ملخص
في مختلف الدول، تبدو القوانين أساسية لحماية مصلحة المرضى، ومنع تضليل الرأي العام، والحفاظ على صورة مهنة الطب حتى لا تتحول إلى نشاط تجاري بحت
تضع النقابات الطبية والتشريعات في مختلف الدول ضوابط صارمة وقوانين محددة لضبط ظهور الأطباء على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لحماية المرضى والمجتمع بصورة عامة، وأيضاً منعاً للتوجه نحو التسويق والدعاية التجارية في المجال الطبي، لذلك جاءت القوانين لتنظم التواصل الإعلامي للأطباء، وتمنع تحويل الممارسة الطبية إلى مادة دعائية حفاظاً على صورة المهنة ولحماية المواطنين، وقد فرضت قوانين صارمة تحكم الظهور الإعلامي للأطباء ونشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً، خصوصاً أن العالم الرقمي أفسح المجال لحالة فوضى في المجال الطبي، كما في مختلف المجالات. في مختلف الدول، تبدو القوانين أساسية لحماية مصلحة المرضى، ومنع تضليل الرأي العام، والحفاظ على صورة مهنة الطب حتى لا تتحول إلى نشاط تجاري بحت. في لبنان، يبدو الوضع مختلفاً، ففي مقابل التشدد الذي نشهده في دول أخرى، سادت فوضى في هذا المجال، خصوصاً بوجود وسائل التواصل الاجتماعي، فيتنافس الأطباء لتحقيق أعلى نسبة من المشاهدات على هذه المنصات وتحقيق مزيد من المشاهدات والتفاعل، وكسب مزيد من الشهرة، خصوصاً في اختصاصات معينة.
نحو صخب الترند
أخيراً، حصل طبيب لبناني على الدرع الذهبي من منصة "يوتيوب"، بعد أن تخطى عدد المشتركين على قناته مليوناً، إذ بدا أن المحتوى الذي يقدمه يحقق نسبة مشاهدة عالية وتفاعلاً من الجمهور العربي بما يعتمده من أسلوب مبسط لنقل المعلومات. في أيامنا هذه، بدا أن الطبيب تحول إلى مؤثر في وسائل التواصل الاجتماعي، فإذا به ينتقل من أروقة المستشفى إلى منصات "الترند". ومن الأطباء من اختاروا صخب "الترند"، فمزجوا بين مهنة الطب والاستعراض، ونذكر هنا الإعلان الترويجي لطبيب أسنان أشعل غضباً في لبنان كونه استخدم صورة امرأة بأسنان مكسرة وعبارات اعتبرها كثيرون ترويجاً ساخراً للعنف الزوجي. على إثر ذلك، تصدر اسمه القنوات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى أن بعض الأطباء خرجوا من الإطار الذي يرسمه لهم اختصاصهم بحثاً عن الشهرة، فيطلون على منصات التواصل للتحدث بمختلف المجالات ومنها ما ليست له علاقة باختصاصهم الأساس. أمام انزلاق قسم كبير من الأطباء في طريق الشهرة، خصوصاً في اختصاصات معينة مثل التجميل، والطب النسائي، والأمراض الجلدية وغيرها، يبدو أن القوانين والضوابط التي توضع باتت حبراً على ورق، وكأن قلائل هم من يحرصون على مراعاتها أمام ما تشكله الشهرة من عنصر جذب، وما يمكن تحقيقه من مكاسب مادية من ورائها. هذا، إلى حد أن الأطباء أصبحوا نجوماً اليوم ومن المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، فهل يسمح القانون بذلك؟
ضوابط تفرضها الدول
في دبي مثلاً، فرضت ضوابط جديدة صارمة على المحتوى الطبي على وسائل التواصل الاجتماعي لمنع الوعود العلاجية المضللة وضمان حماية المرضى وسلامته، فأصدرت هيئة الصحة في دبي مجموعة من الضوابط والمعايير الجديدة لتنظيم االمحتوى الإعلاني الطبي المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي في إطار تشديد الرقابة على الإعلانات والخدمات الصحية التي تصل إلى الجمهور عبر الانترنت. وشملت القواعد الجديدة الأطباء والمنشآت الصحية، بما في ذلك العيادات والمستشفيات والمؤثرين الذين يشاركون في الترويج للخدمات أو الإجراءات الطبية للحد من الإعلانات المضللة والمبالغات التجارية التي قد تؤثر في قرارات المرضى أو تعرض صحتهم وسلامتهم للخطر. حتى أن المعايير الجديدة تركز على ضرورة أن يكون المحتوى الطبي المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي دقيقاً وموثقاً وقائماً على أسس علمية، مع وضع عبارات محظورة مثل "الأفضل" و"الأضمن" و"الوحيد"، والأوصاف مثل "العلاج السحري" و"المعجزة" والوعود الرقمية المضللة مثل "مضمون 100 في المئة"، كما تفرض ضوابط على الإطلالات الإعلامية للأطباء.
أيضاً في فرنسا، تخضع أنشطة الأطباء على وسائل التواصل الاجتماعي لرقابة صارمة، فوضعت قواعد قانونية وأخلاقية تميز بين الإعلام الصحي المشروع والترويج التجاري المحظور، كما أصدر المجلس الوطني لعمادة الأطباء في فرنسا "ميثاق الطبيب صانع المحتوى المسؤول" لتنظيم ظهور الأطباء المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي.
أما في لبنان، فلا يتناول قانون الإعلام، تنظيم ممارسة مهنة الطب ولا يتضمن قواعد خاصة لظهور الأطباء في وسائل الإعلام أو على وسائل التواصل الاجتماعي بصفتهم المهنية. فتنظيم هذه المسألة يعود بصورة أساسية للتشريعات الخاصة بتنظيم مهنة الطب، لا سيما قانون الآداب الطبية، إضافة إلى الأنظمة والقرارات الصادرة عن نقابتي الأطباء.
هذا ما أوضحه وزير الإعلام اللبناني بول مرقص، مشيراً إلى أن قانون الإعلام ينظم الإطار العام لممارسة حرية التعبير والنشر والعمل الإعلامي، ولا يفهم منه أنه يمنح الطبيب حقاً مهنياً خاصاً في الظهور الإعلامي أو يفرض عليه قيوداً مهنية تتعلق بممارسته الطب، وبالتالي "يميز بين الظهور الإعلامي للطبيب بصفته مواطناً أو صاحب رأي، وبين ظهوره مستنداً إلى صفته المهنية وما يترتب على ذلك من التزامات قانونية وأخلاقية. لكن في ضوء التطور الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن إجراء تعديلات تشريعية أو تنظيمية لتحديد قواعد أكثر وضوحاً لظهور الأطباء على هذه المنصات، على أن يتم ذلك ضمن إطار يوازن بين حرية التعبير وحق الجمهور في الحصول على المعلومات الصحية من جهة، وحماية المريض وكرامة المهنة ومنع التضليل والاستغلال التجاري من جهة أخرى".
أضاف وزير الإعلام "من الأفضل ألا يقوم التنظيم على منع ظهور الأطباء بصورة مطلقة، وإنما على تنظيم هذا الظهور المهني، بحيث يسمح للطبيب بتقديم المحتوى التثقيفي والعلمي والمعلومات الصحية العامة المبنية على أسس علمية، مع وضع ضوابط واضحة تمنع الإعلان الذاتي أو الترويج التجاري المضلل، وتقديم الوعود العلاجية، واستغلال صور أو معلومات المرضى، أو نشر معلومات من شأنها تضليل الجمهور".
أما في ما يتعلق بالمخالفات، "فإن الطبيب الذي يخالف القواعد المهنية والأخلاقية الناظمة لظهوره الإعلامي أو لاستعمال وسائل التواصل الاجتماعي بصفته طبيباً يخضع، وفق التشريع الخاص بمهنة الطب، للمساءلة أمام الجهات النقابية والتأديبية المختصة، لا سيما المجلس التأديبي، مع إمكان ترتيب المسؤولية المدنية أو الجزائية عند توافر عناصر مخالفة مستقلة يجرمها القانون".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعليه، بحسب مرقص، "فإن أي تعديل مستقبلي في هذا المجال يستحسن أن ينتقل من مفهوم منع الظهور الطبي إلى مفهوم تنظيم الظهور المهني للطبيب، من خلال تحديد الحقوق والواجبات والمعايير المهنية بوضوح، لا سيما بالنسبة إلى المحتوى الطبي المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلانات الطبية، والإفصاح عن المصالح، وحماية خصوصية المرضى، وآليات الشكوى والمساءلة والعقوبات".
لكن حتى اللحظة، يخضع الأطباء في ممارستهم الطبية وأيضاً في إطلالاتهم الإعلامية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي إلى الضوابط والتشريعات التي تضعها نقابة الأطباء. لذلك تنظم نقابة الأطباء ظهور الأطباء إعلامياً، كما تعيد باستمرار إصدار توصيات جديدة بهدف تنظيم الإطلالات الإعلامية نظراً إلى الفوضى التي في المجال، ومن ضمنها تسويق بعض الأطباء أدوية غير حائزة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية على أنها "سحرية"، ويمكن أن تخفض الوزن بمعدلات كبرى وبسرعة فائقة، لكن يبدو وكأن القوانين والضوابط التي توضع تبقى حبراً على ورق.
الحدود المقبولة
في حديثه، أكد نقيب الأطباء الياس شلالا أنه عاد وأصدر بياناً حازماً في شأن الظهور الإعلامي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي للأطباء، وهو ينوي فرض توقيع من كل طبيب ينتسب من الآن فصاعداً إلى النقابة على الآلية الجديدة التي ينوي فرضها ليضع حداً للفوضى الحاصلة، "كما أن كل طبيب مخالف للقوانين، سيحال إلى المجلس التأديبي، وقد بدأ باتخاذ إجراءات متشددة مع بعض الأطباء الذين تخطوا الحدود المقبولة، ومنهم أحد الأطباء الذين لهم اسم معروف في البلد. سأحرص على التواصل من الآن مع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، حتى لا تستقبل أي طبيب من دون الحصول على إذن مسبق من النقابة. لكن تبقى المشكلة الكبرى في وسائل التواصل الاجتماعي التي تسهم في هذه الفوضى بغياب أية آلية رقابية تضبط الأمور فيها، حتى أن قانون الإعلام لا يتناول أية آلية لتنظيم الأمور في هذا المجال. لذلك تبقى الضوابط محدودة وإن حاولنا تنظيم الأمور، وعلى رغم أنني أحاول أن أمارس هذا الدور الرقابي، إلا أنه يبقى محدوداً، ولا يمكنني السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي ومراقبتها كلها".
في محاولاته لتنظيم الظهور الإعلامي للأطباء وإطلالاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، يحرص نقيب الأطباء على إصدار توصيات من فترة إلى أخرى علها تسهم في وضع حدود معينة، لكن كما يبدو واضحاً، تستمر الفوضى بغياب المحاسبة الجدية.
وبحسب شلالا "ثمة مشكلة أساسية في التدخلات السياسية والوساطات التي تلعب دوراً في استمرار حالة الفوضى، فكثيراً ما أن محاسبة طبيب لا تعود ممكنة بوجود التدخلات السياسية لمصلحته، لا يعود هناك أي جدوى من هذه الآلية"، وأشار هنا إلى أحد الأطباء الذين لا يترددون في التسويق لأدوية تنحيف لم تحصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، وفي التمادي في تحويل المهنة إلى منبر للتسويق وللإعلانات التجارية. على رغم ذلك، تبرز صعوبة محاسبته، نظراً إلى علاقاته المتينة مع شخصيات سياسية ودبلوماسية تتدخل في كل مرة لتبرئته، إلا أنه ينوي أن يستدعيه ويحيله إلى المجلس التأديبي ولو كان محمياً، وفي حال حصول أي تدخل من أجله، ينوي جدياً إعلان ذلك عبر وسائل الإعلام، أما الإجراءات التي يشدد على اتخاذها فتبدأ من الإنذار، ثم اللوم، ثم التوقيف عن العمل في حال عدم الامتثال للتوصيات.
توصيات جديدة
وأكد شلالا أنه ينوي استخدام التوصيات الجديدة التي صدرت أخيراً عن نقابة الأطباء حداً للفوضى الحاصلة في لبنان، وتابع "صحيح أن الظهور الإعلامي للأطباء مسموح ضمن ضوابط معينة بهدف التوعية، إلا أن ذلك لا يعني أن تستخدم مهنة الطب للتسويق لأدوية غير مرخصة وتضليل الرأي العام وتهديد سلامة المرضى، فيما يمكن للضوابط القانونية أن تنظم الأمور، وبالفعل خلال ثلاثة أشهر تقريباً ينوي اتخاذ إجراءات جدية وصارمة وسيكون هناك تحول فعلي، فيما عبر عن رفضه لاستمرار الوضع على حاله بغياب الرقابة والمحاسبة".