ملخص
يقدم أحمد مالك واحداً من أكثر أدواره نضجاً حتى الآن، يبني شخصية فاروق بالصمت والنظرات أكثر مما يبنيها بالكلام، يترك هشاشته تتسرب تدريجاً من دون أن يستجدي تعاطف المشاهد.
تفوح من "كولونيا" رائحة واحدة لا تغادر الشقة طوال الفيلم، رائحة أب عائد من غيبوبة استمرت ستة أشهر، يستقبله ابنه الأصغر فاروق بمزيج من الترقب والخوف، فيما يحاول عطر رخيص أن يطمس أثراً جسدياً وأثراً نفسياً أعمق بكثير من مجرد رائحة مريض خارج من مستشفى.
يضع المخرج محمد صيام في عمله الروائي الأول، فاروق (أحمد مالك) وأباه عمر (كامل الباشا) في مواجهة ليلة واحدة داخل شقة العائلة، بينما يقف الأخ الأكبر علي (عابد عناني) على هامش المشهد، حريصاً على ميراث أب لم يمُت بعد أكثر من حرصه على أخيه.
من هذه المساحة الضيقة زمناً ومكاناً، يحاول الفيلم أن يستخرج تاريخاً كاملاً من الخذلان المتبادل، أم توفيت من دون أن يودعها الابن، وابن انهار دراسياً وانزلق إلى تجارة المخدرات، وأب يعامل الجميع بقسوة لا يفسرها الحوار بما يكفي في البداية.
محاكمة لا تكتمل
المشكلة الأولى في "كولونيا" بنيوية قبل أن تكون أدائية. اختيار حصر الحكاية في ليلة واحدة ومكان واحد تقريباً كان يفترض أن يمنح العمل كثافة درامية، لكنه في الممارسة يحاصر الصراع في دائرة مغلقة، تصعد المواجهة بين الأب وابنه صاخبة، ثم تهدأ مع محاولة تقارب هشة، ثم تعود للنقطة نفسها بحدة مشابهة تقريباً.
ويتكرر هذا النمط أكثر من مرة من دون أن يصل الصراع إلى مستوى أعمق من الكشف. والنتيجة فيلم يشعر المشاهد فيه أنه يدور حول جرح واحد من دون أن يجرؤ على فتحه بالكامل، على رغم أن صدق النوايا العاطفية للعمل لا يمكن التشكيك فيه.
يزيد من هذا الإحساس اعتماد السيناريو (الذي شارك في كتابته أحمد عامر) على حوار كثيف يحمل عبئاً ثقيلاً من المعلومات، بدلاً من أن يترك الصورة والصمت يقولان ما يكفي.
ثمة إشارة تستحق التوقف، وهي أن تيمة محاكمة الأب (أب قاسٍ في مواجهة ابن نافر) ليست جديدة على السينما، لا في مصر ولا خارجها، و"كولونيا" لا يضيف كثيراً على مستوى معالجة هذه العلاقة في حد ذاتها.
ضيق الزمن (ليلة واحدة) وضيق المكان (البيت في الغالب، باستثناء مشهد المصارحة في كازينو على البحر) يمنحان الفيلم طابعاً مسرحياً واضحاً، حاول المخرج تعويضه بأدوات بصرية، الضوء الأزرق الآتي من الخارج، وصوت المطر وقطراته، واهتراء الديكور كدلالة على تراكم الزمن من دون جدوى، وانفصال الشخصيات كل في كادرها الخاص أثناء المشاحنات.
هذه الأدوات، على رغم دلالتها الواضحة، لم تنجح في انتشال الإيقاع من رتابة حوارية تتكرر، فتصعد المواجهة صاخبة، تهدأ مع محاولة تقارب هشة، ثم تعود لنقطة الاشتعال نفسها تقريباً.
أداء يتجاوز حدود النص
في مقابل هذه الثغرات البنيوية، يقدّم أحمد مالك واحداً من أكثر أدواره نضجاً حتى الآن، يبني شخصية فاروق بالصمت والنظرات أكثر مما يبنيها بالكلام، ويترك هشاشته تتسرب تدريجاً من دون أن يستجدي تعاطف المشاهد، على رغم تأرجح ملحوظ في أدائه يبدو، إلى حد بعيد، متعلقاً بالتوجيه الإخراجي أكثر من كونه قصوراً في أدواته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما كامل الباشا، فاختياره لتجسيد رجل إسكندراني (وهو فلسطيني الأصل) بدا مجازفة لم تنجح تماماً على مستوى اللهجة والصوت، ويقع أداؤه أحياناً في فخ الميلودراما المفتعلة، مما يضعف صدقية الأب في لحظات كان يفترض أن تكون الأكثر إيلاماً في الفيلم.
ما تخفيه الليلة الأخيرة
الجانب الأكثر جرأة في "كولونيا" لا يظهر في الطبقة الأولى من الحكاية، بل في تفصيلة عابرة يقولها الأب في أحد المشاهد عن خيانته لزوجته الراحلة مع صديق له. هذه الإشارة القليلة تفتح قراءة مختلفة تماماً للعمل، إذ يتحول الصراع الظاهر بين أب قاسٍ وابن منحرف إلى شيء أعمق، حكاية رجل عاش عمره يخفي ميله الجنسي الحقيقي، تزوج في لحظة اندفاع، ودفع ثمن هذا الاختيار طويلاً بقسوته تجاه من حوله.
المفارقة هنا لافتة فعلاً، فالأب من جيل أقدم يأتي متمرداً على نوعه، بعكس المتوقع من أفلام تصوّر الأبناء عادة كمتمردين على جيل آبائهم المحافظ. ولو مُنح هذا الخيط مساحة أوضح في السرد بدلاً م أن يُترك عابراً وسط زحام الحوار، لكان "كولونيا" عملاً أكثر تماسكاً وجرأة معلنة، لا مجرد تلميح يضيع بين ثرثرة الليلة الطويلة.
يضاف إلى هذا بعد طبقي مهم، فالعائلة تنتمي إلى طبقة متوسطة دنيا لا تملك ترف الحديث عن هذه القضايا بصوت عالٍ، مما يجعل المسكوت عنه في الفيلم أثقل من المصرَّح به، ويمنح شخصيات هامشية مثل صديقة فاروق سارة (التي تخلع نقابها وتضعه بحسب من تكون أمامه) وتاجر المخدرات المتحول جندرياً، وظيفة رمزية واضحة عن الازدواجية التي يفرضها المجتمع على من يخرج عن نمطه المتوقع.
كولونيا التي لا تُمحى
العنوان العربي "كولونيا" يشتغل على استعارة جميلة، عطر يحاول فاروق أن يرش به السيارة ليتخلص من رائحة أبيه بعد وفاته، لكنه عطر لن يمحو أثراً أعمق من رائحة، بينما يحمل العنوان الإنجليزي "My Father's Scent" دلالة مزدوجة بين النفور من هذه الرائحة والحنين إليها بعد الغياب.
المشهد الختامي، حيث يقف فاروق أمام السيارة باكياً بعد أن أدار ظهره للكاميرا، يمنح هذه الاستعارة وزنها الحقيقي، ويذكّرنا بأن ما حاول الفيلم قوله عن الآباء لا يُغسل بسهولة مهما حاول الأبناء.
في المحصلة، "كولونيا" تجربة أولى تحمل عثرات متوقعة لأي عمل روائي طويل أول، تكرار في بنية الصراع، وحوار مثقل أحياناً بالمعلومات، وأداء متفاوت بين بطليه، وفكرة أساسية جريئة لم تُمنح المساحة السردية الكافية لتتجلى بوضوح.
لكنها في الوقت نفسه تجرؤ على الاقتراب من منطقة حساسة نادراً ما تناقشها السينما المصرية بهذه الصورة المباشرة، وتترك في أحمد مالك ممثلاً يستحق المتابعة عن قرب، وفي محمد صيام صانع أفلام لا يزال في طور اكتشاف أدواته، لكنه اختار أن يبدأ بسؤال لا يخلو من مجازفة حقيقية.