعانة به وتحميله معظم أعباء العمل ومهامه، وبخاصة في الفترات التي يكثر فيها تسريح الموظفين.

وفي النهاية، تبقى الإيجابية واحدة من أرقى أدوات الدعم النفسي وأكثرها قدرة على بناء الإنسان، لكن الإيجابية التي تستحق الاحتفاء بها هي تلك تتبنى التفكير التفاؤلي المعتمد على الحقائق، إذ يعترف بالصعاب والمشاعر السلبية كجزء طبيعي من معالجة المشكلات، فتترك مساحة للحزن والغضب والتعب حين تكون هذه المشاعر مشروعة، وتعترف بأن الخوف والقلق والحزن إشارات حيوية تساعد على تقييم الأخطار وتعديل المسار، كذلك تقدم المديح كتقدير صادق لا كعملة تفاوض خفية، مع الفصل التام بين التقدير الشفهي وبين الحقوق والحدود الشخصية أو المهنية.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات